مِنْ صفيَّة أنطون سعادة إلى ناهض حتَّر

مِنْ صفيَّة أنطون سعادة إلى ناهض حتَّر

// د. صفية أنطون سعادة //

 

الرصاصة لا تقتل الكلمة. الرصاصة تُعلي الكلمة فتطير وتنتشر في فضائها الحر، فضاءِ مشرقيتها كما أرادها ناهض حتّر.

ناضل ناهض حتّر بالكلمة الصريحة، الواضحة، الفاقعة، ليس من أجل حريته الفردية، بل من أجل حريتنا جميعاً، نحن الذين ننتمي إلى هذه الارض الجميلة، إلى هلالها الخصيب بألوانه الزاهية، وتلاوينه الدينية والاثنية المختلفة، إلى هذه السجادة المنمنة بألف لون ولون والتي كونًها تاريخها منذ آلاف السنين، فخاض أهلها غمار البحار وكثبان الصحاري ينشرون ثقافتها ويشاركون الآخرين أقدم حضارة عرفها التاريخ، من رحم الحضارة السومرية التي ابتكرت الكتابة المسمارية فباتت المؤرخ الاول للأحداث البشرية، وتحولت الى لغة التواصل مع الآخرين، لغة معرفة وانفتاح وتقدم ورفاهية لا لغة رصاصية مدمرة بشعة.

نشط أهل «سوراقيا» في بناء المدن، وبرعوا في الفنون والنحت والعمارة والعلوم في فترات تاريخهم القديم. وأرسى البابليون قانون حمورابي الذي نظم المجتمع ومنع الفوضى، كما منع استبداد الملوك في تعاملهم مع رعيتهم، وأبدع البابليون في الطب والرياضيات والموسيقى وشملت إمبراطوريتهم الهلال الخصيب بأكمله حتى أطراف سيناء. وتدل ملحمة جلجامش على نوع حضارتهم المنفتحة، وتعاملها الإنساني مع الغريب فتحتضنه وتدمجه في فضائها، لا ترفضه أو تقتله كما فعلت حضارات أخرى، ولم يشذ عن تلك الخصال الأنباط الذين استوطنوا الأردن وعاصمتهم البتراء فاعتبرها المؤرخون من ألمع الحضارات التي نشأت في العالم القديم.

حين دخل الإسلام تبنى حضارة الهلال الخصيب وعلومها ومعارفها، والبرهان على ذلك أن آثارها بقيت حية إلى يومنا هذا، فتابع أهل «سوراقيا» مسيرتهم المضيئة كما تشهد قباب المساجد وفسيفساؤها وقصورها وحماماتها البديعة المزخرفة، ومدنها واقنيتها، وتنظيم مزارعها، ومن العروف ان أقدم نظام للري ولحفر قنوات الري ابتدعه الأشوريون كما ظهر جليا في سهل نينوى عاصمة الأشوريين.

أبدع السوراقيون بعد مجيء الإسلام في الفلسفة والرياضيات والأدب والفن، وكل أشكال حضارة متفوقة، وأسماء مبدعيها لا تُعد ولا تحصى من ابن سيناء، إلى الخوارزمي، والفارابي، وابن المقفع، والجاحظ، وأبي نواس، والمتنبي، والمعري، وآخرين، هامات شامخة لا تزال إنجازاتها تُتداول في العالم أجمع.

هذا هو الإرث الذي دافع عنه ناهض حتّر، وكان يعتصره الألم حين يشاهد من يحاول إزالته من الوجود، يهب دفاعا عنه في وجه العنصرية، وكره الآخر، وجشع المستعمر، وحقده.

لا، لن تقتل الرصاصة الكلمة. ستظل حية فينا ما دمنا نتناقلها، فنم هنيئا، مطمئنا. حياتك لم تذهب سدى، فالبقاء للأمة.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *