مائة دولة جديدة متوقَّعة في العالم.. كيف؟

مائة دولة جديدة متوقَّعة في العالم.. كيف؟

// د. عماد الحطبة //

 

 

في مقال نشر في جريدة «فاتان» التركية بتاريخ 16/11/2005 على الصفحة الخامسة يتوقع الكاتب التركي «زولفي ليفانيله» أن الإسلاميين سيصلون إلى الحكم في العام 2007 وأنهم سيعملون على قسمة الأمة التركية إلى ثلاثة أقسام؛ الإسلاميون، القوميون، والأكراد تمهيداً لتقسيم تركيا.

 

يقول الباحث الأميركي في «نيوأميركا فاونديشن» باراخ خانا في كتابه الصادر عام 2010 بعنوان «كيف ندير العالمHow to  «Run The World  أن عدد الدول المستقلة في العالم سيقفز من 200 إلى 300 خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الواحد والعشرين فمن أين ستأتي الـ 100 دولة الجديدة؟

 

ينبئنا الكاتب بأن دولة جنوب السودان (تحققت الرؤيا) وكردستان وفلسطين المستقلة هي أقرب هذه الدول للتشكيل، لكن السؤال يبقى من أين ستأتي الدول الـ97 الباقية؟

 

في البحث عن 97 دولة مفقودة من النظام العالمي الجديد لا بد لنا من العودة إلى صاحب النظرية «باراخ خانا»، فهو الذي يرسم لنا معالم تكون هذه الدول.

 

وقبل أن نغرق في التفاصيل قد يتساءل البعض مالفرق الذي يمكن أن يصنعه كاتب واحد من خلال كتاب واحد؟ أترك الاجابة للكاتب الدانماركي «انج كاول» الذي كتب في 9 حزيران 2011 في معرض تحليله لكتاب خانا:

 

«يمكن إهمال كتاب “كيف ندير العالم” بسبب ركاكة أسلوبه السردي وضعف وسائله التحليلية، لكن هذا الإهمال يصبح مستحيلاً إذا أخذنا بعين الاعتبار موقع باراخ خانا وحضوره الطاغي في أوساط الحوكمة العالمية الحديثة».

 

الدولة المرتقبة في إفريقيا قد تكون إحدى أول الثمرات التي تسقط من شجرة الربيع العربي ونقصد هنا دولة برقة (سيريناكيا). لمعظمنا بدت الحرب على ليبيا مبررة، فهي أخرجت أوروبا من احتمال انهيار منطقة اليورو بسبب أزمة فرنسا الاقتصادية التي حصلت على حصة الأسد من العقود الليبية كما أن الأرصدة المجمدة في البنوك الأميركية والأوروبية قد تشكل محركاً للاقتصاد الغربي المأزوم، البعض يتحدث عن دور إفريقي حاول القذافي لعبه فاصطدم بمصالح كبريات الشركات ذات المطامع في إفريقيا. لكن الصحفي الإسرائيلي «ألوف بن» يذكرنا في مقال كتبه في جريدة هآرتس في 25/3/2011 أن واحدة من أعظم معارك الحرب العالمية الثانية بين مونتغمري ورومل دارت رحاها في منطقة برقة «معركة العلمين» وأن هدف المعركة كان الاستيلاء على أو حماية الجناح الغربي لقناة السويس. كما أن ولاية برقة تحوي 80% من الثروة النفطية الليبية. الفعاليات الشعبية و«الثورية» في برقة تعلن كل يوم عزمها على الانفصال فهل نساهم في خفض عدد الدول المفقودة إلى 96؟

 

يرى خانا أن العالم القادم هو عالم اللادولة وأن الصفقات ستتم مباشرة بين الشعوب من خلال الدبلوماسية الكبر Mega Diplomacy وذلك بوساطة الشركات الخاصة، والمنظمات غير الحكومية NGOs والجامعات والمشاهير من أمثال أنجلينا جولي وبيل كلنتون وجورج سوروس وتيد تيرنر. وهو يرى أن مادونا لو تبنت طفلاً من مالاوي فإنها ستضع هذه الدولة على خارطة العالم السياسية أكثر بكثير مما يمكن أن تفعله دولة مالاوي بحكومتها وجيشها وشعبها.

 

نحن في الوطن العربي أخذنا نصيبنا من هؤلاء المشاهير فقد زارنا جورج كلوني الذي يختص هو ووالده بمنطقة دارفور، التي قد تشكل بدورها إحدى مساهماتنا في دول العالم الجديد مخفضين عدد دوله المفقودة إلى 95. كما زارتنا أنجلينا جولي فتركت بركاتها في العراق وجنوب السودان والآن تتفرغ للاجئين السوريين وقد زارت الأردن عدة مرات.

 

لقد شكلت سوريا عقدة في منشار العالم الجديد فهي التي كانت مرشحة لتقديم 4 دول لقائمة الدول الجديدة (دولة دمشق السنية، دولة الدروز، دولة حلب السنية، الدولة العلوية في منطقة الساحل) لكن صمود الدولة السورية المدعومة من روسيا وإيران والصين وحزب الله أفشل هذا المخطط من خلال انتصارات الجيش العربي السوري والتماسك السياسي والدبلوماسي للدولة السورية والتي لم تهرع حتى الآن نحو أي حل لا ينسجم مع المصالح السورية. لكننا سنحذف الدول الأربعة من القائمة فيتبقى لدينا 90 دولة لنبحث عنها.

 

للعراق العربي نصيبه أيضاً فهو مرشح لتقديم الدولة الشيعية العربية في جنوب العراق والدولة السنية في وسطه والدولة الكردية في شماله وهكذا يتبقى 88 دولة. مشكلة الدولة الشيعية أن تشكيلها يجب أن يمر من النفق الإيراني إما عسكريا بتوجيه ضربة قاصمة لإيران بدعوى منعها من الحصول على قنبلة نووية وبالتالي اسقاط حكومة مرشد الثورة، أما الطريق الثاني فهو انقلاب أبيض تقوده الكتلة الخضراء التي حصلت في الانتخابات الماضية على 450 مليون دولار دعماً من منظمات ومعاهد أميركية على أن تقوم الشخصيات المعتدلة من أمثال مير حسين موسوي بإحداث تغييرات ديمقراطية تمنع عودة المتشددين إلى الحكم، فأي سيناريو أفضل لعصر النهضة الجديد؟ لن تكون الدولة الشيعية على طريقة السيستاني ولكن على مذهب مقتدى الصدر المرتبط أميركياً وسعودياً. وهنا ستكون دولة سنية (عربية) في جنوب إيران عاملاً مساعداً جداً على تطبيق هذا السيناريو.

 

بالتأكيد، السيناريو الأول أفضل بكثير فالسقوط المدوي للنظام الإيراني مع بعض المجهود من المنظمات غير الحكومية قد يدفع بعض الأقليات إلى الاستقلال فهنالك 20 مليون ايراني من أصل أذري قد يختارون الانفصال والانضمام إلى دولة اذربيجان أوتشكيل دولتهم الخاصة، وكما أسلفنا فإن الأقلية العربية السنية في منطقة الأهوار (الأحواز) قد تختار الانفصال وإقامة دولة سنية تشكل فاصلاً طبيعياً بين دولة الشيعة العربية ودولتهم الفارسية، فتكون النتيجة اسقاط الحكومة المتشددة وتقسيم الأرض، وبالمحصلة إضعاف الدولة الإيرانية والقضاء على دورها الإقليمي، خصوصاً خطرها على المصالح الغربية في تركيا والكيان الصهيوني، وضم أكرادها إلى الدولة الكردية المستقلة. حسب هذه الفرضيات فإن إيران ستقدم للعالم الجديد 3 دول في الحد الأدنى فتتبقى 85 دولة.

 

هذا السيناريو نفسه قابل للتطبيق في المملكة السعودية حيث يوجد ميل لإنشاء دولة مقدسة «فاتيكان إسلامي» في المنطقة من شمال آبار علي وحتى جنوب مكة، وإعطاء اليمن الشمالي جزء من جنوب السعودية مقابل انفصال اليمن الجنوبي وإعادة تشكيل دولته، أما المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية فيمكن الحاقها بدولة الشيعة العربية. لكن التجانس الطائفي قد يخلق تحالف سياسي وهنا تبدو خطورة وضع دولتين شيعيتين على جانبي الخليج الذي يعد أهم ممر للنفط ومدخلاً إلى آسيا الوسطى. فهذه 3 دول أخرى، فتكون مساهمة المنطقة العربية في عالم باراج خانا ب 20 دولة على الأقل!!

 

من أين ستأتي بقية الدول الـ 80 في هذا المخطط؟

 

يجيبنا خانا في الصفحة 99 من كتابه، فيقول: «يجب ألا ننتظر المحاكم لتخبرنا من هو الرجل الشرير».

 

ماذا نفعل إذن؟

 

يأتينا الجواب في الصفحة 101 من الكتاب، فيقول: «يجب أن نتدخل بشكل متصاعد… وأن نلعب دور الله».

 

أما شكل التدخل فتوضحه الصفحة 122: «إن الهواتف الخلوية والمراسلات على الشبكة الإلكترونية وأجهزة الحاسوب هي قنوات الاتصال والفعل السياسي المستقبلي وليست الديمقراطية بشكلها التقليدي لذلك يجب على الفاعلين “”doers ألا يضيعوا الكثير من الوقت في محاولة تقوية وترسيخ الديمقراطية».

 

اليوم تحققت بعض رؤى خانا، فها هو الاستفتاء في كردستان يكاد ينتج دولة كردية، سيكون لها دور هام في إعادة تقسيم المنطقة، بما في ذلك تركيا التي يمكن أن تقسم بدورها إلى دولتين أو ثلاثة. ولكي نخرج من نظرية المؤامرة فالرأسمالية في استعادتها لشكلها التقليدي تسعى لإعادة تقسيم كل العالم، وليس منطقتنا حسب، فها هي الحركات الانفصالية تتحرك في كتالونيا وفي اسكتلندا، وتعود إلى جنوب شرق آسيا حيث يسعى الروهينغا للاستقلال عن دولة ميانمار. نستطيع الاستمرار والانتقال من بؤرة في العالم إلى أخرى حتى نصل كاليفورنيا في الولايات المتحدة التي دعى بعض ناشطيها إلى الانفصال عن الولايات المتحدة بعد انتخاب الرئيس ترامب.

 

الرأسمالية تسعى اليوم للعودة إلى إنتاج البضائع وبيعها، وهذا يعني تدمير الخصوم والسيطرة على طرق المواصلات والسيطرة على الموارد الطبيعية والخام، وهذا كله لن يتحقق في ظل دول متماسكة قوية تحاول تحقيق سيادتها الوطنية.

 

أخطر ما في كتاب باراخ خانا أنه كتب مابين 2009 – 2010 ونشر في 2011، أي قبل الموجة الجديدة من ثورات الحريات الملونة، وأن ما كتبه يتحقق على أرض الواقع بالتدريج، الآن ندرك كم كان حكيماً «إنج كاول» عندما لم يهمل ذلك الكتاب، فهم فعلاً يسعون إلى إدارة العالم.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *