ما كتبه غالب هلسا عن «بدايات» الدكتور زيَّادين

ما كتبه غالب هلسا عن «بدايات» الدكتور زيَّادين

لم أكن في البدء متحمساً لقراءة كتاب الدكتور يعقوب زيادين « البدايات»، قلت لنفسي، أقول لنفسي: ما الذي يستطيعه رجل كرّس حياته للنضال وللطب في مجال الكتابة؟ يداعبني غرور المهنة فأضيف: هو مناضل كبير دون شك ، وطبيب مارس مهنته بمعرفة وإنسانية نادرتين بالتأكيد، ولكن الكتابة شيء آخر تماماً ويظل الكتاب مهملاً بضعة أيام، ثم أقلبه في إحدى الأمسيات، وإذا بي أطامن من غروري واعتزازي المهنيين وأستغرق في القراءة، ولا أدع الكتاب إلا في ساعات الصباح الأولى، بعد أن انتهيت من قراءته.
أنهيت الكتاب والدهشة والأسئلة تحيطني من كل جانب: هذا كاتب متميز، مهما تخفى بأقنعة السياسة والطب فهو في جوهره فنان حقيقي، ودعاني هذا للتساؤل: لماذا لم يكتب حتى الآن؟ إن الإطار الحضاري الذي أتاح له ـ بعد مجاهدة والتغلب على عقبات لا نهاية لها ـ أن يتمكن من أحدث منجزات علم الطب، ومن امتلاك أكثر مناهج العصر عمقاً، وهو المنهج الماركسي، قد عجز أن يقوده إلى الكتابة إلا بعد أن قارب الستين من عمره .
وهذه مسألة تحيرني. كانت وما زالت كذلك. وإن كنت قد طرحتها بشكل أولي في بعض ما كتبت، ولكنني لم أصل إلى الحسم فيها، وأعني بها نفور أهل منطقة الشام عموماً من الكتابة التي لا ترتبط بإحدى التجارات أو الصناعات. ولكن هذا حديث آخر. نعود إلى الكتاب «البدايات» هذا كتاب يشكل إسهاماً حقيقياً في فن الكتابة العربية. وكنت أتوقع أن يسبق إليه قصاص أو روائي. ولكن المفارقة العجيبة جعلته يصدر عن رجل مهنته الطب. وحياته السياسة. والمفارقة تقوم على ما تعودناه من رجال السياسة العرب أن يعتبروا الكتابة الأدبية مسألة ثانوية هدفها الإعلام لا تقوم بذاتها، ولا تستأهل أن تكون وسيلة للمعرفة والوعي الإنسانيين خارج إطار العمل السياسي المباشر.
هذا الكتاب فهم جديد للكتابة، بل وفهم جديد للواقعية الاشتراكية ، وهو بالإضافة إلى هذا إضافة حقيقية في دراسة القيم الجمالية والإنسانية، وسوف أقتصر على دراسة هاتين المسألتين، رغم أن هنالك الكثير مما يمكن قوله.
1. جماليات الأسلوب : أول اعتراض سوف أرد عليه، وقبل أن أواجه به: أن هذا الكتاب سيرة ذاتية، لا المؤلف ادعى به وليس هنالك ما يشير إلى كون «البدايات» عملاً فنياً فما بالي  أتحدث عن فنيته وكأنها مسألة محسومة؟
هاهي مقدمة الكتاب التي كتبها الأستاذ محمود شقير تقدم هذا الكتاب على أنه واحد من المؤلفات التي لا تتحدث عن سيرة ذاتية «على نحو معزول» وإنما جعلت هذه السيرة «مدخلاً إلى صخب الحياة العامة» وهو أيضاً وثيقة «من أهم وثائق التاريخ الوطني في الأردن» وهو في النهاية يمتاز بإيراد معلومات يتحتم على الأجيال الجديدة «أن تلم بها على نحو دقيق».
وأنا في هذا كله أختلف تماماً مع الأستاذ محمود شقير. فعلى الرغم من كون هذا الكتاب هو سيرة ذاتية فهو قد خضع لاختيار وانتقاء حددهما حس فني دقيق وصافٍ. بل إن هنالك، بالإضافة إلى هذا، بناء روائياً، يبدأ بصور سريعة لمشاهد الطفولة والصبا، ويتصل في الصبا أمام استيعاب التجارب الحياتية الجديدة، ثم يزداد كثافة في الجزء الأخير حيث يسود حس تراجيدي عميق. وخلال ذلك تتكلف وتتعمق قيم جمالية وإنسانية سوف تكون موضوع حديثنا بعد قليل.
نعود الآن للأسلوب، وسوف أعود إلى تجربة شخصية مع الكتابة اختصاراً للشرح.
في النصف الثاني من الخمسينات كنا، في مصر ، مجموعة كبيرة من الشبان الصغار الذين يتدربون على الكتابة. وبسبب إيقاع الحياة والأفكار المتسارعة، في الأغلب، رأينا في الغنائية الرومانسية، والثرثرة العاطفية عدوينا اللدودين، فأصبح هيمنجواي هو المثال الذي نحتذيه في الكتابة.
لقد تأثرنا إلى أبعد حد بأسلوبه التلغرافي السريع الذي كان يخفي وراءه أو تحته أربعة أخماس الدلالة النفسية والاجتماعية للأحداث، والأحداث ذاتها. وأقول أربعة أخماس الدلالة إحالة إلى ما وصف به أحد النقاد أسلوب هيمنجواي  – أو ربما كان هيمنجواي ذاته، لا أذكربأنه يشبه جبل الثلج العائم الذي يظهر خمسه فوق الماء، بينما يختفي أربعة أخماسه تحت الماء.
ولقد شاع عن هيمنجواي رأي سطحي يقول إن أسلوبه شبيه بأسلوب ستاندال، كلما كان القارئ أكثر ذكاء كلما زادت إمكانيته على فهم الجزء المختفي من جبل الجليد العائم، وكأن القارئ مجرد إنسان يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة. إن أهمية أسلوب هيمنجواي هو أنه يضعنا في مكان وطقس الحدث، ويدعنا نكتشف عمق التجربة من خلال النفاذ عبر المكان والطقوس.
وبالنسبة لكتاب «البدايات» فإننا نقرأ عبر الأسلوب التلغرافي السريع والمباشر الحدث. لن نجد هنا ذلك التوتر الذي نجده عند هيمنجواي. ولكن جمالية هذا الأسلوب أنها تتخطى الحدث لتضعنا في قلب عالم القيم، الذي سوف نتحدث عنه بعد قليل. وأما بالنسبة للمادة الحياتية التي يختارها فإنه يلتقط ما هو جوهري. نجد هذا خاصة في الجزء الأخير من الكتاب.
ولكن ماذا نعني بما هو جوهري؟ جوهر أي شيء؟
سأعطي هنا مثالين:
الأول، يحكي الدكتور زيادين عن خروجه من السجن عام 1965 كيف واجه عالماً جديداً، مختلفاً تماماً عن العالم الذي خرج إليه عام 1955.
«جاء الكثير منهم مجاملة فقط جاءني أصدقاء مقربون ووطنيون صادقون كما كنت أعرفهم.. وبدلاً من الحديث عن المثل العليا… أخذت أسمع حديثاً غريباً عن أقساط السيارات والمقاعد والغاز والثلاجة».
«قبل اعتقالي، وقد كنت طبيباً ونائباً في البرلمان، فإنني لم أحلم باقتناء ثلاجة..» 
الثاني: إن هذه الغربة تتأكد بشكل أعمق عندما يلتقي بعائلته في برلين، بعد سبع سنين من الفراق.
«وفي البيت، وبعد مرور أيام معدودات، بدأت أشعر بالغربة، إنه الفراق، ما أصعبه! لقد تغيرت سلوى كثيراً، أصبحت عصبية المزاج، حادة الطبع، تثور وتغضب لأتفه الأسباب وكنت أشعر بالإهانة حتى العظم. ولسوء حظي بدأت أدرّس الأولاد اللغة العربية، ولصعوبة اللغة أخذ الأولاد يكرهون اللغة ويكرهونني أكثر منها، حتى أصبح غيابي عن البيت ليلة أو ليلتين بسبب عملي في المستشفى شيئاً، مستحباً جداً يتمنون المزيد منه».
«كان خليل في الثالثة عشرة، سن المراهقة الشرس، وبدأ يشعر باستقلاليته، كان فظاً شرساً مع شقيقه، يرفض أن يقص شعره، كنت أحاول ردعه ولكن بدون جدوى، كان يرد علي باستخفاف..».
هنا بالفعل أحسست بذلك الجلال التراجيدي الذي يميز الأعمال الجيدة. إن إغواء الفن يلاحق الكاتب ويقتنصه في اللحظة المناسبة. إن الإغراء يتم تجاوزه، فلا لقاء الأحبة، ولا الخروج إلى العالم الواسع يحمل ذلك الحلم الرومانسي بالنهايات السعيدة، بالسكونية، إن الخروج من موقف معقد لا يقود إلى استرخاء، بل إلى بداية لفعل جديد، وإذا كان هنالك ما نأخذه على هذين الموقفين فهو نقص الحرفية الأدبية التي تحتاج إلى ممارسة وتدريب طويلين.
إن طاقة التفاؤل التي تشيع في الكتاب لا تستسلم لأحلام اليقظة الرخيصة، بل تأخذ عمقاً واقعياً، وبعداً بنائياً يصلان إلى درجة الكشف.
وهذا يؤدي بنا إلى تحديد أكبر لما هو جوهري من خلال دراسة القيم في هذا الكتاب، دراسة في القيم الجمالية: إذا كانت الأحداث هي قلب العمل الروائي، فإن ما يجعله عملاً عظيماً بحق هو مضمونه الأعمق، وأعني به مجموعة القيم الجمالية  ـ الإنسانية التي يتضمنها. هذا ما يفرق بين رواية مبنية على الأحداث كالرواية البوليسية ورواية مثل «الحرب والسلام».
لو حاكمنا هذا الكتاب بقيم ومقاييس الواقعية الاشتراكية الساذجة التي سادت في أواخر أربعينات وخمسينات هذا القرن لوصفنا هذا الكتاب بالتشاؤم. فهو عمل أدبي يبدأ ببؤس البداوة والجوع، وينتهي بالخروج من السجن إلى الغربة، وموت رفيق النضال فؤاد نصّار.
ولكن قيم التفاؤل والشجاعة تشع في هذا الكتاب كقطعة الماس، وأصالة هذه القيم ترفض الفرح السهل المراهق.
القيمة الإنسانية هنا هو أن اكتشاف الإنسان لمعنى حياته يتجاوز ذاته ليجعل من القضايا الاجتماعية لشعبه وللإنسانية قضايا خاصة به تتجسد هذه القيمة الأساسية في عدد من القيم: احترام العمل، الاعتزاز بالذات، الصدق، وفي كل مرة توضع هذه القيم في الاختبار، وتظل حرية التخلي عنها مفتوحة، وفي كل مرة، أيضاً، يتم إعادة إنتاج هذه القيم من خلال الفعل والالتزام بهذه القيم يتم عبر تحدٍ مزدوج: القمع الذي يستعيد المقولة القديمة: سيف المعز وذهبه، وإغواء المجتمع الاستهلاكي المريح. 
وما بين الإنسان المتحدي والقوتين اللتين تواجهانه يتم التقابل بين مجموعتين من المثل. وحتى عندما يكون الاختيار عقلياً بحتاً فإن الذي يحسمه هو تلك القيم الإنسانية المشحونة بطاقة انفعالية عالية. وما يميزه عن القيم الأخرى هو ديناميتها بكلمة أدق، إن دينامية هذه القيم تكمن في فكرة الالتزام المنفتحة على فعل لا يتوقف. من هنا أشدنا باستبعاد الكاتب للفرح السهل، والتفاؤل الساذج، لأن كليهما يؤديان إلى سكونية والحقيقة الجديرة بالانتباه أن قيم مجتمع القمع وقيم المجتمع التجاري هي أيضاً قيم سكونية، فهذه كلها تؤدي إلى ذلك الاسترخاء الذي يعقب التعب والعذاب. 
إن القيم السكونية هي جوهر أسلوب الخبير النازي في التعذيب، إنه يبدأ بتحطيم الأسس الموضوعية التي يستمد منها المناضل قيمة «يبدأ بحديث سياسي يشوّه فيه سمعة الاشتراكية والمناضلين في كل مكان» ثم ينصح المعتقل بفترة استرخاء يعلم أن المناضل خلالها سوف يتشبع بالقيم السائدة وينتهي«.. ثم ينتقل مع المعتقل السياسي إلى ظروفه الخاصة، فإذا كان طالباً نصحه بإكمال تعليمه أولاً ثم يعود إلى ممارسة النضال، وإذا كان غير متزوج نصحه بالزواج وتكوين أسرة وأطفال يرثون اسمه وبعد ذلك يأتي النضال، وإذا كان متزوجاً نصحه بالاهتمام بأولاده الذين يتعرضون للإهمال…».
وها هو المجتمع الاستهلاكي يخاطبه بلسان أحد المعارف: «- مالك ولهذا العذاب؟ انظر إلى القصور والبيوت والجنائن. انظر حولك إلى الفراش الفاخر يملأ البيوت. كل هذا يجري أثناء غيابك!! ماذا تريد أكثر؟ ماذا نريد نحن أكثر؟ كل هذا الذي نناضل من أجله نحصل عليه ببساطة!!» .
ولعل خير تصوير لسكونية قيم المجتمع الاستهلاكي هو ما عبّر عنه الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم حين قال عن «بقرة حاحا النطاحة» أنها «ماتت من الخوف والراحة» .
ودينامية القيم لها جانبها الجمالي، فحتى الشعراء والروائيون الكاثوليك مثل ت. س. اليوت وجراهام جرين، والمخرج السويدي أنجمار برجمان صرفوا همهم إلى تصوير معاناة الإنسان بعيداً عن الآلة. ولم يحاولوا سكونية الاندماج في الكنيسة، وذلك لأن حسهم الفني تجاوز كاثوليكيتهم: فالمعايير الجمالية تنحاز إلى دينامية التحرك المفتوح.
غالب هلسا
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *