مفارقات وحقائق منسيّة عن «رياضة الفقراء»

مفارقات وحقائق منسيّة عن «رياضة الفقراء»

// المحرر الرياضي //

 

 

لعل جملة «اللعبة الأكثر جماهيرية» من أكثر الجمل التي ترددت عند الحديث عن كرة القدم. تلك اللعبة التي تداعب خيال الفقراء والضعفاء، إذ يحلمون بها تحمل آمالهم ومشاعرهم الوطنية وتضعهم لـ 90 دقيقة على قدم المساواة مع الأمم (العظيمة) فنرى دولة مثل توغو أو كوستاريكا تهزم دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة. ويمكن للعالم كله أن يعلم أن هنالك دولة تدعى ترينيداد وتوباغو إذا ما تأهلت إلى كأس العالم، في حين يخلط الكثيرون ما بين ألبانيا وألمانيا.

 

تحمل كرة القدم في دقائقها التسعين أكثر بكثير من فكرة اثنين وعشرين لاعب يتناقلون الكرة في ما بينهم بحثاً عن الفوز. يخبرنا التاريخ أن هذه اللعبة كانت سبباً لحرب الهندوراس والسلفادور بعد فوز الأخيرة في المباراة الفاصلة المؤهلة إلى كأس العالم 1970 في المكسيك. وفي العام 1985 لقي 39 مشجعاً حتفهم بسبب الشغب الذي سبق مباراة ناديي ليفربول الإنجليزي وجوفنتوس الإيطالي في نهائي كأس الأندية الأوروبية. كما اشتهرت في العالم ثنائيات الأندية وصراعاتها، والتي تضمنت أبعاداً دينية (كاثوليك وبروتستانت(، وقومية (إسبان وكاتلان) وطبقية (زمالك وأهلي).

 

للأهلي والزمالك حكاية طريفة، فقد تأسس فريق نادي الزمالك ممثلاً للارستقراطية الملكية، وكان اسمه عند التأسيس نادي قصر النيل، ومنذ العام 1944 – 1952 كان اسمه نادي فاروق وقد ترأسه الأمير اسماعيل شيرين الذي كان آخر وزير حربية في العهد الملكي. أما النادي الأهلي فكان فكرة مجموعة من شباب البرجوازية الوطنية المصرية، لذلك نقرأ في قائمة مؤسسيه أسماء مصطفى كامل وسعد زغلول وطلعت حرب. أما قصة المنافسة بينهما فتعود إلى إنطلاق كأس سلطان مصر حيث رفض الأهلي المشاركة بسبب وجود فرق تمثل جيش المحتل الإنجليزي، فالتفت حوله الجماهير الوطنية المصرية وأصبح ممثلاً للفقراء والكادحين المصريين.

 

استمرت أحلام الفقراء تتدحرج بين أقدام لاعبي كرة القدم، يعززها ظهور مشاهير ينتمون إلى الأحياء الفقيرة مثل الملك بيليه الذي كان يعمل في تنظيف أحذية اللاعبين في نادي «باور اتلتيك كلوب»، والأسطورة مارادونا الذي جاء من أسرة فقيرة تسكن حي لانوس جنوب العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس. لكن التقدم التقني في مجال الاتصالات والنقل التلفزيوني لفت نظر كبريات الشركات الرأسمالية إلى هذا الكنز المهدور، فبدأ السباق…

 

تشكلت شبكة أعمال مترامية الأطراف بدأت بالتسويق ونقل المباريات على الهواء، ومن ثم رفع أسعار اللاعبين، وشراء الأندية وصولاً إلى عقود الرعاية وحقوق البث الحصري. لنجعل الأمور أكثر وضوحاً، يكفي أن نعلم أن عقد رعاية أديداس لنادي ريال مدريد يبلغ 1.6 مليار دولار في حين تبلغ ميزانية دولة مثل موريتانيا عدد سكانها 3.5 مليون إنسان حوالي 1.4 مليار دولار. أما حقوق نقل وبث المباريات فقد وصلت هي الأخرى إلى أرقام خيالية، فعلى سبيل المثال بلغت سبيل المثال بلغت قيمة عقد نقل مباريات الدوري السعودي لموسمين (2015 – 2016) مبلغ مليار دولار، في حين بلغت قيمة عقد نقل مباريات الدوري الإنجليزي لمدة 3 سنوات حوالي 8 مليارات دولار، أما الدوري الإسباني فتبلغ قيمة عقود نقله 5.8 مليار دولار لثلاثة مواسم.

 

بالنسبة للشركات التلفزيونية والشركات الراعية، فإنها تسترد أموالها من خلال القنوات ذات الاشتراكات المدفوعة والإعلانات والدعايات، وكذلك من خلال بيع التذكارات كالقمصان وصور اللاعبين وشعارات الأندية وتحفها، كل هذا يستدعي نوعية معينة من الجمهور، وهو الجمهور القادر على توفير مبالغ من المال لحضور مباراة أو اثنتين خلال الأسبوع، واستعمال مطاعم الوجبات السريعة، وشراء الهدايا أو الاشتراك بإحدى قنوات البث الحصري لمتابعة المباريات، أو زيارة المقهى لمتابعة فريقه المفضل أو فريق بلده.

 

لم تعد كرة القدم لعبة الفقراء، سواء أرادوا لعبها أو متابعتها، بل غدت سلعة أخرى بيد الرأسمال يُخضعها لقوانين العرض والطلب، ويسوقها عبر شبكة إعلامية كبرى تتلاعب بالمتناقضات التي تسود المجتمعات لكي تدفع الجماهير إلى الشارع وإلى المزيد من التعصب. كل هذا وقوده المواطن الفقير المسكين الذي يقتطع جزءاً من ثمن قوت يومه ليقدمه للسيد الرأسمالي، ويعود إلى بيته مليئا بالجروح والرضوض، معتقدا أنه عندما ضرب مشجع الفريق الخصم، وهو فقير مثله، قد تغلب على كل هزائمه.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *