مأساة مسلمي الروهينغا.. نظرة أخرى مختلفة

مأساة مسلمي الروهينغا.. نظرة أخرى مختلفة

// د. عماد الحطبة //

 

 

فجأة، ومِنْ دون سابق إنذار، إنفجرت أزمة الروهينغا في العالم، وتصدرت الأخبار المقروءة والمرئية، وسط تعاطف البعض وتشكيك البعض الآخر بالتوقيت أو حتى بصحة القصة. فهل هنالك قصة تُسمّى الروهينغا؟

 

الروهينغا أقلية عرقية وليست دينية

الروهينغا أقلية تعيش غرب ميانمار ويلغ تعدادها حوالي 1.3، أي أنها تشكل أقل من 2% من السكان، وتسكن إقليم راخين (أرخان سابقا) وهو موطن أقلية أخرى هي «راخين»، وتشكل 4.5 – 5% من سكان البلاد. يقول بعض مؤرخي الروهينغا أنهم يتحدرون من أصول عربية وفارسية تعود إلى بقايا التجار المسلمين الذين وصلوا البلاد في القرنين الثاني والثالث عشر، لكن سجلات شركة الهند الشرقية تشير إلى الروهينغا في بورما، لأول مرة، أواخر القرن الثامن عشر. المقبول في الدراسات الانثربولوجية أن الروهينغا جاؤوا من جنوب بنغلادش ويستدل على ذلك بأن أغلبية الروهينغا يعتنقون الإسلام مع وجود أقلية هندوسية منهم (حوالي 9%)، كما أنهم يتحدثون بإحدى لهجات جنوب بنغلادش، وبشكل خاص لهجة تشيتا هونغ، إضافة إلى تشابه العادات الاجتماعية والغذائية. وثمّة نظرية تقوم على أن الروهينغا انتقلوا إلى مناطق غرب بورما إبان الاحتلال البريطاني للهند، حيث كانت بورما محتلة أيضا، وعملوا هناك في الزراعة والتجارة.

 

استقلت ميانمار عن بريطانيا في العام 1948 تحت اسم بورما، وتشكلت الدولة من عدة عرقيات، أكبرها البورمية (68%)، ثم الشاس (9%)، والكارين (8%). ولا يقع الروهينغا ضمن العرقيات الثمانية الأولى، في حين تأتي عرقية راخين في المرتبة الخامسة (5%). أما دينيا فيشكل البوذيون 88%، والمسيحيون 6%، والمسلمون 5%، من سكان بورما. رغم ذلك، كان للروهينغا دور بارز في البلاد، ووصلوا إلى مواقع مهمة  في الحكومة ومجلس النواب بعد الاستقلال، واعترفت بهم الحكومة كأقلية عرقية بورمية عام 1948، وكانت أول سيدة تصل إلى البرلمان البورمي من الروهينغا وهي البيجوم روزا في انتخابات 1951. لكن الأمور تغيرت بعد الانقلاب العسكري الذي حدث عام 1962. برر الانقلابيون ما قاموا به على أنه محاولة للحفاظ على وحدة البلاد التي كانت في طريقها إلى الزوال بسبب هشاشة الوضع الفيدرالي الذي نشأ عن دستور 1947. فقد أعلنت أقلية الشان رغبتها بالانفصال عن الفيدرالية وتشكيل دولتها الخاصة. وتشكل منطقة الشان ربع مساحة البلاد، وتقطنها إثنية الشان التي تعمل بشكل أساسي في الزراعة. وقام الشان بتشكيل ميليشيات مسلحة أشهرها «جيش دولة الشأن». والجدير بالذكر أن 82% من الشان يدينون بالبوذية، و10% مسيحيون، و7% مسلمون. وقد اتخذ الروهينغا نفس الموقف من الدولة، فقدم عضو البرلمان سلطان محمود في العام 1960 مشروع قرار يطالب باستقلال الروهينغا في إقليم (أرخان). لذلك، تعرضت جميع الإثنيات للقمع، واندلعت حرب في اقليم شان لم تضع أوزارها حتى اليوم، وتعرض الروهينغا للتضييق والظلم. في العام 1982، وضع المجلس العسكري قانون الجنسية لدولة بورما، وهو القانون الذي اعترف بثماني عرقيات بورمية لم تكن الروهينغا واحدة منها. تمت معاملة الروهينغا إعتبارا من ذلك التاريخ كلاجئين بنغال غير شرعيين، وحرموا من جميع حقوقهم السياسية والاجتماعية.. بما ذلك حق التعليم والعمل وحرية التنقل. إنفجرت أحداث العنف أكثر من مرة بين عرقية «راخين» مدعومة من العسكر وعرقية «روهينغا»، مما أدى إلى تعرض الروهينغا لمجازر دفعت أكثر من 500 ألف منهم إلى الهروب من البلاد باتجاه الدول الإسلامية المجاورة، وخصوصاً بنغلاديش. اعتبرت الأمم المتحدة أقلية الروهينغا من أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم، واتهمت المجلس العسكري بممارسة سياسة الفصل العنصري «الأبارتهيد» ضدها، لكن ذلك لم يغير شيئاً واستمرت الأمور على حالها.

 

بعد انتهاء الحكم العسكري وعودة الديمقراطية إلى البلاد، تمكنت الحكومة من الوصول إلى اتفاقيات مهمة مع المسلحين في مقاطعة شان، مع بقاء منطقة على الحدود الصينية خارج نطاق السيطرة الحكومية، في حين لم تتحسن الأمور على الجانب الآخر من البلاد، حيث استمرت الاشتباكات في إقليم «رخين» وارتكبت مجازر إضافية بحق الروهينغا.

 

اندلعت الموجة الأخيرة للعنف خلال شهر تشرين أول 2016 عندما قتل 9 من رجال الشرطة، فاندلعت موجة عنف قتل خلالها 1200 من الروهينغا وتم تهجير حوالي 87 ألف مواطن. استمر التوتر بين الأطراف جميعاً حتى 25 آب الماضي عندم تعرضت مجموعة عسكرية لهجوم مسلح تبناه تنظيم إسلامي مسلَّح، قُتل خلاله 12 جندي من حرس الحدود، فاندلعت موجة أخرى من العنف أعلنت خلالها الشرطة مع ميليشيات الراخين نيتهم القيام بعملية «تطهير» للإقليم من الروهينغا، ما يعني أن حوالي 140 ألف مواطن من الروهينغا يعيشون في خطر داهم، في حين قتل حوالي 500 مواطن منهم.

 

ما نستنتجه، من هذه العجالة، أن قضية الروهينغا قضية حقيقية تتفاعل منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها قضية إثنية ولا علاقة لها بالدين وتعاني بورما من مشاكل إثنية مشابهة مع عرقيات أخرى تدين بالمسيحية والبوذية.

 

لماذا الآن؟ لماذا الإسلام؟

بعد النفي السريع لنظرية تصدير إرهاب الإسلام السياسي إلى الصين لسذاجتها، ولأن ثمَّة تنظيمات إسلامية مشكلة ومدربة ومنخرطة في العمل الإرهابي في سوريا والعراق من شعب الإيغور المسلم، وجاهزة للاستخدام ضدّ الصين. وبالتالي، لن تحتاج المؤامرة المزعومة إلى توريط بضعة فلاحين فقراء من الروهينغا. هذا إذا كانت المؤامرة، على هذا النحو، موجودة فعلا.

 

رغم ذلك، فالمؤامرة موجودة، والصين هي المستهدفة، لكن السيناريو أكثر تعقيدا من ذلك النموذج «المبسَّط» الذي تم تطبيقه لتدمير دول مثل سوريا والعراق وليبيا.

 

لكي نفهم ما يدور على الحدود الصينية مع أي دولة، لا بد لنا من مراجعة سريعة لوضع الاقتصاد العالمي. فمنذ الانهيار الاقتصاديّ في المراكز الرأسماليّة في العام 2008، والرأسمالية الحديثة (المالية) تعاني من مشكلتين أساسيتين؛ نقص السيولة، وتزايد الدور الصيني في الاقتصاد العالمي، بحيث يمكن القول إن الصين هي الضامن الرئيسي للأسواق العالمية ولبقاء الكثير من الاقتصادات الرأسمالية بما فيها الاقتصاد الأميركي الذي تستثمر الصين فيه تريليونات الدولات. لا نتحدث هنا عن السيناريو المضحك الذي يقول إن الصين قادرة على سحب ودائعها وبالتالي تدمير الاقتصاد الغربي، لأنها ستتدمر هي ببساطة، إذ ستتخذ الدول المعنية قراراً بالحجز على الأصول الصينية ما يخلق أزمة إقتصادية خانقة قد تدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة. هذا السيناريو الكارثي غير موجود في استراتيجية أي طرف من الأطراف حتى الأكثر تشددا أو تطرفا. المشكلة أن التأثير الصيني يشكّل قوة ردع في وجه حل مشاكل الدول الرأسمالية.

 

كيف ذلك؟

 

عندما استيقظ العالم على كارثة انهيار الأسواق المالية، اكتشف أن هذه الأسواق الافتراضية حولت معظم الأصول إلى وهم من خلال ما عرف بالمشتقات المالية. لم يجد الاقتصاد الرأسمالي الغريق حتى القشة ليتعلق بها، ما اضطره إلى اللجوء إلى أكثر الحلول إيلاما بالنسبة له، وهي المتمثلة بتدخل الدولة في الاقتصاد.. سواء من خلال الدعم المباشر للمؤسسات المتعثرة أو وضع القيود والقوانين التي تحد من حرية السوق. في مرحلة باكرة من الأزمة أعلن الكثير من أساطين الرأسمالية المالية رِدتهم عنها، وكان أبرزهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ومهندس الرأسمالية المالية «الان غرينسبان». الردة كانت باتجاه الرأسمالية التقليدية، وهو ما أعلنه غرينسبان بشكل واضح عندما تحدّث عن ضرورة العودة إلى إنتاج البضائع التي يحتاجها الناس وبيعها لهم، وما يتبع ذلك من الحاجة إلى إعادة توطين الصناعة والتكنولوجيا داخل الدول الرأسمالية، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية التي تملك أكبر اقتصاد عالمي دون منافسة حقيقية، خصوصاً إذا أضفنا إليها الاقتصادين الأوروبي والياباني اللذين يدوران في فلكها اقتصادياً وسياسياً. العائق الوحيد أمام هذا السيناريو هو الصين التي وصلت إلى مرحلة من القدرة على الإنتاج تصعب مجاراتها، كما أن انخفاض أسعار منتجاتها المترافق بانخفاض سعر اليوان الصيني يجعل منافسة المنتجات الصينية في الاقتصاديات الصاعدة شبه مستحيل. هنا يظهر البعد الآخر للمشكلة، فالاقتصادات الصاعدة تمتلك قوة شرائية كبيرة يحتاجها السوق الرأسمالي لسد حاجته إلى السيولة. الحديث هنا عن الهند والبرازيل والأرجنتين وفيتنام وإيران والصين نفسها لكن انخفاض أسعار المنتجات الصينية يدفع هذه السيولة النقدية باتجاه الصين. لذلك كان الخصم المقبل، بالنسبة للرأسمالية العالمية، واضحاً تماماً.. إنه الصين. لكن قول ذلك أسهل بكثير من تنفيذه.

 

فالصين لا تنجرّ بسهولة نحو النزاعات العسكرية، وهو ما أظهرته محاولات الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، في محاولة اصطناع أزمات ذات طابع عسكري من خلال تايوان والتي تعامل معها الصينيون بكل هدوء وبعيدا عن منطق ردات الفعل.  يقوم التقييم الأميركي للوضع في الصين على مجموعة من الحقائق أهمها:

 

  • الصين تسيطر اقتصادياً على جميع دول الإقليم المحيط بها، وتُعتبر هذه الدول حديقتها الخلفية الاقتصادية؛

 

  • نقطة الضعف الوحيدة في الاقتصاد الصيني تكمن في الحاجة المستمرة والمتنامية للطاقة والتي يشكل التحالف مع إيران؛ وروسيا أحد وسائل حلها، بحيث أنَّ نقل هذه الطاقة يُعتَبَر واحداً من وسائل الضغط على الصين؛

 

  • الوضع الداخلي في الصين يشهد أزمات يمكن أن تزعج السلطات الصينية، لكن من الصعب تحويلها إلى قلاقل ذات أهمية؛

 

  • جزء من مواجهة الصين يجب أن يتم في الأطراف البعيدة، حيث الاستثمارات والأسواق الجديدة للصين؛

 

  • التحالف الروسي الصيني تحالف مصالح تتولى فيه الصين معظم الجانب الاقتصادي وروسيا معظم الجانب العسكري.

 

لذلك فإن التعامل الأميركي مع تنامي القوة الاقتصادية للصين يمر عبر هذه المفاصل، في محاولة للحصول على تنازل صيني، لكن ما هو التنازل/التنازلات المطلوبة:

 

  • رفع سعر صرف اليوان الصيني؛

 

  • اعتماد قوانين حماية الملكية الفكرية بشكل أكثر تشدداً؛

 

  • إيقاف الدعم الحكومي للصادرات الصينية وتركها لآليات التنافس في السوق؛

 

  • التوقف عن اعتماد سياسة إغراق الأسواق، والاتفاق على حصص إنتاجية خاصة في الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب.

 

في هذا السياق، نستطيع فهم التصعيد في محيط الصين، سواء أكان في كوريا (اعتماد التهديد العسكري، والحديث عن استعمال الأسلحة النووية)، أم في ماينمار، بالحديث عن المأساة الانسانية (الموجودة فعلاً) وتسليط الضوء الإعلامي عليها. هنا، يتبادر السؤال عن سبب اختيار الروهينغا المسلمين، بدلاً من الشان البوذيين الذين يرتبطون بعلاقات وثيقة مع الصين ويقعون مباشرة على حدودها؟

 

لو تم اختيار الشان لبقيت القضية في بعدها الإنساني، وهو بعد لا يهم الطرف الغربي من قريب أو بعيد، أما اختيار المسلمين الروهينغا، فيمكن استغلاله إنسانياً وسياسياً وحتى في سياق الحرب على الإرهاب كما فعلت أميركا مع داعش. بإمكان المسلمين اليوم لعب دور الضحية والمجرم في الوقت نفسه. لذلك، فهُم القضية الأكثر اجتذابا للاهتمام. يتعلق الموضوع بعاملين أساسيين؛ الإعلام والمنظمات غير الحكومية. نجد أخبار الروهينغا تتصدر اليوم شبكات مثل CNN و BBC؛ حيث الاف المقاطع الفلمية، والتقارير التي تمزق نياط القلب، وخبر يقول «صرح مصدر لم يرغب بذكر اسمه أن الكثير ممن يصلون يعانون من إصابات نتيجة الألغام»، مشفوعا بصور لشخص لا يظهر وجهه يحمل لغمين مضادين للأفراد يفترض أن سلطات ماينمار تزرعهم على طريق اللاجئين. رغم أن زرع الألغام على الحدود بين الدول، خصوصاً تلك التي بينها نزاعات، ممارسة شائعة جداً. إلا أن الشبكة الأميركية جعلت الهدف من هذا الفعل استهدافاً اللاجئين. وعلى صفحات الجارديان، نرى الروهينغا، في استراليا، يخرجون في مسيرات، في سيدني وملبورن، تطالب بإنقاذ إخوانهم، حتى صحيفة هآرتس الإسرائيلية وضعت تقريراً تحدث عن تزويد إسرائيل لماينمار بالأسلحة من دبابات وزوارق خفر سواحل، رغم الحظر الدولي المفروض على البلاد منذ سنوات طويلة. أما الديلي ميل، فتنشر صورة طفل مرمي في الوحل تحت عنوان «هنالك إيلان جديد اسمه محمد فانتبهوا له». والاشارة هنا إلى صورة الطفل السوري إيلان التي استعملت على نطاق واسع في الغرب للتحريض ضد سوريا. أصبح المشهد جاهزاً لتدخل المنظمات غير الحكومية؛ فكانت البداية من تركيا التي وعدت بإرسال 100 ألف طن من المساعدات من خلال جمعية ترأسها زوجة الرئيس رجب طيب أردوغان، وتدخلت الكويت من خلال «الهيئة الخيرية» و«الهلال الأحمر الكويتي» أما المجتمع الدولي فتدخل من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR، التي بدأت حملة لجمع التبرعات على موقعها الرسمي مع إرسال مساعدات عاجلة لـ 80 ألف من اللاجئين، وهو الخبر الذي علقت عليه الجارديان قائلة إنَّ السلطات البورمية تمنع وصول هذه المساعدات إلى اللاجئين.

 

لقد نجحت الولايات المتحدة وشركاؤها الاقتصاديّون في تسليط الضوء على أزمة الروهينغا، ودفعها إلى دائرة الضوء، فسرقت الاهتمام من سلسلة الخيبات الأميركية المتواصلة من سوريا إلى العراق إلى كوريا، وصنعت أزمة تقلق الصين، من دون شك، على أكثر من صعيد؛ كما أنها بهذا تعزز سياسة بيع الأسلحة في جنوب غرب آسيا التي افتتحتها كوريا واليابان. وقد تنضم إليها دول أخرى مثل ماليزيا وأندونيسيا. وهذا يؤمن سيولة نقدية مهمة لمشاريع ترامب، كما أنه يضع المزيد من الضغوط على الصين لزيادة الإنفاق العسكري.

 

الأزمة ما زالت في بداياتها، وهي مرشحة لكل أنواع الاحتمالات، بما في ذلك الاختفاء فجأة كما ظهرت؛ فحقوق الروهينغا تقع في ذيل قائمة إهتمامات جميع أطراف الأزمة، وكلا الصورتين اللتين يحاول المعلقون رسمهما للروهينغا غير صحيحتين؛ فهم ليسوا شياطين ولا ملائكة؛ هم شعب، مثل كل شعوب الأرض، يضم طيفاً واسعاً من الأفكار والسلوكيات. ماهو أكيد أن آلاف الأبرياء يدفعون ثمناً غالياً من حيواتهم لصناعة هذه القصة.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *