لو.. وأمّ ناهض المفجوعة

لو.. وأمّ ناهض المفجوعة

// د. هدى فاخوري //

 

 

مرور عام كامل على غياب ناهض حتر، بالاغتيال السياسي الجسدي، لم يُبرٍّد نار القلب الملتاع. لهفي عليكِ يا صديقتي يا أمي ويا أختي أم ناهض المكلومة الملوعّة على غياب الابن الحبيب.

 

لم أكن أعرف، قبل استشهاده، أن ناهض الصديق الصِّداميّ له مثل هذه الأم الحنون، أدركتُ، أيضاً، أن جزءاً كبيراً من شخصيته وموهبته وقدراته وفصاحته موروث جيني من أم ناهض. تحدثني عنه كلما زرتها، خصوصاً في أمسيات السبت، كيف كان عطوفاً حنونا ويتدفق حيوية، كيف تدّب الحياة في بيتهم عندما يحضر إذا كان غائباً في سفر.

 

يأتي الأصدقاء والرفاق يتحدثون ويتجادلون ويضحكون ويتندرون، وتعلو أصواتهم. وتقول لي أم ناهض متحسِّرةً: «شحدته شحدة من عند الله، بعد خلفتي للبنات. وأعطاني الرب ناهض الشجاع المفوه الذي أصبح ابناً وأخاً وأباً للعائلة».

 

ونعود إلى صديقنا الذي مضى في غياهب الأبديّة، لنقول: ضّحى ناهض بحياته من أجل فكره المشتعل بقضية الأردن وفلسطين وسوريا، والمشرقية.. كما كان يحلو له أن يقول.

 

من يقرأ كتبه الآن يدرك كم كان قادراً على التعبير عن إنتمائة لوطنة وأمته وقضيتها المركزية. كان يقرأ ويكتب ويُنظّر ويتصل بالناس من المتفقين معه فكرياً، ومع المعارضين، كان يبحث عن صيغة من أجل حركة وطنية أردنية تتبنى أفكاراً قابلة للحياة. وبالنسبة لفلسطين، لم يكن يؤمن بنصف حل، أو بحل مرحلي؛ فهو كان يريدها من البحر إلى النهر. وقد فُهم خطأ في كثير من الأحيان، خصوصاً في قضية فك الارتباط، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، كل اللاجئين حتى لا تتوطد فكرة الوطن البديل.

 

اغتيال ناهض يعني أنه كان خطيراً في فكره وقلمه وطروحاته المتقدمة على كثير من الكتاب والمنظرين في القضايا المصيرية، لكننا وللحق نقول: إنه لم يكن وحده في الميدان، فقد كان هناك فريق كبير من الكتاب والروائيين والشعراء والقاصين وكتاب الأعمدة وغيرهم من السياسيين من يؤمنون بما آمن به ناهض، إلا أنه كان الأجرأ في قول ما يؤمن به على الفضائيات «القاتلة».

 

وتقول أم ناهض لي: عندما عاد من لقاء عاصف على التلفزيون قبل اعتقاله بفترة بسيطة، عبّرت له عن خوفي عليه، فأجابني: «لا تخافي ما بيصير شي».

 

قلب الأمّ لا يخطئ؛ أمّا هو فقد كان واثقاً للأسف بقدرة الأجهزة الأمنية على حمايته. لكنه بعد الاعتقال، الذي جرى لسبب غير منطقي، غيَّر رأيه، وقد عبّر عن ذلك بقوله إن ما جرى له أثناء اعتقاله في هذه المرة الأخيرة كان من أسوأ ما واجهه في حياته.

 

نعود لـ«لو»، ونقول:

 

لو انه قبِل نصيحة أحد الأصدقاء من المتنفذين، الذي طلب منه أن يغادر البلاد قبل المحاكمة، ووعده بأن يسهِّل له سبل السفر. وكما هو معروف، فقد رفض ناهض ذلك؛ لأنه كان يعرف أنهم سيشيطنونه ويتهمونه بأنه جبان وهرب مِنْ مواجهة المحكمة على الرغم من أنّه يعرف بأنَّ محاكمته كانت ستكون عادلة.

 

لو أنه قبِلَ أن يطلب تأجيل المحاكمة عندما رفضوا تأمين حمايته.

 

لو أنه طلب من أصدقائه أن يحضروا معه إلى المحكمة ويؤمنوا حمايته بأجسادهم، وقد كانوا حينذاك كثيرين.

 

لو أنه أستأجر خدمة إحدى شركات الحماية الخاصة لتحمية من غدر المتآمرين والإرهاب.

 

لو أنه…

 

لو أنه…

 

لو لن تنفع؛ فقد سار إلى مصيره المحتوم وهو يؤمن أنه شهيد شهيد.

 

ليكن ذكرك مؤبّداً وممجَّداً يا ناهض.

 

ونقول للأم المكلومة، التي لم تتوقف عن ذكره ولن تتوقف: يكفي الشهيد، يا أم ناهض، أنه لم يتنازل عن موقفه الوطنيّ والعروبيّ التقدمي التنويري المناهض للإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة.. ومِنْ ضمنها، الفكر الظلاميّ الإرهابيّ الوهابيّ، وقدم حياته في سيبل ما آمن به.

 

له المجد والخلود، ولكِ الصبر والفخر.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *