نتنياهو في سوتشي.. ماذا أراد؟ وماذا أراد الروس منه؟

نتنياهو في سوتشي.. ماذا أراد؟ وماذا أراد الروس منه؟

// ياسر قبيلات //

 

لم يكن لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الكثير ليفكر فيه بينما كان يتوجه لمقابلة الرئيس الروسي؛ كان يشغله على نحو خاص معرفته أن لا أحد يثق به في هذا العالم، أصدقاء وأعداء على حد سواء. بينما موسكو، بالذات، لديها ما يكفي من الأسباب لكي تتشكك بكل خطوة يقدم عليها تجاهها؛ فهو في غمرة الخيلاء اختبر، برعونة، الصبر الروسي أكثر من مرة في سوريا، ناهيك عن أن تلك الخيلاء نفسها جرفته إلى ممالأة عواصم تعيش نخبها عقداً معروفة إزاء موسكو، فساند وارسو وبراغ وامستردام في استثناء روسيا من المشاركة في متحف «سوبيبور»، الذي يخلد انتفاضة أسرى ضد النازيين، قادها ضابط سوفيتي من أصل يهودي.

 

وبالمقابل، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان لديه الكثير من دواعي وأسباب القلق التي دفعته لترتيب لقاء مع الرئيس الروسي، والتراجع أمام موسكو في قضية متحف «سوبيبور»، التي هي بالنسبة للروس قضية معنوية وسياسية، في الآن نفسه، تتعلق بالإعتراف بالدور التاريخي لبلادهم والجيش الأحمر في هزيمة النازية. ومحاولات «التلاعب» بتاريخ الحرب العالمية الثانية ونتائجها هي أمر مرفوض تماماً بالنسبة لموسكو.

 

في هذا السياق، برز على نحو خاص، مقابل هجاء الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لإسرائيل واتهامها لتل أبيب بـ«الخيانة التاريخية»، التأكيد الإسرائيلي على المستوى الجيد من العلاقات مع موسكو، الذي لا يؤشر في الواقع على علاقات جيدة، بل يكشف حاجة إسرئيلية إلى تأكيد وجود مثل هذه العلاقة. ما يشير إلى أن إسرائيل التي اعتادت التملق الدولي، تدرك أنها مع موسكو لن تحظى بشيء مما تريده، ما لم تكن هنالك مصالح متبادلة، مباشرة أو غير مباشرة؛ أي ضمان مصالح تتحقق مع إسرائيل نفسها، أو أخرى تلزم في ساحات حليفة.

 

وبالطبع، فإن أسباب قلق نتنياهو هي حيثيات ناشئة في الميدان السوري، وتتعلق بالمعادلات التي يبدو أن هذا الميدان على وشك فرضها على الوضع في المنطقة:

 

ابتداء؛ بات من الواضح أن الدور الروسي في الميدان السوري تجاوز كونه تدخلاً عسكرياً محدوداً لمواجهة الإرهاب، الذي تتحسب موسكو من ارتداداته، وظهرت جلياً أبعاد هذا «التدخل» الاستراتيجية على المستويات كافة، من حيث أنه:

 

– لم يشكل اخفاقة روسية جديدة على غرار أفغانستان، كما راهن الكثيرون، وتوقعت إسرائيل؛ وبدلاً من الإخفاق الذي كان يمكن أن يهز كيان الدولة الروسية، ويدفعها إلى الإنكفاء للداخل، تحول هذا «التدخل» إلى رافعة جبارة نقلت دور روسيا ومكانتها الدولية إلى مستويات جعلت منها الدولة الأكثر فاعلية في «منطقة الشرق الأوسط».

 

– إن هذا «التدخل» خلق علاقة تحالفية بطبيعة استراتيجية بين دمشق بكل ثقلها ومعناها في المعادلة «الشرق أوسطية» وبين موسكو العائدة للعب دور أساسي في إعادة صياغة التوازنات الدولية؛ وهذا يعني عملياً أن «العملية العسكرية الروسية المحدودة» في الميدان السوري توسعت تلقائياً لتشمل الميدان الشرق أوسطي، كلّه.

 

– ذلك، يعني كذلك أن روسيا لم تعد بحاجة لاستجداء تل أبيب لزيادة مساحة دورها في المنطقة، وأضحت في غنى عن البوابة الإسرائيلية في سعيها لضمان مقعد حول الموائد الدولية المتعلقة بمنطقة «الشرق الأوسط» الاستراتيجية.

 

– وبهذا التحالف مع سوريا تستكمل روسيا دائرة علاقاتها مع طهران، التي تتحول من مجرد علاقات ثنائية إلى محور يأتلف على مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية، ويتوافق على جملة غير قليلة من المصالح، التي تسندها حقيقة جيوسياسية؛ فانفتاح الجغرافيا من بحر قزوين حتى المتوسط، مروراُ بإيران والعراق وسوريا ولبنان يعطي معنى جديداً وأهمية مضاعفة للعلاقات مع كل هذه البلدان، ويخلق آفاقاً ومصالحَ جذريةً لم تكن في الحسبان.

 

– وبطبيعة الحال، فإن الأهمية التي تكتسبها جغرافيا أو بلدان ما، لا بد أن تأتي على حساب أهمية جغرافيا وبلدان أخرى، فحيث تزداد «الأهمية» هنا، تنقص وتتضاءل هناك. ومن المقلق لقادة إسرائيل أن يكونوا خارج المعادلة، وفي تناقض معها.

 

ويتضح في الأثناء، وبعد حوالي سبع سنوات من محاولات تدمير سوريا، وبعد أكثر من عقد ونصف على إطلاق شرارة تفتيت المنطقة طائفياً وإثنياً، أن «الهلال الشيعي» هو أبسط ما يمكن أن يواجهه الإسرائيليون وحلفاؤهم؛ فالأمر لا يتعلق بـ«هلال شيعي» في حقيقة الأمر، ولكنه يتعلق باستحقاقات تغيّر جوهري وشامل لم يجد تعبيراته في الواقع الجيوسياسي بعد، وهذه الاستحقاقات تفرض الآن نفسها.

 

والحقائق السورية نفسها قد تكون أشد إقلاقاً لراحة قادة إسرائيل؛ إذ أن مخطط تدمير سوريا، الذي أوكل لجماعات التطرف والإرهاب، تحول بعد سبع سنوات إلى مجرد «غزوة»، مثله في ذلك مثل «غزوة نيويورك وواشنطن»، التي لم تحقق أهدافاً سياسية، ولكنها جرَّتْ نتائج كارثية. وهذه النتائج الكارثية يواجهها اليوم حلفاء الإرهاب ورعاته، وممولي هذه «الغزوة».

 

وبدرجة لا تقل إقلاقاً، فإن هذه «الغزوة» كشفت عن حقيقة مزعجة، تجسدت بالتواصل الحي بين المستويين السياسي والعسكري في سوريا، وتناغم قل نظيره في المنطقة بين القيادة السياسية والجيش والقوى الأمنية. ما وضع العالم أمام حقيقة مفاجئة، لم يرد أن يراها أولئك الذين يكرهون أن يروا في سوريا دولة، ويحبون أن يروا فيها نموذجاً «شرق أوسطي» لديكتاتورية متماسكة في الظاهر تحت ظلال الشعارات الديماغوجية وعلى وقع القمع، ولكن مفككة الأوصال في الواقع العملي.

 

وهنا، كانت للجيش السوري مأثرته الخاصة، فقد فأجا العالم، وفي مقدّمته إسرائيل، بأدائه، وانضباطيته، وتحمله مسؤوليته الوطنية تجاه بلاده، وهو ما لم تنفع معه كل الإغراءات والمحاولات التحريضية والتخريبية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، برهن على قدرة غير مسبوقة لم يتوقعها العالم في خوض واحدة من أقسى حروب الاستنزاف، واستعداده في ظل أقسى الظروف للقيام بواجبه ومسؤوليته.

 

ومن أسوأ ما يواجهه الإسرائيليون، اليوم، في عالم تنشغل فيه أوروبا بقضاياها الداخلية، وتنقسم فيه الولايات المتحدة حول «تغريدات» رئيسها الاستعراضي على تويتر، هي تلك الحقائق التي أفرزها الميدان السوري:

 

لقد وضع ميدانُ المؤامرةِ الجيشَ السوريَّ أمام اختبارات صعبة عديدة، دفعة واحدة، واضطرَّ لخوض عدة أنواع من الحروب معاً؛ فمن جهة، كان عليه أن يكون جيشاً نظامياً وأن يقاتل على هذا الأساس، ومن جهة أخرى كان مضطراً لخوض أنواع غير تقليدية من الحروب تفشل في خوضها الجيوش النظامية عادة، فخاض حرب عصابات، ومعارك شوارع وحرب مدن، كما واجه حرباً جديدة هي مزيج خطر من الحرب النظامية وحرب العصابات ومعارك المدن والشوارع. وفي المحصلة، كانت هذه الأنواع الأربعة من الحروب والمعارك تشكل حرب استنزاف مهلكة. ومع ذلك، تكيّف، وخاضها بنجاح.

 

من جهة أخرى، قاد الميدان السوري إلى استقطاب قوة «حزب الله» القتالية، ناهيك عن خلق واستقطاب قوى مماثلة أخرى، ومنحها الفرصة على التمرس واكتساب خبرات قتالية لم تتأتّ لـ«حزب الله» إلا بعد ربع قرن من الممارسة الحثيثة واليومية. وكل ذلك على مقربة من الحدود الحرجة. والحدود الحرجة لم تعد بالنسبة للإسرائيليين الحدود مع لبنان المتاحة لـ«حزب الله»، بل وكذلك الحدود السورية التي قد لا يواجهون فيها الجيش السوري فقط، بل وسواه من حلفائه.

 

لقد كانت العنجهية الإسرائيلية تعيش على الدوام حلماً لذيذاً بأن أية حرب مع سوريا يمكن إنهاؤها على طريقة اجتياح بيروت في العام 1982. بينما الإسرائيليون اليوم يدركون أن ذلك حتى لو كان ممكناً، فإنه خيار لا يعود إلا بأوخم العواقب، فالسيناريو الممكن حصوله حينها، يرونه الآن، يوماً بيوم في الميدان عبر أداء الجيش السوري. والأمر لا يتعلق فقط بالاستنزاف الفادح الذي سيتعرض له جيش الاحتلال، ولكن أيضاً بأنَّ خبرات الميدان السوري – بكل أنواع الحروب التي أفرزها – يمكن نقلها إلى داخل الكيان الصهيوني نفسه.

 

وهنا، يلحظ الإسرائيليون بقلق أن نجاح سوريا في مواجهة كل ذلك يعود إلى أسباب وظروف لا تتوافر لديهم. بل على العكس من ذلك، فإن «أسبابهم» و«ظروفهم» لا تساعدهم ولا تسعفهم على الصمود في وجه ما واجهته سوريا.

 

وبالمحصلة، فإن عدم قدرة جيش ما على احتلال أراض، أو تحمل نتائج احتلال أراض، يعني ببساطة عدم قدرته على خوض حرب، إلا من باب المغامرة الإنتحارية..!

 

من المزعج بالنسبة للإسرائيليين، كذلك، أن الميدان السوري وفر خبرة ميدانية نادرة في العمل المشترك بين الجيش السوري و«حزب الله» وحلفائهما. كما أظهر قدرتهما على خوض حرب طويلة. والأسوأ من ذلك، أن ذلك أكسبهم الخبرة والقدرة على تحويل أي عملية عسكرية إلى حرب من هذا النوع، بينما اسرائيل هي «سيدة» الحروب الخاطفة والعمليات الغادرة.

 

يجدر التذكير هنا، بأن مسرحية «الربيع العربي»، كانت قد نقلتنا مباشرة من توتر الأوضاع على الحدود مع لبنان، ومن لحظة كان الإسرائيليون يعيشون فيها مأزقاً حرجاً فحواه أنَّ أية حرب جديدة مع حزب الله، الذي خاض بنجاح حرب تموز 2006، هي حرب غير مضمونة، وقد تكون نتائجها غير مسبوقة. ولكن عدم ضرب حزب الله يمكن أن يتيح له مزيداً من الوقت لإعداد نفسه، وحشد قدرات غير تقليدية، وقد تواجه إسرائيل في هذه الحالة خطر انتقال زمام المبادرة من يدها إلى يد «الحزب»، الذي سيكون بوسعة أن يحدد موعد الحرب ومكانها في الوقت الذي يشاء.

 

ونتنياهو يتذكر تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم، قبيل مسرحية «الربيع العربي»؛ حيث حذَّر «المعلّم»، آنذاك، «زعران إسرائيل» مِنْ شنّ أيّ عدوان على لبنان، وتعهد بأنَّ إسرائيل إذا ما أقدمت على ذلك فلن تواجه «حزب الله» وحده، بل الجيش السوري كذلك، وأن سوريا ستدخل أية معركة مقبلة.

 

وهو يتذكر من جهة أخرى، أن المعادلة بين اسرائيل وبين «حزب الله» كانت دوماً تقوم على تفوق إسرائيلي في الجو؛ غير أن مخرجات الميدان السوري التي نقلت العلاقة بين سوريا وبين «حزب الله» من المساندة السياسية والدعم من الباطن إلى علاقة تحالفية كاملة في إطار محور ممتد، تنذر بفقدان إسرائيل لهذه الميزة.

 

واليوم، يعرف نتنياهو أن الأزمة السورية ستنتهي بنهاية العام أو مطلع العام المقبل على أبعد تقدير. الجميع يسلمون بذلك. وهو يرى أحجار الدومينو، التي تغذي الصراع الدموي في سوريا، تتهاوى داخلياً وخارجياً، فيما ستبدأ قريباً دبلوماسية إعادة الإعمار، التي ستعيد العالم إلى دمشق، وتشغله عن التجاوب مع «الدلع» الإسرائيلي ومنافقة تل أبيب، بينما ستعود دمشق إلى الساحة الدولية، معترفاً بوزنها الجديد الذي تحقق بالانتصار على مشاريع تدمير إقليمية ودولية.

 

ويمكن الانتباه، هنا، إلى أن رئيس الوزراء الاسرائيلي طار إلى سوتشي الروسية للقاء الرئيس الروسي، في وقت كان مبعوثا الرئيس الأميركي يحومان في منطقتنا «لبحث عملية السلام»؛ ورئيس الوزراء الإسرائيلي في الآن نفسه يدرك أن المقعد الروسي، الذي بات محجوزاً سلفاً في أية جهود من هذا النوع، هو الآن أرسخ من نظيره الأميركي، وأكثر صلة بأرض الواقع. ولكنه يعرف بالمقابل أن روسيا منشغلة بالميدان السوري وتعتبره أولوية، عل الأقل بواقع جنودها المرابطين هناك. وكذلك بحكم أن حليفها السوري منشغل، هو أيضاً، بأولوياته. وبالتالي، فإن أي حديث عن تحريك «عملية السلام» هو كلام غير جدي.

 

ومن جهة أخرى، يدرك نتنياهو أن موسكو لن تفرّط بما أنجزته من علاقات تحالفية أفرزها دورها في الميدان السوري لتعطيه ضمانات ما، أو لتحميه من عواقب حماقاته. كما أن نتنياهو يعرف أن إسرائيل تعتمد في ما يتعلق بالتهديد الإيراني آليات أخرى بالتنسيق مع الأميركيين وعلاقاتهم، بعيداً عن الروس. بينما هو يعرف، كذلك، أن مخاوفه من الجهة السورية، التي يمكن أن يلجأ إلى موسكو بشأنها، تتطلب من موسكو أكثر مما يسمح به الكرم، والكرم غير موجود في عالم السياسة.

 

وإذن، ما الذى يريده نتنياهو من روسيا؟

 

في الواقع، قادت محاولات الأميركيين والأوروبيين عرقلة الجهود الدبلوماسية والسياسية والعسكرية الروسية لإنهاء الصراع في سوريا إلى نتيجتين مترابطتين. الأولى تفرد روسي بمسك خيوط الأزمة، والثاني خروج حلفاء اسرائيل، الأميركيين والأوروبيين، من اللعبة. وبخروجهم من اللعبة، لم يعودوا بصورة التطورات والنوايا، لا سيما في ما يتعلق بالمستقبل، وكيف ستتصرف الأطراف الفاعلة، حلفاء سوريا، لاحقاً، بما يتعلق بحزمة من القضايا الأساسية، منها تواجدهم المسلح في هذا البلد. وفي هذا كله، لم يعد الأميركيون والأوروبيون قادرين على وضع حليفتهم إسرائيل في صورة ما يجري، بينما تملك روسيا ذلك.

 

وهكذا، يخطب نتنياهو ود روسيا محاولاً التقاط إشارات حول مستقبل المنطقة، ونوايا حلفاء سوريا في المرحلة المقبلة، وقواعد مرحلة ما بعد الأزمة. هذا مفهوم. ولكن ما الذي يريده الروس من نتنياهو، ليستقبلوه بين حين وآخر؟

 

إنه يأتيهم دائماً مدفوعاً بمخاوف كبيرة. يستمعون إليه. يضعونه في صورة موقفهم. وينتزعون منه مكسباً هنا وآخر هناك. والواضح أنهم لبوا رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارة بلادهم، بنية تفتيت تكتل أوروبي يضم وارسو وبراغ وامستردام، إلى جانب تل أبيب، من قضية متحف «سوبيبور»، التي قد تبدو قضية «صغيرة»، ولكنها بالنسبة للروس مهمّة وتتعلق بعدم السماح بتجاوز روسيا، أو تجاهل دورها التاريخي في هزيمة النازية، الأمر الذي من شأن التسامح معه أن يؤجج محاولات «التلاعب» بتاريخ الحرب العالمية الثانية ونتائجها…!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *