مفترق طرق بين حرب بديلة وأخرى مستحيلة

مفترق طرق بين حرب بديلة وأخرى مستحيلة

// ياسر قبيلات //

 

 

اندلعت حرب «الربيع العربي» لتجاوز وضع حرج على الجبهة الشمالية لـ«إسرائيل» كان يقتضي على نحو ملح وضروري شن حرب لتجريد لبنان من «حزب الله» نهائياً، في ظرف كان واضحاً فيه تماماً أن مثل هذه الحرب مستحيلة، وغير مأمونة العواقب على الإطلاق؛ لأن أية حرب حينها (أواخر 2010 بدايات 2011) لم تكن لتجري وفق الشروط الإسرائيلية، التي ترتكز عادةً على حرب خاطفة تعتمد ضربات جوية مكثَّفة تتيح السيطرة على شيءٍ من الأرض.

 

الحرب الخاطفة تعني:

 

  • تحديد مدة الحرب بما يتواءم مع الاستعدادات والقدرة الإسرائيلية على التحمل، سواء سياسياً أم عسكرياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً؛

 

  • السيطرة على موعد الحرب من طرفيه، البداية والنهاية؛

 

الضربات الجوية تعني:

 

  • إحداث أكبر قدر من التدمير مِنْ دون التورط بدفع كلفة كبيرة من الخسائر البشرية والعسكرية والمادية؛

 

  • القدرة على اختيار مكان العمليات، التي يجب أن تدور خارج الحدود الإسرائيلية، وبعيداً عن رؤوس الإسرائيليين وبيوتهم ومصانعهم، وحياتهم اليومية.

 

السيطرة على الأرض تعني:

 

  • إبقاء الأراضي السورية واللبنانية المحتلة، ناهيك عن الفلسطينية، خارج مسرح العمليات. أي، خارج النزاع. وبالأصل خارج التفاوض؛ إذ أن العمليات العسكرية هي تفاوص بالسلاح على الأراضي؛

 

  • كسب أراض إضافية تكون ورقة للتفاوض في حالة الحرب مع دولة (سوريا)، ومسرحاً لتنفيذ عمليات ميدانية للقضاء على «حزب الله» في حالة فتح الجبهة اللبنانية.

 

وهنا، جاءت حرب تموز 2006 لتكشف عن المستجدات التالية:

 

  • وجدت إسرائيل نفسها في موقف كانت فيه عاجزة عن إنهاء الحرب التي اختارت موعد شنها؛

 

  • أظهر «حزب الله» قدرات مرموقة على استهداف الداخل الإسرائيليّ؛

 

  • ظهرت أول مؤشرات فقدان إسرائيل لميزة احتكار البحر؛

 

  • دخول إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية كان محدوداً وعسيراً، كما أنَّها لم تستطع الحفاظ على المساحات التي اجتاحتها.

 

في المرحلة التي تبعت حرب تموز، وسبقت اندلاع حرب «الربيع العربي»، كانت المعلومات والقناعة الإسرائيلية قد استقرت على ما يلي:

 

  • وصلت ترسانه «حزب الله» من الأسلحة إلى مستويات كمية ونوعية غير مسبوقة؛

 

  • تعززت هذه الترسانة بقدرات بشرية وكوادر وتجربة وخبرات، بمستويات تمثل تحدياً حقيقياً؛

 

  • على الأغلب، فقدت إسرائيل ميزة احتكار الجو والبحر؛

 

  • المخاوف بشأن نزوع «حزب الله» إلى خوض حرب داخل حدود فلسطين المحتلّة أضحت تكتسب طابعاً جدياً، مسنوداً باعتبارات واقعية.

 

واليوم، نعرف أنَّ حرب «الربيع العربي»، لم تؤدِّ مهمتها السياسية الأساسية المأمولة، وأنَّ مفاعيلها اتخذت مسارات عشوائية غير منضبطة، ولا بد أنَّ أصحاب نظرية «الفوضى الخلاقة» قد اكتشفوا في النهاية أن «تحفتهم» تتحول ببساطة إلى متوالية تصعب السيطرة عليها، وأنَّها ليست «ذكية» كفاية، ولا دقيقة كما يفترض، لتراعي مصالحهم، أو تتجنب حلفاءهم.

 

وبهذه القناعة، وبمواجهة حقيقة أن حرب «الربيع العربي» استنفذت وقودها، تعود إليهم القناعة بالأساليب الإسرائيلية «التقليدية»، كما بأهمية دور إسرائيل نفسها، في مخططات إعادة هيكلة المنطقة، وضرورة لعبها دوراً في أية عمليات ساخنة تتعلق بالملفات الملحة.

 

وهكذا، فإن حرب «الربيع العربي» (الحرب البديلة)، التي نشهد نهاياتها اليوم، ستنتهي، على الأغلب، بالحرب الأصلية التي كان قد تم استبعادها وتأجيلها على أمل عدم الاضطرار إليها لو قامت الحرب البديلة بمهماتها الرئيسية.

 

إسرائيلياً، هناك نتنياهو الذي يحكم منذ العام 2009، أي قبل عام من بدء حرب «الربيع العربي»؛ لقد انتهج منذ البداية أسلوب التصعيد مع سوريا و«حزب الله»، كان يتلهف لحرب على «الجبهة الشمالية»، ولم تهدأ نزعته هذه إلا مع بدء الأحداث في سوريا، التي كانوا يأملون أن تأتي بنظام آخر، إن لم تنتهِ بتحطيم سوريا وإغراقها في الفوضى وإخراجها من المعادلة.

 

ونظرياً، يفترض أنه الآن يمحِّص جيداً الأسباب التي تدعوه إلى استعجال شن حرب جديدة؛ إذ يصعب على إسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي، بينما هي ترى غبار حرب «الربيع العربي» ينكشف عن أنَّ أعداءها الحقيقيين ما زالوا في مكانهم، وأنَّهم لا يقلون خطراً عما كانوا عليه في السابق (إن لم يزيدوا)، وأن الحرب البديلة فشلت في إنجاز مهمات الحرب الأصليّة المستحيلة التي كانت قد أطلت بنذرها أواخر العام 2010.

 

واقعياً، نتنياهو مضطر، بالمقابل، لمشاهدة الصورة كاملة، وفيها ما يمنعه من المخاطرة:

 

أولاً، أن أعداء إسرائيل الحقيقيين، يبدون على جاهزية عالية، وأكثر تقبلاً واستعداداً لخوض الحروب؛

 

ثانياً، أن سوريا تخرج من أزمتها مدججة بالتجربة والخبرات والحلفاء؛

 

ثالثاً، أن سوريا باتت متحررة من فروض النظام الرسمي العربي، التي طالما كانت تثقل كاهلها، وتقيد حركتها، وتدفعها إلى تجنب المواجهة؛

 

رابعاً، أن هاجس الحسم بات منذ وقت طويل يحيط بأيّة حرب مقبلة محتملة على «الجبهة الشمالية»؛ واحتمال الفشل مرَّةً أخرى في تحييد «حزب الله»، الذي هو وارد ومنطقي وواقعيّ بدرجة كبيرة، يعد هزيمة لا تحتمل.. ليس بالنسبة لنتنياهو فقط، بل لإسرائيل نفسها. هذا في حين أن التحديات التي كشفت عنها حرب تموز، وتلك التي نشأت بعدها، لم تحل بعد، بل إنَّها تفاقمت.

 

يمكن أن نضيف إلى ذلك، أن إشعال أية حرب في الوقت الراهن لن يضع إسرائيل طبيعياً في مواجهة مع سوريا فقط، بل يحمل خطر حدوث أو حتى افتعال اشتباك ولو محدود مع تشكيلات إيرانية مسلحة، ما يعطي وجود إيران على الحدود شرعية الأمر الواقع؛ وهو ما سيتطور لاحقاً، حتماً، إلى تعزيز هذا الوجود على نحو يضع القوة العسكرية الإيرانية، بثقلها المخل للتوازن، على حدود إسرائيل، نفسها، بعدما كانت هذه القوة «بعبعاً» بعيداً.

 

وبهذا، ومِنْ دونه، فإن إسرائيل تغامر بكل «هبات» النظام العالمي ذي القطب الواحد، الذي أدخلها عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة، وألغى القرار الأمميّ المتعلِّق باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، وأبرم اتفاقيات أوسلو ووادي عربة وما توالد عنهما من تفاهمات واتفاقيات وحالات أمر واقع.

 

ولكن هذا ليس كل شيء..

 

يدرك نتنياهو أن لا سوريا، ولا إيران، ناهيك عن «حزب الله»، بوارد شن حرب على إسرائيل. ولكن عدم تفكير الأعداء الحقيقيين بشن حرب هو أفضل وقت للتفكير بشنها.. لا سيما أنه يعرف أن هؤلاء الذين لا يفكرون بشن حرب، يفكرون في الواقع بما هو أخطر؛ خلق واقع معادٍ ومهدد، يؤهلهم للتفكير بشن حرب حاسمة مستقبلاً.

 

وهنا، لا يريد نتنياهو، وهو يرى سوريا تخرج من أزمتها مدججة بالحلفاء، المغامرة بالانتظار إلى أنْ يتحول التحالف السوري الروسي من تحالف ضد الإرهاب في الداخل إلى تحالف يشمل الصراع العربي الإسرائيلي.

 

وقد يكون نتنياهو، الذي يحاول تهدئة مخاوفه بزيارات متكرّرة إلى روسيا واتصالات هاتفية متتابعة مع قيادتها، يخشى من خطورة أن يقود عجز الولايات المتحدة عن معالجة نتائج فشلها في سوريا، التي من أبرزها دخول روسيا الواسع والشامل منطقة «الشرق الأوسط»، إلى توريط إسرائيل في حرب بالوكالة مع روسيا في سوريا؛ وهي حرب يدرك أنها ستكون مخاطرة كبرى، ومصيرية، لا مجال لتدارك نتائجها. وهذا رغم كل مظاهر احتفائه بإعادة الاعتبار الأميركي لدور إسرائيل في المنطقة.

 

عموماً، مِنْ غير المستبعد أن يكون قدر نتنياهو (وإسرائيل أيضاً) مرتبطاً بحرب «الربيع العربي»، التي اندلعت أصلاً لتجنب الحرب المستحيلة.. فإذا بها تنتهي عند أعتابها!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *