مكسيم غوركي.. أطول من المسموح به

مكسيم غوركي.. أطول من المسموح به

ياسر قبيلات –  


لا أعرف، بالضبط، متى أدرك مكسيم غوركي أنه أطول مما يُسمح به لرجل حزين؛ لكني على ثقة أن ذلك حدث في أعقاب الثورة الروسية الأولى، ولدى لقائه الأول بفلاديمير إيليتش لينين، القصير القامة، والمبتهج في نوبة دماثة غايتها الترحيب بالكاتب الروسي الشهير، الذي كان انتسب للتو لحزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي، في جناحه البلشفي.
أي، حينما أوفده إلى الولايات المتحدة، متحدثاً أمام المثقفين الأميركيين ومحبي أدبه عن تلك الثورة الروسية الأولى المؤودة!
سيظل ألكسي مكسيموفيتش (غوركي)، بعد ذلك اللقاء، وكلما رأى رجلاً يضحك، يتذكر أنه أطول مما يُسمح به لرجل حزين مثله؛ لذا، لم يكن من المستغرب أنه كان يجد راحة استثنائية في الأماكن التي تحجب فيها الوجوه الأنثوية سحنات الرجال قصار القامة المبتهجين، الواثقين أنهم أمسكوا بتلابيب المعادلة التي تجعلهم يتفوقون على الحياة ويسيطرون على مسار التاريخ.
ذلك المسار العنيف الذي جعله يخص بتقديره يوسف فيساريونوفيتش (ستالين)، الذي «لولاه لتحولت الثورة إلى أضحوكة»!
في وقت ما، اكتشف ألكسي مكسيموفيتش أن المشاعر السلبية لا تستحق النبذ، فهي قد تكون أكثر دافعية، من غيرها، وقد تقود إلى شق مسارات غاية في الإيجابية؛ وهذا سيفتح أمامه الطريق ليصل إلى قناعته الشهيرة التي عكسها بقوله الذائع: «إنني أقدّس الاستياء الذي يشعر به الإنسان من نفسه، فهو يدفعه نحو الأفضل»؛ ولكن سيكون عليه، بعد ذلك، أن يلاحظ أن هذا ما يسمّونه في العمل السياسي والحزبي «النقد الذاتي»..
وأنه بالقدر نفسه الذي يهتم فيه باستيائه من نفسه، يمارس لينين والآخرون «النقد الذاتي»..!
لينين وغوركي

هذا التشابه، ما بين «الاستياء الذي يشعر به الإنسان من نفسه» و«النقد الذاتي» الحزبي والسياسي، سيظل يزعج ألكسي مكسيموفيتش؛ وسيشعر أن فيه شيئاً ما مخادعاً، يجعل من الممكن مساواة الحالة الأولى بالثانية، واعتبار الثانية صنواً للأولى، في ظلم واضح للإنسان الذي يشعر بـ«الاستياء من نفسه».

لا يطول الوقت بألكسي مكسيموفيتش حتى يدرك الفرق بوضوح، فيرى أن الإنسان حينما يشعر بالاستياء من نفسه يغرق في الحالة ويواجهها تماماً، إلى حد الألم. بينما «النقد الذاتي» الذي يمارسه السياسيون هو مخرج واع من موقف ووضع حرج، وأقرب ما يكون إلى حالة التملص من المسؤولية مقابل الإقرار والاعتراف بها؛ أي «صك غفران» ذاتي، وربما «علماني»، يُعفي صاحبه من مكابدة المشاعر المزعجة. ولكن ما يكون الإنسان من دون مشاعر، ومكابدة؟
وإلى أين يمضي الإنسان الذي يريد أن يتخلص من مشاعره المُكابِدة..!
ومسألة المشاعر هذه، كانت حساسة عند ألكسي مكسيموفيتش. ليس فقط لأنه عانى من يُتم مزدوج في طفولته المبكرة، بل لأن الكلمات التي امتلك سرّها، جعلته يدرك أن المعاني تأخذ سياقها وفقاً للعواطف التي تثيرها المفردات، وأن اللغة بحر من المشاعر، وأمواجه الألم.
وهذا شيء سيبدو غريباً بالنسبة للناظر من بعيد إلى ألكسي مكسيموفيتش، الذي اشتهر عنه عدم احتفاله بالألم، ألمه الشخصي، سواء على المستوى العاطفي أو الجسدي. وهذه الحالة التي كانت تثير دهشة الآخرين، معوّضة في حقيقة أن «القصور» في الشعور بالألم الشخصي يقابله إفراط عاطفي بالشعور بألم الآخرين، فكانت تُبكيه آلام الناس ومن يعرفهم، رغم أن أصحاب هذه الآلام أنفسهم لا يشعرون بها.
وتجعله طريح أسئلة فيودر ميخائيلوفيتش (دستويفسكي) الأولى!
لقد عُرف عن ألكسي مكسيموفيتش في السنوات الأخيرة من حياته، أنه كان أحياناً يرى شخصاً ما فتترقرق الدموع في عينيه دفعة واحدة ويعزف عن الكلام. أو يُذكر إنسان أمامه، أو يروون له حادثة، أو تستفيق في باله ذكرى ما، خلال حديث اعتيادي، فيصمت منقبض القلب. ويطول صمته، ثم يرى مجالسوه أن عينيه اغرورقتا بالدموع. ويبقى كذلك إلى أن ينصرف عنهم أو أن ينصرفوا عنه إن كانوا في ضيافته.
ولكن يظل يقلقهم أنه لا ينشغل بألمه، ولكن يغرق بألم الآخرين!
وهذه على ما يبدو إحدى أمراض مهنة الكتابة، حينما تُجاد، وحينما تكون صادقة وذات قيمة حقيقية؛ إذ لا ينشغل الكاتب في ذروة نشاطه بنفسه، بل بشخصياته ومصيرها، ويشعر أنه مذنب بكل ما تكابده من عناء وألم. وينتابه إحساس أنه بإجادته وصدق موهبته تماثل مع القدر في رعونته في العبث بمصائر البشر.
ولهذا، بالذات، كان الموت كمداً هو النهاية المثالية للكتاب المُجيدين.
غوركي وستالين

والكتاب المُجيدون لا تطربهم ولا تخدعهم حالات «النقد الذاتي»، لكن تثيرهم الحياة في خضم الصراع ومكابدة الألم، التي هي سيرة الإنسان الحقيقية، وجوهر حياته، ومعنى وجوده، وسر بقائه نقياً في معدنه. وهذا ما يُمكِّنهم من تقديس «الاستياء الذي يشعر به الإنسان من نفسه، الذي يدفعهم إلى الأفضل».

وتفزعهم كثرة الناس الذين يحولون «النقد الذاتي» إلى «صك غفران» مجاني!
أخيراً، لا يمكن أن أحشر نفسي هنا إلى جوار الكاتب الروسي والأديب السوفييتي الشهير دون أن أثير شبهة غرور وخيلاء حول نفسي. ولكني مع ذلك سأفعل لسبب بسيط، هو أنني لا أقل طولاً عن ألكسي مكسيموفيتش، ولكنني مع ذلك لا أجد لليوم ذلك الرجل، قصير القامة، المبتهج، الذي يجعلني أشعر أنني أطول مما يُسمح به لرجل حزين، مثلي!
ربما لأنني لست مثل ألكسي مكسيموفيتش..
وربما لأنني بعيد عن أن أناهزه، أو أضاهيه، وليس من الوارد أن أنافسه بالحظوة الفطرية عند النساء، رغم الاشتراك معه بالتهمة «العاطفية» مع كل أدلتها الدامغة؛ إذ يبقى هناك في النهاية فرق شاسع بينه وبيني: هو رجل أنهى أعماله بنجاح، وصفّى حساباته مع الدنيا باقتدار، ثم مات. مات في اليوم نفسه، الذي رأيت أنا فيه، بعد عقود، وجه الدنيا التي لا تزال، إلى الآن، تحيرني، ولا تفتأ تذكرني أنني بدأت خطواتي ولا أزال أواصلها متعثراً.
الدنيا، نفسها، التي تذكرني أن الثامن عشر من حزيران/يونيو، يرتبط في أذهان الكثيرين في هذا العالم، بوفاة ألكسي مكسيموفيتش فيه، بينما لا أستطيع أنا مع كل حيلي البارعة والمتقنة، تنبيه حتى ابنتي الصغيرة أن ذلك اليوم هو أيضاً يوم ميلادي، الذي تترقبه ويفوتها أن تتنبه إليه عاماً بعد عام.
ومع ذلك، عليّ أن أشكر الحياة أنني أطول مما يُسمح به لي، وإن كان من المستغرب أنني أنسى ذلك في الأماكن التي تحجب فيها الوجوه الأنثوية سحنات الرجال قصار القامة!
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *