مسرحية بعنوان «إعادة النظر بسقف ديون الولايات المتحدة»

مسرحية بعنوان «إعادة النظر بسقف ديون الولايات المتحدة»

// فالنتين كاتاسونوف // (ترجمها عن الروسية: ياسر قبيلات) – 

في أواخر العام 2013 شهدنا نهاية فصل جديد تالٍ من المسرحية، التي تحمل عنوان «إعادة النظر بسقف ديون الولايات المتحدة»، التي يستمر عرضها في واشنطن على مدى العقود العديدة الماضية. وكانت هذه المسرحية، في آخر عروضها (2013)، قد شغلت الدنيا نحو ما يقرب ثلاثة أسابيع، بحيث كان الموضوع الرئيسي لوسائل الإعلام في العالم قاطبة هو أزمة الميزانية واحتمال عجز الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها.

وتم، بالترابط، مناقشة مشكلتين: عدم وجود موازنة عامة للدولة ابتداء من الأول من نوفمبر (01.10.2013)، واستنفاذ الحد الأقصى للاقتراض الحكومي. وفقط في وقت متأخر من مساء 16 أكتوبر بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، وافق الكونغرس الأميركي على مشروع موازنة توفيقي، يسمح للبلاد برفع سقف الديون وتجنب حالة العجز التقني، واستئناف عمل المؤسسات الحكومية. وحظي مشروع القانون بتصويت إيجابي من 285 من أعضاء الكونغرس، ضد – 144. وفي وقت سابق من نفس اليوم، 16 نوفمبر، تمت المصادقة على الوثيقة من مجلس الشيوخ الأميركي.

الفكرة الرئيسة للمسرحية، هي: «أميركا تستطيع ويجب أن تكثف اقتراضها الحكومي»..

وقد تملكت هذه الفكرة بالفعل عقول الجماهير. وتم إيهام الناس بأنه ما من وسيلة أخرى للخروج من أزمة الميزانية سوى هذه. ولكن، إذا تم رفع سقف الدين، فإن حكومة الولايات المتحدة تكون قادرة على نشر دفعة جديدة من سندات الخزينة، داخل البلاد وخارجها، للحصول على المال اللازم، وبعملية الحقن هذه يتم تمويل الميزانية الاتحادية. أما السؤال حول إن كان ينبغي أو لا ينبغي رفع سقف الدين الحكومي، فلم يتم التطرق إليه من حيث الأصل.. جميع المناقشات وكامل الجدال دار بمجمله حول قضايا جزئية. كم يمكن (يجب) أن يكون سقف الدين الجديد؟ ما الذي يمكن أن يحصل عليه الجمهوريون في المفاوضات مقابل موافقتهم على رفع سقف الدين؟

يعترف كلا الحزبين السياسيين الرئيسين في أميركا بالحاجة لرفع سقف ديون الولايات المتحدة، بينما يدعو المصرفيون في وول ستريت ولندن إلى إجراء إعادة نظر تدريجية له. وانضمت إلى هذه الدعوة دول مثل الصين واليابان، اللتين تمسكان معاً بما تبلغ قيمته حوالي 2.4 تريليون دولار مِنْ سندات الخزينة الأميركية. وتخشيان من أن تضحي هذه الأوراق بلا قيمة. كما تبنت هذه الدعوة وكالة التصنيف «فيتش»، التي حذرت من خفض محتمل لتصنيف الولايات المتحدة. إضافة إلى أن إعادة النظر بسقف دين الولايات المتحدة أثارت، كذلك، صندوق النقد الدولي، الذي يعتقد عن حق أن ما يسمى بـ«العجز التقني» لحكومة الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها، سوف يؤدي إلى أزمة مالية عالمية .

إن قلة من المعارضين، الذين ينتقدون سياسة زيادة الاقتراض الحكومي يلفتون الانتباه إلى حقيقة أن الدين القومي كان، خلال العقد الماضي، في تزايد مطرد. ذلك أننا إذا ما قمنا باستقراء لاتجاهات التغيّر في الدين الحكومي، على المدى المتوسط ​​والطويل، فإننا سنجد أنفسنا أمام ضرورة الإعتراف بأن الإقتصاد الأميركي يتجه نحو الانهيار. ذلك أن ديون الدولة – هي نتيجة لعدم التوازن في الميزانية الاتحادية. ولأن قيمة ديون حكومة الولايات المتحدة في أي وقت من الأوقات – هي مجموع تراكمي لحالات العجز والفائض من ميزانيات جميع السنوات السابقة.

لم تتواءم الميزانية الاتحادية الأميركية، طوال تاريخها، ولو لمرة، مع العجز. ولكن كان يأتي بعد ذلك وقت فائض في الميزانية، وعلى حساب هذا الفائض كان من الممكن سداد جزء من الديون. على سبيل المثال، منذ أواخر 1930 وحتى منتصف 1940 عانت أمريكا من عجز ضخم في الميزانية الاتحادية، نجم عن الزيادة المتكررة في الإنفاق العسكري. ونما الدين القومي بشكل مطرد، بحيث إذا كان يبلغ في العام 1930 ما نسبته 16.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، فإنه بلغ في العام 1940 ما نسبته 52.4 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفي عام 1946 وصل إلى حدود قياسية (هي الأعلى على الإطلاق لليوم) وبلغ 121.2 % من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن تخفيض الميزانية وتحقيق فائض بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سمحا لأميركا البدء بتحقيق تخفيض تدريجي للمستوى النسبي للدين العام: بلغ في العام 1950 ما قيمته 94.0 %، وفي العام 1960 – 56.0 %، وفي العام 1970 انخفض حتى 37.6 %.

دخلت أميركا مرحلة من العجز المزمن في الميزانية منذ أواخر 1960. حصل ذلك بسبب الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في فيتنام والزيادة السريعة في الإنفاق العسكري. ومع وصول رونالد ريغان إلى البيت الأبيض، أعلنت واشنطن سياسة اقتصادية جديدة، وهي ما أصبح يعرف لاحقاً باسم «الاقتصاد الريغاني». العنصر الأساس الهام في هذه السياسة كان، بالذات، نمو الدين العام. في العام 1980 كان الدين القومي الأميركي يساوي 909 مليار دولار، وتفاقم حتى بلغ 3206 مليار دولار في العام 1990، أي بزيادة قدرها 3.5 مرات.

من الناحية النسبية، فإن زيادة الدين القومي ارتفعت خلال هذه الفترة من 33.4 % إلى 55.9 % من الناتج المحلي الإجمالي. وقد لفت بعض الاقتصاديين الأميركيين الموضوعيين الانتباه إلى حقيقة أن النمو الاقتصادي في أميركا قد توقف تماماً في ذلك الوقت. وأن زيادة أرقام الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، التي كانت تقدمها الإحصاءات الرسمية كانت مجرد خدعة محض. لم تكن تلك الأرقام تظهر في الحقيقة أي زيادة في إنتاج السلع والخدمات، بل تكشف عن الزيادة في استهلاكها. وكانت تلك سلع وخدمات تحصل عليها أميركا من خلال الاقتراض من بلدان أخرى.

خلال الـ45 عاماً الماضية، حظيت الولايات المتحدة أربع مرات فقط بميزانية تزيد فيها إيرادات الضرائب على النفقات. وكان ذلك خلال رئاسة بيل كلينتون: 1998، 1999، 2000، 2001. وخلال هذه السنوات، حصل توقف في زيادة الدين العام، بل إنه حتى شهد انخفاضاً بالمعنى النسبي (وليس المطلق) في مستواه. على سبيل المثال، كان في العام 2000 يساوي 58.0 % وفي 2001 حتى 57.4 %.

لقد مثل العقد الماضي عهداً من النمو الواضح للدين العام؛ في العام 2001، بلغ مجموع الديون من حيث القيمة المطلقة ما قيمته 5.77 ترليون دولار، وفي 2011- 14.15 ترليون دولار، وهو ما يساوي زيادة قدرها 2.6 مرة. ومن الناحية النسبية، فإن زيادة الدين ارتفعت من 57.4 % إلى ما نسبته 100 % من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد غرق الاقتصاد الأميركي في عهد الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما في النهاية في قرارة الاقتراض، وأضاع حوافز التنمية. وقد أصرّ بعض الجمهوريين، من رصيني التفكير في صيف العام 2011، على أن تترافق زيادة السقف إلى 5.2 مليار دولار، مع التزام الإدارة والديمقراطيين، الذين يدعمون الرئيس، بالحدّ من مجموع الانفاق الاتحادي بنفس المقدار، طوال مدة زيادة السقف. وبالطبع، لم تفِ الإدارة بهذا الوعد، وهو ما قاد إلى مواجهة في الكابيتول هيل في تشرين أوَّل/أكتوبر من ذلك العام.

ويعتقد البعض أن التقليل من مستوى الدين العام للولايات المتحدة، بل حتى مجرد تجميد مستواه عند حد معين، لم يعد ممكناً. ومع ذلك، فالأمر ليس كذلك. لقد تجاوز عجز الميزانية الفيدرالية بشكل مطرد 1 ترليون دولار سنوياً، على مدى الأعوام الخمس الماضية. وهذا يساوي، تقريبا، حوالي ثلث الميزانية الاتحادية. إذا كان الأمر كذلك، فإن على الحكومة الاتحادية إذا ما أردت تجنب اللجوء إلى الاقتراض، خفض النفقات بحوالي الثلث، لتتمكن من تحقيق ميزانية متوازنة. تقديرات الخبراء تشير إلى أن هذا التخفيض هو ممكن. وأنها لا تحتاج حتى للوصول إلى «العجز التقني».

لسوء الحظ، لم تناقش البدائل للخروج من الأزمة المالية في أميركا في «كابيتول هيل» أو في وسائل الإعلام الأميركية. ولكن هذه الخيارات معروفة للمختصين:

أ) زيادة ميزانية القاعدة الضريبية.

ب) التخفيضات في الميزانية.

ج) تغطية عجز الموازنة عن طريق طباعة النقود، التي تنظمها وزارة الخزينة (اصدار أذونات الخزانة) .

يتمتع غالبية أعضاء مجلس النواب الأميركي بذاكرة قصيرة جداً، حتى أنهم لا يذكرون بعض القوانين التي صدرت في الولايات المتحدة مؤخراً. وفي صدارة هذه، القانون حول الميزانية المتوازنة والسيطرة على العجز بإجراء طاريء، الذي تم اعتماده في العام 1985. كما يعرف بقانون «جرام – رودمان – هولينغ».

هذا القانون ضيق حالات الاعتماد على اللوائح التي تزيد من التكاليف وتقلل من الأرباح، وذلك حتى العام 1998. وفي وقت لاحق، تم تعديل القانون بالقانون العام بشأن اتفاق الميزانية لعام 1993. إلا أن القانون نفسه لا يزال سارياً ولم يلغه أحد، ولكن لسبب ما لا يتذكره أحد، اليوم.

إن الصلاحيات والإرادة السياسية للرئيس والكونغرس الأميركي تسمح ليس فقط بتجميد مستوى الدين العام في الولايات المتحدة، بل وحتى البدء في خفضه. والأمثلة على ذلك متوافرة في التاريخ الأميركي بما فيه الكفاية. أحد هذه الأمثلة – خفض الحجم المطلق للدين العام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. أما المثال الأكثر إثارة للإعجاب فقد جرى في ثلاثينات القرن التاسع عشر، عندما دخل الرئيس أندرو جاكسون، أحد كبار أعداء فكرة تأسيس بنك مركزي في الولايات المتحدة، الذي دخل تاريخ بلاده ليس فقط لأنه تمكن من إغلاق البنك المركزي القائم في ذلك الوقت، ولكن كذلك لأنه استطاع بفضل بعض التدابير الجذرية إيصال الدين القومي للولايات المتحدة إلى الصفر. وبرغم ذلك، فإن أميركا، اليوم، نادراً ما تتذكر رئيسها الأسطوري أندرو جاكسون.

وفي الواقع، تم وضع بطل أميركا الوطني في دائرة مشددة من الحصار الإعلامي، وذلك ببساطة لأن قصة كفاح أندرو جاكسون ضد المصرفيين في بلاده يمكن أن تفتح عيون الأميركيين على حقيقة الأحداث التي جرت في تشرين الأوَّل/أكتوبر 2013 في «الكابيتول هيل». ومن شأن ذلك أيضاً أن يوضح لماذا تمت مناقشة بعض الخيارات، بعينها، في معرض بحث الخروج من الأزمة المالية والمصرفية، بينما تم بإصرار تجاهل غيرها.

والجواب بسيط: لأن القرار الذي أتخذ حينها من قبل الكونغرس الأميركي (السماح برفع سقف الدين)، هو نتاج مباشر لتلك الفئة المستفيدة والمهيمنة على نظام الاحتياطي الفيدرالي. في حين أن الدين الوطني هو، في واقع الأمر، أداة فعالة بيد الطغمة المالية، لإخضاع الرئيس، والحكومة، و«ممثلي الشعب».

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *