ميدفيديف.. ميدبوتين.. قصَّة ظلّ

ميدفيديف.. ميدبوتين.. قصَّة ظلّ

ياسر قبيلات
(وجبة دسمة يقدِّمها ياسر قبيلات، في مقاله هذا، عن السياسة الروسيَّة والسياسيين الروس، مِنْ خلال قيامه بإعادة بناء سيرة رئيس الوزراء الحاليّ (الرئيس السابق) ميدفيديف، وعلاقته الغامضة بالرئيس بوتين. وفي السياق نفسه، يتوقَّف ياسر عند بعض أوجه تشابه أدوار ميدفيديف، أو اختلافها، مع أدوار آخرين من الفاعلين – أو الذين يظهرون كفاعلين – في السياسة الروسيَّة) – «المنبر»:
ميدبوتين
يشترك رئيس الوزراء الروسيّ ديميتري ميدفيديف مع شخصيتين اثنتين مِنْ شخصيَّات العهد الروسيّ الجديد بقواسم مشتركة. الأوَّل ميخائيل بوغدانوف، مساعد وزير الخارجيَّة والمبعثوث الخاصّ للرئيس الروسيّ لمنطقة الشرق الأوسط، والثاني ميخائيل مارغيلوف المبعوث الخاص لرئيس روسيا الاتحاديَّة إلى شمال إفريقيا، الذي تابعناه في الأزمة الليبيَّة، وبدايات الأزمة السوريَّة.
قواسم مشتركة
القاسم المشترك الأساسيّ بين الثلاثة هو التصريحات الملتبسة، والارتجاليَّة، التي طالما أثارت بلبلة حول موقف الدولة الروسيَّة الرسميّ مِنْ قضايا جوهريَّة كانت تشغل بال السياسة الدوليَّة حينها. أمَّا القواسم المشتركة الأخرى فهي ثنائيَّة؛ ومنها، مثلاً، أنَّ ميدفيديف وبوغدانوف يشتركان كلاهما في تخصيص جزءٍ مِنْ تصريحاتهما الملتبسة لسوريا؛ ومنها أيضاً أنَّ ميدفيديف ومارغيلوف يشتركان بكون كلٍّ منهما طارئ على الحياة السياسيَّة. ويشترك الرجلان كذلك بأنهما قدما كلاهما عبر شركات تأسَّست على الرصيف المحاذي للسياسة، ووصلا إلى مراتب السلطة العليا عبر إدارة حملة انتخابيَّة للرئيس: الأوّل عبر إدارة حملة بوتين الأولى، والثاني عبر إدارة حملة يلتسن الأخيرة (هل في الفارق بين «الأخيرة» و«الأولى» ما يصنع تمييزاً ما، بين الرجلين؟)..
وفي الجهة الأخرى، تتمثَّل القواسم المشتركة بين مارغيلوف وبوغدانوف في كون الأوَّل كان مبعوثاً غاب في غياهب موسكو لنحو عام على الأقلّ من عمر أزمة ملتهبة في منطقة اختصاصه، ولما ظهر في منطقته كان مجرد ساعٍ يحمل جعبة بريدية ويدور بها على طالبي زيارة روسيا، ولقاء رئيسها، ليحمل رسائلهم واجاباتهم حول سبب رغبتهم بالزيارة واللقاء..
أما الثاني، فغاب كذلك في غياهب موسكو، ولم يعد يجد مِنْ أسباب الحضور سوى الإعلام. وحتَّى هذا الحضور سُحب منه في النهاية، وأُفهم حضوريّاً بأنَّه ليس عليه أنْ يتحدَّث ويحاول التعبير عن موقف الدولة، الذي لا يعرفه أصلاً، وأنَّه مجرَّد موظَّف لا يتحرَّك ولا يتكلَّم إلا باذن!
مِنْ بين هؤلاء جميعاً، يبقى ديميتري ميدفيديف الأكثر إثارة على الإطلاق؛ فالعلاقة المميَّزة والغامضة بينه وبين رجل روسيا القويّ فلاديمير بوتين تبعث على الحيرة وتثير الخيال. وهي فعلاً جديرة بذلك، فقد بلغت حدّاً غير مسبوقاً من الثقة؛ لدرجة أنَّ الأخير يأتمنه على حياته السياسيَّة، ولا يجد غضاضة في تسليمه المنصب الأوَّل والأهمّ في روسيا (الرئاسة).
وهذا بلا شكّ، أمر يصعب استيعابه بسهولة، ولكن فهمه بالضرورة يكشف عن مستوى ودرجة أهميَّة تصريحات الرئيس ورئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف القريبة والبعيدة حول سوريا وقضايا المنطقة والعالم، ويفسِّر كونه انتحى عن القضايا الدوليَّة، ولم يعد يمدّ يده لغير قضايا الإدارة والتنمية المحليَّة.
ملاحظات عامَّة
يشترك ميدفيديف مع بوتين في المولد في سانت بطرسبيرغ (لينينغراد). ويفترق عنه في سنة الميلاد: بوتين مِنْ مواليد 1952، وميدفيديف مِنْ مواليد العام 1965. بوتين ولد على أصداء الحرب العالميَّة الثانية والهوامش الفارغة التي تركتها وراءها، ونشأ على الفراغ العظيم الذي أحدثه غياب أسطورة ستالين الكبيرة، وهذه في وقتها كانت تشبه صدمة انهيار الاتحاد السوفيتيّ التي عشناها في مطلع التسعينيَّات. أمّا ميدفيديف فقد فتح عيناه على الزمن ما بعد الخرتشوفيّ، وفي لحظة أثبت فيها «النظام» أنَّه أقوى من المبادرات الشخصيَّة، مهما كان نوعها..
وبهذا، ولد بوتين بعقل يواجه احتمالات مفتوحة واجهها والداه العاملان البسيطان، وظهر ميدفيديف على الحياة محفوفاً بمحاولات والديه الأكاديميين للتواؤم مع النظام كيفما كان، وعدم التورّط في تخييب أمله..!
لقد كانت علّة الأكاديميين (خصوصاً، غير المبدعين منهم) دوماً في ميلهم «الفطري» للتواؤم مع الأنظمة، على حسابهم الشخصيّ ومِنْ رصيدهم المهنيّ، وأنَّ اخلاصهم لوضعهم كموظفين أشدّ من اهتمامهم بصفتهم كمثقفين..!
لذا، يؤخذ الفارق بين النشأة في عائلة عمّاليَّة والنشأة في عائلة أكاديميَّة، بعين الإعتبار!
وبالترجمة السياسيَّة لكلِّ ذلك، ننتبه إلى أنَّ ميدفيديف عاش شبابه في ما جرى التعارف على تسميته بعهد الجمود البريجنيفيّ. وأنَّه مِنْ جيل  أطفال أبناء الطبقة الوسطى غير الحزبيَّة الذين كانوا يرون في راديو «صوت الحرية» (الشقيق الأكبر لتلفزيونات «الحرة» التي تأسست باحتلال العراق) وعداً بعالم جديد وأفضل. وهذا بالذات يجعلنا ننتبه إلى أنَّ هوايته المفضَّلة منذ صباه كانت الـ«هيفي روك آند رول»، وهو شيء ليس غريباً على أبناء جيله.
وبموازاة ذلك، وبما لا يقلّ عنه أهميَّة، كانت اهتمامات ميدفيديف الأخرى على الدوام رياضيَّة، بينما ولاءاته عائليَّة (أسريَّة) محضة. وهذه الأخيرة دفعته للانتساب للحزب الشيوعيّ السوفيتيّ، ولم يتخلَّ عن هذه العضويَّة حتَّى حظر الحزب في العام 1991. وهو مِنْ عشرات الآلاف الذين كانوا يعتبرون أنَّ عضويتهم بالحزب كانت ضرباً من امتلاك دفتر عائلة أو رقم وطنيّ..
أي، ليس في الموضوع ولاءات ولا انتماءات، إنما هو مجرَّد تدبير للتوفيق الاجتماعيّ!
ومع ذلك، لم تأتِ عضويّته بالحزب اعتباطاً. لقد انتسب إليه باعتبار أنَّ عضويَّة الحزب إرث عائليّ، سعى إلى الحصول عليها، وكان يعتقد أنَّه يستحقّها، تماماً كما استحقَّ ساعة جدّه الذهبيَّة التي آلت إليه، حينما وصل سنَّ البلوغ!
وهنا بالتأكيد، وبالطبع، ميول الأكاديميين الانتهازيَّة تفسِّر الانتهازيَّة بالعضويَّة الحزبيَّة..!
وعند ذكر ميول الأكاديميين الانتهازيَّة، وفي الحديث عن ميدفيديف، علينا أنْ نتذكَّر أنَّ هذه الميول الانتهازيَّة لا تمتلك طموحاً سياسيّاً، ولا تطمح للانتقال إلى أجهزة الدولة السياديَّة، وأنَّ أقصى أمانيها تتمثَّل بالحفاظ على وضع وظيفيّ مستقر في المهنة، ومجالها..
وهذا شيء يشبه ديميتري ميدفيديف تماماً، رغم انقلاب حاله..!
وهذا يفسِّر جزءاً كبيراً مِنْ سلطة بوتين عليه، وطمأنينته وانتدابه له في أدوار مفصليَّة. وبالمفاهيم العشائريَّة الأردنيَّة نستطيع أنْ نوضِّح الحيثيَّات بالقول إنَّ بوتين رجل أكبر مِنْ عائلته واسمها، بينما ميدفيديف رجل يتردَّد أمام اسم زوجته!
حيثيَّات دراسيَّة
تخرّج ميدفيديف في كليَّة الحقوق بجامعة لينينغراد، وهي الكليَّة نفسها التي تخرَّج فيها بوتين قبله بنحو ثلاثة عشر عاماً. وهذه السنوات الثلاث عشرة هي الفارق العمريّ ما بين الرجلين..
وبهذا، أنهى حياته الدراسيَّة الأولى في العام 1987، ولكن حياته المهنيَّة الحقيقيَّة بدأت في العام 1990، الذي حمل معه جملة من التطورات التي وضعته على مسافة قريبة مِنْ رجل روسيا الأوَّل؛ ففي هذا العام، الذي عاد فيه بوتين من مهنته الاستخباراتيَّة في ألمانيا الشرقيَّة، حصل ميدفيديف على درجة الدكتوراة وبدأ التدريس في الجامعة نفسها والكليَّة ذاتها..
وذلك بالتزامن مع تولّي بوتين منصب مساعد رئيس الجامعة للشؤون الخارجيَّة.
لم يقضِ الرجلان وقتاً طويلاً معاً في جامعة لينينغراد، فقد انتقل بوتين في العام نفسه بدعوة مِنْ رئيس حكومة لينينغراد حينها أناطولي سوبتشاك (أحد صانعي يلتسن وأفضل عقوله المفكِّرة) إلى مجلس مدينة (حكومة) لينينغراد مستشاراً لرئيسها، ورئيساً للجنة الاتّصالات الخارجيَّة (وزارة علاقات وتجارة خارجيَّة مصغرة). ولكن هذا الانتقال لا يعني أنَّ الرجل فقد صلاته بالجامعة، بل يوحي على العكس أنَّه أضحى مركز جذب كبير، ليس لأهميَّة حكومة لينينغراد فقط، بل لتماسّه المباشر مع رئيسها آنذاك (سوبتشاك) الذي كان نجماً لامعاً في أعوام الاتّحاد السوفييتي الأخيرة..
وكان حتَّى وقته، واحداً من المقربين والمقررين قرب يلتسن.
عموماً، التطوّرات اللاحقة تجيب على السؤال الذي تطرحه هذه السطور حول ما إذا كان الرجلين حينها يعرفان بعضهما البعض، أم لا؛ ففي العام 1990 نفسه، حظي ميدفيديف بوظيفة إضافيَّة كمستشار للجنة الاتّصالات الخارجيَّة في حكومة لينينغراد، التي كان قد رأسها بوتين للتوّ. وذلك إلى جانب وظيفته الجديدة  كليّاً في الجامعة، التي استمرَّت حتَّى العام 1999..
وهذا تاريخ ذو دلالة: بنهاية هذا العام نفسه خلف بوتين يلتسن.
«الحكايات» حول هذه البداية التي جمعت بين الرجلين كثيرة ومتعدّدة. ولكن واقعة أنَّ ميدفيديف بدأ مهنته في حكومة لينينغراد مستشاراً للجنة الاتّصالات الخارجيَّة في حكومة لينينغراد، التي كان قد رأسها فلاديمير بوتين للتوّ، ترجّح تلك الرواية التي تتحدَّث عن دور بوتين في هذه النقلة..
وظائف ووظائف
احتفظ ميدفيديف بوظيفته مستشاراً  للجنة الاتّصالات الخارجيَّة حتَّى العام 1995. وفي هذا الوقت، كان بوتين، الذي كان يتمدّد في حكومة لينينغراد، قد تولَّى بعد نحو عامين من تعيينه مسؤولية إدارة العقود والمشروعات التمويليَّة. وفي هذا الوقت نفسه (1993)، قام ميدفيديف بتأسيس شركة «فينسيل»، التي تفرَّعت منها شركة أخرى هي «أليم بالم» المتخصّصة بالخشب. ومن الملفت أنَّ المؤسّس، الذي احتفظ بكلّ مناصبه السابقة، عمل في الشركة الوليدة «أليم بالم» بصفة مدير الشؤون القانونيَّة!
هو مؤسّس الشركة وصاحبها ومستشارها القانونيّ. هناك على الأقلّ صفة واحدة زائفة!
في العام 1994 تولَّى بوتين منصب النائب الأوَّل لرئيس حكومة لينينغراد، وبعدها بأقلّ مِنْ عام ترك ميدفيديف منصبه كمستشار للجنة الاتّصالات الخارجيَّة في حكومة لينينغراد، ومن المفهوم أنَّ لديه ما يشغله ويدفعه لذلك.
لا. لم يكن يشغله شيء، بل خرج لأنَّ بوتين كان يستعدّ للخروج مِنْ وظيفته في العام التالي!
وهذه لحظة لغز. وتبقى لغزاً إلى هذه اللحظة: هل كان بوتين يعلم أنَّ الحكم صدر على راعيه سوبتشاك بمغادرة الحياة السياسيَّة، وأنَّ القضاء السياسيّ الأميركيّ تمكَّن مِنْ إصدار حكم إعدام على «ديموقراطيّي» لينينغراد الأوروبيين، لصالح «ديموقراطيّي» موسكو الأميركيين، فبدأ بتوضيب حقائبه و«ميدفيديفـ»ـه، أم كان ذلك ترتيباً عفويّاً أو حدسيّاً..!؟
ولكن قبل ذلك، كانت هناك مقدّمات وحيثيَّات ضروريَّة صنعت مصائر مهمّة!
لقد كانت سيرة بوتين في الإدارة السياسيَّة قد تطوَّرت؛ فلم ينسَ يلتسن ذلك الرجل الحازم الذي قابله في العام 1993 خلال احتفالات لينينغراد بذكرى تأسيسها الـ300، فاستدعاه، بتنسيب من العصابة اللينينغراديَّة في الرئاسة الروسيَّة، إلى موسكو في العام 1996..
وهو العام نفسه الذي فشل فيه ملاكه الحارس سوبتشاك في انتخابات الإعادة في لينينغراد..
في موسكو أصبح بوتين نائباً لمدير الشؤون الإداريَّة في الرئاسة الروسيَّة، ومِنْ هناك يردّ الجميل، بمساعدة «كي. جي. بي» لينينغراد، لسوبتشاك الذي تكالب عليه أعداؤه مِنْ رفاقه السابقين في مجموعة يلتسن، مستغلين تدهور صحّته على إثر هزيمته الانتخابيّة، فيساعده بوتين في الهرب على متتن طائرة إسعاف طبيّ خاصَّة إلى فنلدا ثمَّ إلى باريس وينجيه مِنْ مواجهة القضاء «الديموقراطيّ» الـ يلتسنـ ـيّ..
كان لدى بوتين الكثير ممّا يشغله ما بين العام 1996 وحتَّى العام 1999، وما يبعده عن استغلال الفرص التجاريَّة والاستثماريَّة، ولكن من المرجَّح أنَّه لم يفوّت هذه الفرص مع ذلك، وبرغم كلّ مشاغله؛ فقد كانت سيرة ربيبه وظلّه ديميتري ميدفيديف تزدحم بمثل هذا النشاط..
ويمكن لنا، لمزيد من التوضيح، أنْ نعيد بناء هذا الجزء من السيرة المهنيَّة لميدفيديف:
  في العام 1998 أصبح عضواً في مجلس إدارة «مجمَّع براتسك»، وهي أكبر مؤسسة روسيَّة عاملة في مجال الأخشاب وصناعة الورق. (وهنا عناية بوتين).
  في العام التالي مباشرة أصبح رئيساً لمجلس الإدارة. (وهنا إرادة بوتين).
  ثمَّ في العام الذي تلاه (2000)، على إثر تولّي بوتين رئاسة روسيا خلفاً ليلتسن، قفز ميدفيديف قفزة مهولة، إذ تمَّ تعيينه رئيساً لمجلس إدارة «غاز بروم» عملاق الغاز الروسيّ، الذي يُعدّ حتَّى اليوم أحد أضخم الشركات العاملة في مجال الطاقة في العالم على الاطلاق، والتي يرأسها اليوم أحد أكبر خلصاء بوتين..!
  وهناك لديه اهتمام قانونيّ بعالم البورصة وأسواق المال نشأ بالعلاقة وبتكليف مِنْ بوتين نفسه.
الخط السياسيّ
في العام 2000، خاض بوتين حملته الانتخابيَّة للرئاسة الأولى، وكان ميدفيديف إلى جانبه. وكان ميدفيديف هو الرجل الوحيد الذي يملك بوتين أنْ يصرخ بوجهه مؤنّباً، ويستطيع تحميله وزر أيّ خطأ يقع في سياق الحملة، دون أنْ يتوقّع أو يتحسّب لعواقب سياسيَّة..
وحتَّى اليوم، لا يزال بوتين يمتلك حقَّ الصراخ في وجه ميدفيديف، متحرّراً من التفكير بأيّة عواقب سياسيّة..!
بعد ثلاث سنوات (2003) ترك ميدفيديف عالم الشركات الكبيرة، وانتقل إلى الرئاسة الروسيَّة مديراً للديوان الرئاسيّ في الكرملين. وفي نهاية عام 2005 أصبح نائباً أوّل لرئيس الوزراء، مكلّفاً بالمشاريع الفيدراليَّة ذات الأولويَّة الاجتماعيَّة الملحّة، التي تشغل الرئيس نفسه، ويخصّها بعنايته، ويريدها تحت إدارته واشرافه المباشرين (الصحّة والتعليم والعمل.. إلخ).
ومِنْ هنا، مِنْ هذه الملفَّات، صعد ميدفيديف إلى الشهرة المحليَّة بروسيا التي قادت إلى ترشيحه المبرمج والمتّفق عليه نهاية عام 2007، وحينها لقي ترشيحه على الفور دعم أربعة أحزاب هامّة، على رأسها حزب النخبة الحاكمة (روسيا الموحَّدة، روسيا العادلة، حزب المزارعين، القوة المدنيَّة). وبالطبع كان وراء هذا الإجماع ترتيب بوتينيّ..
والعموم الباقي مِنْ سيرة الرجلين معروف. ومذاع في نشرات الأخبار.
خروج عن الموضوع
قبل نحو أربعة أعوام نشرت إحدى الصحف الروسيَّة بمناسبة لقاء ميدفيديف (الرئيس الروسيّ حينها) والرئيس الأميركيّ أوباما، صورة معالجة (فوتو شوب) يظهر فيها الرئيسان الروسيّ والأميركيّ وهما يتصافحان بينما يظهر ظلّاهما على الجدار المحاذي. ولكن ظلّ ميدفيديف لم يكن يعكس شكله هو نفسه، بل كان يعكس شكل بوتين!
والظلّ هنا هو الحقيقة القويَّة الكامنة وراء الكواليس..!
وكانت الصحافة الروسيَّة في بدايات رئاسة ميدفيديف قد رصدت محاولات من الرجل لإقناع العامَّة أنَّه (هو، لا بوتين..) الرئيس، ولكن النجاح لم يكن حليفه.
لم يكن حليفه ليس فقط لأنَّه طوال شهر كامل لم يستطع أنْ يظهر بمظهر أو موقف بروتوكوليّ رئاسيّ، بل لأنَّ بوتين (رئيس الوزراء حينها) استمرَّ باتّخاذ القرارات في أمور هي في عهدة وصلاحيَّات رئيس الدولة حصراً.
الأمر الخطير هنا أنَّ الإشكالات اللاحقة بين الرئيس والربيب أوجدت فرصةً لمجلس أمناء الـ«كي. جي. بي» ليمارس دوراً «وجاهياً» وازناً. وهذا المجلس لمن لا يعرف، يشبه أمانة عامَّة مشكَّلة مِنْ أهمّ الضبّاط والمدراء السابقين، وأبرز ضبّاط الاحتياط، وأرفع الضبّاط العاملين..
هذا المجلس يعيد التذكير بأندروبوف، الذي استلم الجهاز الاستخباراتيّ السوفييتيّ في وقتٍ كان فيه عقل الجهاز مسكون بخارطة «أيدو- سياسية»، وحوله إلى الاهتمام بالجيوسياسة، وأداء وظيفته الحزبيّة مِنْ خلال العمل لحساب الدولة، وأنشأ عصبيَّة الـ«كي. جي. بي» مستفيداً من التحالف القديم مع «الخارجية» التي كان يقودها في وقته حليفه غير المعلن الهادئ أندريه غروميكو..!
وعودة على بوتين. لا بل على ميدفيديف نفسه وصورته كإنعكاس لظلّ بوتين..
مِنْ جهتها، علَّلت الصحافة الروسيَّة في حينه سلوك ميدفيديف بحالة غريزيَّة لإثبات الذات، مع التنويه إلى أنَّ هذه الحالة لا تصل إلى حدّ محاولة التأسيس لمستقبل سياسيّ مستقلّ.
وهذه القراء الصحفيَّة تعيدنا إلى الوسط الأكاديميّ وأخلاقه العامّة..
مِنْ جهة أخرى، تضع الوقائع بين أيدينا احتمالاً آخر يتمثَّل في أنَّ الرجل صاحب الظلّ (بوتين) كان يشجّع ظلّه (ميدفيديف) على تأسيس صورة مستقلّة لغايات محدّدة، خصوصاً قبيل تناوله لملفّات معينّة مطلوب فيها الشدّة أو الليونة. وهذا الإحتمال وسابقه يفسّران تصريحات ميدفيديف، التي تبدو متعارضة مع الموقف الرسميّ.
علينا أنْ نتذكَّر أنَّ «الربيع العربيّ» مِنْ خلال العيون الروسيَّة، وبالذات مِنْ خلال عيون بوتين الاستخباراتيَّة، بدا كهزيمة للسياسة الخارجيَّة الروسيَّة وعمليَّة استخباراتيَّة غربيَّة واسعة النطاق..
وقد أعلن بوتين هذه القناعة وكرَّر التعبير عنها في وقتٍ قريب!
مداخلات بوتينيَّة
لقد عاشت الخارجيَّة الروسيَّة مأزقاً حرجاً، وموقفاً عصيباً. ووقتها تمَّ وضع الوزير لافروف تحت سقف الاستفسارات في اللقاءات مع الرئيس. لم يكن ذلك وضعاً مريحاً، وأدَّى الأمر إلى خيارات كارثيَّة، لدرجة أنَّ صبيَّ الخضار ميخائيل مارغيلوف، بات يفكّر ويقرّر في موقف روسيا من الأحداث العربيَّة الجارية..
طبعاً، أوصلت أفكاره الفذَّة إلى ترك القذافيّ لقمة سائغة لصبيان ساركوزيّ!
عند هذا المفصل الزمنيّ وما تلاه، استعادت الخارجيَّة قوَّتها ومصداقيَّتها. وعاد الوزير لافروف سيّد موقفه. وكانت هذه الانعطافة في الازدحامات الروسيَّة الداخليَّة لحظة مهمّة في تمتين الموقف الروسيّ مِنْ سوريا..
ليس لدى لافروف ولاءات عقائديَّة، ولم يعرف عنه ذلك!
مهنيّ مفرط. ولكنه كان مبعداً ومستبعداً في الزمن الغورباتشوفيّ والزمن الـ يلتسينـ يّ. وحينما استلم الخارجيَّة شيفاردنادزه، رجل غورباتشوف، بدأت حملة ضدّ رجال الخارجيَّة المصرين على موضوع الردع والتوازن الدوليّ، وبدأت مرحلة تصنيع الرجال المؤمنين بالدعاية الغورباتشوفيَّة المضلِّلة التي تمَّ تسويقها تحت عنوان أنَّ السياسة مصالح..
مع ملاحظة أنَّ المصالح، كانت دائماً، أميركيَّة حصراً..!
هنا، علينا أنْ نقرّ في هذا السياق أنَّ ميدفيديف ليس شيفارنادزه، ولا أيّ مِنْ رجاله. وليس مرتبطاً، عبر كندا أو سواها، بمؤسَّسات استخباراتيَّة أميركيَّة مثل منظّر البيروسترويكا ورجل غورباتشوف الأول (ياكوفليف)..
ميدفيديف بالمفهوم الاستخباراتيّ «كليـــــر»، أو بالروسية «تشيستي». أي نظيف!
الصورة مخادعة بطبيعة الحال، وعلينا أنْ نفهم أنَّ ثلاثة أرباع الهجوم على ميدفيديف هي في واقع الأمر هجوم على بوتين. وبوتين نفسه، بشخصه، مليء بالعيوب والكوارث، أمّا بوتين بالإرادة التي يمثّلها فهو الجنون بمواجهة الخيانة (المقصودة أو العفويَّة)..
والجنون هنا ليس نفياً للعقل وعقلانيَّة السلوك..
وعموماً علينا أنْ نفكِّر جيّداً، بميدفيديف وببوتين، وبعلاقتهما، لا سيما حينما نتذكَّر أنَّ روسيا في عهد رئاسة ميدفيديف خاضت حرباً جسورة أخرى، تشبه بوتين تماماً، في جورجيا (2008). وهو نفسه كان أطلق تصريحات ذات نبرة تهديديَّة بوجه الغرب، وهو صاحب أوَّل تلويح روسيّ بالاستعداد لخوض حرب عالميَّة ثالثة، وغيرها من المداخلات المثيرة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ حرب 2008 كانت حربَ لافروف، التي أعادت الدور الروسيّ إلى الساحة الدوليَّة، وضيَّقت الخناق على أنصار «إسرائيل» في الإدارة الرئاسيَّة الروسيَّة..
ونحن نعرف أنَّ هذه، كلّها، باتت مداخلات بوتينيَّة..         
وهذه المداخلات ليست مقصورة على ذلك. ليست مقصورة على القضايا الدوليَّة، بل هي أيضاً شيء مارسه بوتين في الداخل الروسيّ وفي ما يتعلَّق بالأحوال الداخليَّة قبل ذلك؛ فقد فاجأ الروس يوماً (أثناء رئاسته) بالأمر بإعادة التحقيق بقضيَّة رئيس الشركة عملاق النفط السابقة «يوكوس»، التي استهل عهده الرئاسي بتفكيكها وبالزج برئيسها وصاحبها في السجن..
ثم كان هو نفسه (ميدفيديف) الليبراليّ المؤكد مَنْ رفض الإفراج عن الرجل.
وهنا، تجد حادثة سيئول (ربيع 2012)، مكانها في هذا السياق. وهي للتذكير تتعلَّق بحوار مقتضب تبادله الرئيس الأميركيّ أوباما مع نظيره الروسيّ ميدفيديف دون أنْ يفطنا إلى أنَّ الميكروفونات أمامهما كانت مفتوحة، فالتقطت الصحافة تلك المحادثة، وهي كالتالي:
يقول الرئيس الأمريكي أوباما: «هذه هي الإنتخابات الأخيرة لي. بعدها سأظهر قدراً أكبر من المرونة». فيردّ الرئيس الروسيّ ميدفيديف: «لقد فهمت. سأنقل ذلك لفلاديمير فلاديميروفيتش (يقصد بوتين)». ويمكننا أنْ نلاحظ هنا أنَّ ميدفيديف اعتبر كلام أوباما يعني بوتين وأنَّ بوتين هو المعنيّ به، رغم أنَّه هو رئيس البلاد، بينما كان بوتين مجرَّد رئيس وزراء لديه (نظريّاً طبعاً).
والحال أنَّ ميدفيديف، في هذا كله، يضطلع بتكتيكات صغيرة كلّما لاح موعد للّقاء مع نظرائه الغربيين. ويحاول في هذه التكتيكات أنْ يعيد التذكير بشخصيّته كوجه ليبراليّ إلى جوار رجل روسيا الأوّل، لا أكثر. علماً أنّه يعرف أنّه حتَّى لو أراد أنْ يفعل شيئاً مختلفاً، فإنّه لن يستطيع، لسبب بسيط هو أنَّ لا قاعدة لديه، ولا داعمين، ولا حتى كارهين أو محبين. فهو وحسب ربيب الرئيس وظلّه.
الخبر السعيد أنَّ ميدفيديف وكل «الشباب الطيبين» الذين جرّهم وراءه تحوّلوا إلى مجرّد موظّفين. وتمّ إخراجهم نهائيّاً من السياسة الدوليّة، إضافة إلى أنَّ بوتين يتحرَّر من الحاجة إليه في الانتخابات. وعلى الأغلب سينوب عن بوتين في انتخابات 2018 وزير الدفاع الحاليّ (شويغو) رغم أنَّ شخصيَّته ومهنيَّته يجعلان مِنْ أمل بوتين في ذلك شيئاً صعب التحقّق!
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *