مصر بين الوصفات الليبراليّة وضغوط الأشقّاء

مصر بين الوصفات الليبراليّة وضغوط الأشقّاء

// فهمي الكتوت //

  تحرير أسواق المال والتجارة الداخلية والخارجية، وفرض سياسة التخاصية وانهاء دور الدولة في الاقتصاد، إضافة الى تعويم العملة المحلية؛ الوصفة التي يصرفها صندوق النقد والبنك الدوليين، بعد اغراق الدول النامية بالمديونية، وتحميل الفقراء والشرائح الوسطى في المجتمع أعباء الازمة بتخفيض الدعم ورفع أسعار السلع وزيادة الضرائب غير المباشرة.

 ما هي الآثار الناجمة عن تعويم مصر لعملتها؟

  وصل معدل التضخم في مصر 31 % في النصف الأول من العام الحالي، وفق معلومات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، بعد تراجع القيمة الشرائية للجنيه، مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2016. في حين ارتفع معدل أسعار الأغذية والمشروبات بنحو 41%. وقد رفع البنك المركزي المصري قبل أيام أسعار الفائدة الأساسية على الإيداع والإقراض بقيمة 200 نقطة أساس، ووصلت نسبة الفائدة نحو 20%. كما رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود والغاز الطبيعي بنسب تصل إلى 42%، وأعلنت زيادة أسعار شرائح استهلاك الكهرباء المنزلية، في خطوة تستهدف إلغاء الدعم عن المحروقات والطاقة، وفقا للاتفاق مع صندوق النقد والبنك الدوليين. وهذا في حين يعيش في مصر نحو 25 مليوناً من السكان تحت خط الفقر، وقد شهدت البلاد حالة من الغضب والغليان احتجاجا على رفع الأسعار وافقار المواطنين.

  إن تخفيض سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية لدولة تعاني من عجز في الميزان التجاري وليس لديها إنتاج محلي فائض عن حاجتها تصدره، يعتبر سبب رئيس من أسباب ارتفاع معدلات التضخم، وإن تآكل احتياطات البنك المركزي من العملات الأجنبية، لم يمكن الدولة من توفير متطلبات السوق، الامر الذي أنعش السوق السوداء.  فاعتمدت مصر على بعض المساعدات الخليجية ومنها ودائع بالعملات الأجنبية، مما أوقعها في شرك الابتزاز السياسي، والضغط عليها لإلحاقها بالسياسات العدوانية ضد بعض الأقطار العربية.

  نعم، ثمّة دول استفادت من انخفاض عملتها، مثل الصين التي تعرضت في السنوات الأخيرة لحملة شرسة من المراكز الرأسمالية الدوليّة بسبب تزايد قدرتها التنافسية في السوق العالمي، في حين تنصاع دول أخرى لشروط التبعية لعجز اقتصادها عن حماية عملتها. وبالتالي، فهناك فرق شاسع بين الحالتين، فالمشكلة تبدأ بضعف الاقتصاد وعجز الميزان التجاري، بسبب اعتماد الدولة على الاستيراد لتوفير احتياجاتها الأساسية من المأكل والملبس والخدمات الأخرى. ويشير الاقتصادي المصري احمد السيد النجار إلى عجز مروع في إنتاج السلع الضرورية في مصر مما رفع العجز التجاري في العام المالي 2014/2015 إلى 39,1 مليار دولار، وبلغ العجز نحو 29,3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2015/2016 طبقا للبيانات الرسمية.

   الاقتصاد المصري يعاني من أزمة عميقة في بنيته، ومن انخفاض معدلات النمو والاستثمار، إضافة الى تراجع عائدات الدولة من السياحة وقناة السويس وهي من المصادر الرئيسة للحفاظ على احتياطات البلاد بالإضافة الى عائدات المغتربين المصريين في الخارج. وتعتمد مصر على التمويل الخارجي لسد العجز في الموازنة العامة وتوفير السيولة، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حجم الدين الخارجي، فقد أعلن البنك المركزي المصري في تقرير حديث له عن ارتفاع حجم الدين الخارجي للبلاد بنسبة 40 في المئة خلال عام واحد، وذلك في النصف الأول من السنة المالية 2016-2017. وأشار البنك في تقريره إلى أن الدين الخارجي ارتفع إلى 67.3 مليار دولار، وذلك على أساس سنوي في الفترة من يوليو/ تموز وحتى ديسمبر/ كانون الأول من 2016، مقارنة بنفس الفترة من العام 2015، عندما بلغ الدين الخارجي نحو 48 مليار دولار.

  وقد اسفرت السياسات الاقتصادية الليبرالية عن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة، ويشير تقرير الثروات العالمي إلى أن أغنى 10% من السكان الراشدين في مصر كانوا يملكون نحو 61% من الثروة في البلاد عام 2000، وارتفعت حصتهم إلى 65,3% عام 2007، ثم إلى 73,3% من إجمالي الثروات في مصر عام 2014. وهذا النمط من الاستحواذ على الثروات يضع مصر بين الدول الأكثر معاناة من سوء توزيع الثروات، مقتربة من النموذج الأميركي، وفقاً لما أورده أحمد السيد النجار.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *