مهندس «فِرَق الموت» في منطقتنا يُقرّ بهزيمة مشروعه

مهندس «فِرَق الموت» في منطقتنا يُقرّ بهزيمة مشروعه

// سعود قبيلات //

 

 

«فِرق الموت» هي، بالأصل، تسمية العصابات الإجراميَّة المنظَّمة، التي استخدمتها الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، ابتداء مِنْ مطلع ثمانينيَّات القرن الماضي، لمواجهة معارضي هيمنتها وتسلّطها على ما كانت تعتبره فناءها الخلفيّ، أي أميركا اللاتينيَّة.

 

وأُشتُهِرَ جون نيغروبونتي، رجل «المهمّات الخاصَّة» الأميركيّ، بأنَّه مهندس هذا الأسلوب والأبرع في إعداده والإشراف على تنفيذه. ونيغروبونتي، في الأصل، أحد أبرز رجال الاستخبارات الأميركيَّة (أصبح رئيسها في عهد بوش الابن)، وقد خدم في فيتنام وأوكِل له الكثير من المهامّ مِنْ ذلك النوع الذي يُوصَف عادة بالمهامّ القذرة، في مناطق مختلفة من العالم. وفي الكثير من الأحيان، اتَّخذتْ مهمَّاته، تلك، قناعاً دبلوماسيّا؛ كما هو الحال في تولّيه سفارة بلاده في هندوراس والمكسيك والفلبّين والعراق.

 

وكانت بداية اتِّباع هذا الأسلوب في السلفادور. ولذلك، يُسمَّى أيضاً «الخيار السلفادوريّ» أو «السيناريو السلفادوريّ»؛ حيث نُظِّمتْ أعمال بشعة للقتل الجماعيّ (والفرديّ) للمدنيين ومعارضي أنظمة الجنرالات الإجراميَّة التابعة لواشنطن؛ كما لم توفِّر أعمال القتل، تلك، حتَّى رجال الدين مِنْ أنصار «لاهوت التحرير»، والأطباء والممرضِّين، رجالاً ونساءً. واشتملتْ «العمليَّة»، أيضاً، كما هو معروف، على أعمال الاختطاف والاغتصاب والتعذيب البشع والقتل والتنكيل. وكانت حصيلتها، في النهاية، مقتل 75 ألف إنسان، في السلفادور وحدها.

 

كما أُتُّبِع هذا الأسلوب، أيضاً، في نيكاراغوا، ضدّ النظام الثوريّ الساندينستيّ؛ حيث جنَّدتْ السي. آي. أي عصابات الكونترا الإجراميَّة الشهيرة، وسلَّحتها، لتزعزع بها استقرار نيكاراغوا، وتضرب اقتصادها، وتدمِّر بنيتها التحتيَّة، وتثير الرعب بين مواطنيها؛ بما يؤدِّي، في النهاية، إلى إسقاط النظام الثوريّ هناك، الذي كان يرفض الخضوع لهيمنتها والاستجابة لشروط نهبها. وأسفرتْ أعمال القتل التي ارتكبتها عصابات الكونترا عن مقتل 50 ألف من المدنيين النيكاراغويين.

 

تجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّ تمويل عصابات القتل، تلك، وتغطية تكاليف عمليَّاتها وتسليحها، كان يتمّ عن طريق مصدرين: الأوّل: إنتاج وتهريب الكوكايين؛ والثاني: أموال نفطيَّة سخيَّة من السعوديَّة، كما كشفتْ فضيحة الكونترا، التي أُشتُهِرَتْ بـ«الكونترا غيت»، في أواخر ثمانينيَّات القرن الماضي.

 

أُتُّبِع الأسلوب، نفسه، في أفغانستان، في الفترة نفسها تقريباً، ضدَّ النظام اليساريّ الذي كان حاكماً هناك. وقد تمَّ تمويل العمليَّة، أيضاً، بأموال المخدِّرات وبأموال نفطيَّة خليجيَّة. وفي تلك الفترة استقبل الرئيس الأميركيّ ريغان قادة الثورة المضادَّة في أفغانستان، ووصفهم بـ«المجاهدين مِنْ أجل الحريَّة»! كما أنَّ نيغروبونتي، نفسه، أصبح، في تلك الفترة المحتدمة، مستشاراً أمنيّاً لريغان.

 

وعندما احتلَّت الولايات المتَّحدة العراق عام 2003، وانطلقت المقاومة العراقيَّة ضدَّها سريعاً، وألحقت بها خسائر هائلة في الأرواح والمعدّات، قرَّر البنتاغون العودة إلى دفاتره القديمة واستخدام «خيار السلفادور» في العراق. وقد أوفِد جون نيغروبونتي للإشراف على تطبيق هذا «الخيار»، في بلاد الرافدين؛ حيث تمَّ تعيينه سفيراً لواشنطن في بغداد في تاريخ 29 حزيران/يونيو 2004. وهناك اعتمد، بشكلٍ أساسيّ، على الرجل الثاني في السفارة، روبرت ستيفن فورد، الذي كان هو صلة الوصل مع المجموعات الإرهابيَّة والمشرف على تمويلها وتسليحها وتوجيهها.

 

أعمال القتل الجماعيّ التي ارتكبتها «فِرق الموت» في العراق كانت ذات طابع طائفيّ ومذهبيّ؛ فمرَّةً تستهدف مدنيين أبرياء من الشيعة، وفي مرَّة أخرى، تستهدف مدنيين أبرياء من السنة، وفي ثالثة، تستهدف مدنيين مسيحيين أبرياء. وهذا إضافة إلى استهدافها أماكن العبادة لدى الطوائف المختلفة، وسوى ذلك مِنْ عمليَّات الخطف والتعذيب والاغتصاب والقتل. والهدف، كما هو واضح، إثارة الفتنة الطائفيَّة والمذهبيّة، ووصم المقاومة بالإرهاب، وتخسيرها حواضنها الاجتماعيَّة. وكانت الحصيلة المأساويَّة لهذه العمليَّة الإجراميَّة، مئات الألوف من العراقيين الذين راحوا ضحايا لها.

 

وفي شهر كانون الثاني 2011، وبالتحديد، قبل اندلاع الصراع الدمويّ في سوريَّة بحوالي ستَّة أسابيع، تمَّ تعيين روبرت ستيفن فورد، الذراع الأيمن لنغروبونتي، سفيراً للولايات المتَّحدة في دمشق. وفي 8 تمّوز/يوليو 2011، قام فورد بزيارته الاستفزازيّة الشهيرة إلى مدينة حماة مِنْ أجل زيادة الأوضاع تفجّراً واضطراماً. وما جرى في سورية، طوال السنوات السبع التي تلت ذلك، أصبح معروفاً الآن.

 

وإذا كان نيغروبونتي هو المهندس الأصليّ لأسلوب فرق الموت (أو «سيناريو السلفادور»، كما هو معروف أيضاً)، وهو مَنْ أشرف على تنفيذه في بقاع مختلفة من العالم، فإنَّ تلميذه روبرت ستيفن فورد، هو مهندس «فرق الموت» («سيناريو السلفادور») في سورية، وقد ظلّ ممسكاً بهذا الملفّ إلى فترة قريبة.

 

فورد، هذا، صرّح، مؤخّراً، أكثر مِنْ مرَّة، بما يفيد أنَّ اللعبة انتهت وأنَّ المعسكر المواجه للولايات المتّحدة وأدواتها قد كسب الحرب. آخر تصريحاته، بهذا الشأن، هو الذي أدلى به، أمس، لفضائيّة الميادين، إذ قال إنَّ الولايات المتّحدة أخطأت في توقّعاتها بسقوط نظام الرئيس بشّار الأسد، وقال بصراحة أكبر: «تحليلاتنا كانت خاطئة بشكلٍ كبير». كما قال أيضاً إنَه لم يتوقّع أنْ يصل الجيش السوريّ مجدّداً إلى دير الزور، وإنَّ الحكومة السوريّة الآن بأقوى موقف بعكس معارضيها.

 

وردّاً على سؤالٍ يقول: «هل نفهم مِنْ كلامك أنَّ الرئيس بوتين ربح الحرب السورية وأميركا خسرتها الآن؟»، أجاب فورد قائلاً: «بالتأكيد هو أحد الرابحين ولكن هناك رابحون آخرون. إيران ربحت وكذلك حكومة بشار الأسد في دمشق. أميركا خسرت إلى حدٍّ ما، ربما ليست أكبر الخاسرين لكنها أحد هؤلاء».

 

نعم، اللعبة انتهت، ولا عزاء للأدوات والعملاء.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *