في ذكرى عدي مدانات الأديب الإنسان

في ذكرى عدي مدانات الأديب الإنسان

// محمد سعيد مضية //

 

 

غاب عدي مدانات بجسده وأبقى لنا إرثاً قيّماً سنظل، كقوى تقدم، نحتفي به ورجع إليه. إبداع فقيدنا الأديب سيظل زمنا طويلاً يلهم الحنين لعالم بلا استلاب. جمالية الأدب والفن ورقيهما تحفز النهوض الشعبي وتغذي الطموح للتحرر الإنساني والتقدم. الفن، والأدب بوجه خاص، ينبوع التعاطف بين البشر، يسرد المبدع الأحداث مبرزاً عناصر الخير والشر بغير حياد ولا مهادنة؛ بجمالية تنسيقه للصور الفنية يعدي بتعاطفه. الأدب الذي تركه لنا الراحل الكبير خاطب في الإنسان عقله ووجدانه، لَبِنة البنية الاجتماعية، يهيب به أن يمعن التفكير وينهض، للخلاص من مازق الأيام الثقيلة، واعياً لدوره في صنع حياة بلا جور أو حرمان.

 

لكي نقدم عرضا موضوعيا للإبداع الثقافي الذي أبقاه لنا فقيدنا، بمعزل عن مشاعر الاعتزاز بصداقته والاحترام لسجاياه، يلزمنا رصد المهمات الثقافية للمرحلة، وتقييم مدى تطابق الابداع الثقافي للراحل الكبير مع هذه المهام؛ فإشكالية المرحلة ثقافية بامتياز، بحيث “توجب على مثقفي اليسار الإقرار بأن لاهم أنماط الهيمنة المعيقة للتحرر الإنساني وإنجاز مهام التقدم الاجتماعي هي ثقافية وتربوية، وليست اقتصادية فقط، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. فمن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة ” كما قال عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو، أحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر.

 

على مشارف سبعينات القرن الماضي تزامن زلزال حزيران 1967 مع بزوغ الليبرالية الجديدة، مسعى جديدا للرأسمالية الاحتكارية لفرض عولمتها على المعمورة. تعززت الهزيمة العسكرية في حزيران وتمددت زمانيا ومكانيا في أرجاء العالم العربي بتأثيرات مدمرة لإعصار سياسي ثقافي دهم المنطقة والعالم باسره، هو إعصار الليبرالية الجديدة. حملت الرأسمالية المعاصرة صفة رأسمالية الكازينو، حيث يستهجن التعاطف مع الخاسر، ولو كان ضحية “التصحيحات الاقتصادية” التي امر بها صندوق النقد الدولي. تحالف الليبراليون الجدد، ونواتهم المسيحيون الصهاينة، مع الصهيونية ودولة إسرائيل، واستوعبوا مشروعها الاستيطاني التهويدي مشروعا لهم في سياق الهيمنة على العالم. مضى اغتصاب الأراضي الفلسطينية وفق نموذج الليبرالية الجديدة في اللهف والهبش.

 

 غزت ثقافة الليبرالية الجديدة مراكز العقلانية والإنسانية، واستقوت في كنف سلطوية النظم الأبوية من المطابخ الثقافية لليبرالية الجديدة تنتج العولمة والقبح وتروجه عبر منابرها كالفطر المسموم. انحطاط الفن خطر على المجتمع كله، إذ يثبط العزائم وينشر الإرباك. انحطاط الفن يولد انحطاط النوازع، والقبح الفني يلد كل أنواع القبح القومي. ثقافة الليبرالية الجديدة تنهض بأدوار فرق عسكرية.  تدفق سيل من المياه العادمة ينشر اليباب. بمقدورنا القول ان الصراع الأساس تركز في ميدان الثقافة.

 

الإبداع حسب رؤية عدي موهبة مركبة العناصر البيولوجية والاجتماعية تتفاعل فيما بينها وتتكامل، ” قد يلم الكاتب بصنوف الإبداع المختلفة، وقد يحسّن ادوات التعبير لديه.. غير أن إبداعه يظل قاصرا ما لم ينغمس في نهر الحياة الوادع حينا، والهائج حينا آخر، ما لم يتلمس الواقع بعناصره المتفاعلة والمؤثرة، بتناقضاته وصراعاته بمواطن القبح والجمال فيه، وسبيله إلى ذلك مبادراته ومهارات اتصاله. فليس ثمة إبداع بمعزل عن الحياة. القراءة وتحصيل المعرفة لا يكفيان لتوسيع مدارك الكاتب ولا يمنحان إبداعه تلك النكهة الإنسانية الشغوفة، وستظل كتابته قاصرة محدودة الأثر، وعاجزة عن الإسهام في حركة التطور والتقدم. (56)

 

يتفق في هذا المنحى مع المثقف الاممي اندريه فالتشيك، مثقف تجاورت وتفاعلت في إبداعه الالتزام السياسي والفلسفة والإبداع الروائي والتقصي الصحفي والإخراج السينمائي. جوّاب القارات يطارد جرائم الامبريالية والرجعية في بقاع المعمورة، ويعريها. من تجواله الكثيف خلص إلى أن المعرفة المستمدة من التلفزيون او الكتاب او الصحيفة والمجلة قد تتضمن معلومات زاخمة، لكن ذلك كله لا يشكل التجربة الحقة، ولا يرقى إلى مستوى مقاربة الواقع بجميع الحواس. أجرى بحثا عن مجزرة الشيوعيين والتقدميين في إندونيسيا عام 1965. استوعب حجم الكارثة لدى التواجد على المواقع، ولو بعد انقضاء عقود. “على عملية المعرفة وإدراك الحقيقة ان تشمل ‘مقاربة تامة’ بجميع الحواس او معظمها على الأقل. عمليا لكي ‘نعي حقا’ لا بد من التواجد هناك.” ويقول أيضا ” مجتمعات الغرب انتهى بها المطاف الى اغتصاب العالم وتسميمه بالسلبية والانسحاق، مرغمة الإنسانية على رفض الإيمان والحب والأمل، والبصق على كل التزام وولاء وازدراء الشجاعة والأعمال البناءة الإيجابية. بصقت على الحياة ذاتها”. ذلك هو مجتمع الليبرالية الجديدة.

 

الكتابة رسالة اجتماعية في نظر عدي مدانات. يعتبر الكاتب نفسه منخرطاً جدياً في واقع عصره، فيقارب   الكتابة فعلاً تاريخياً، بل فعل مقاومة، ل “تركة الأيام الثقيلة”؛ حيث آلت السطوة فيها لتحالف الليبرالية الجديدة والأنظمة الأبوية والاحتلال الإسرائيلي على مشارف سبعينات القرن الفائت. تعززت الهزيمة العسكرية في حزيران واستوطنت العالم العربي بتأثيرات مدمرة لإعصار سياسي وثقافي داهم المنطقة والعالم بأسره، هو إعصار الليبرالية الجديدة. حسنا أن عرج المبدع على كازينوهات لاس فيغاس، النموذج النمطي لليبرالية الجديدة واخلاقياتها، رأسمالية المقامرة والمضاربات. حملت الرأسمالية المعاصرة صفة   رأسمالية الكازينو، حيث المهزوم يطرد خارج الحلبة، وحيث يستهجن التعاطف مع الخاسر، ولو كان ضحية “تصحيحات” الصندوق الدولي. تحالف الليبراليون الجدد في الولايات المتحدة والعالم ونواتهم المحافظون الجد أو المسيحيون الصهاينة، مع الصهيونية وإسرائيل واستوعبوا مشروعها الاستيطاني التهويدي مشروعا لهم في سياق الهيمنة على العالم. مضى اغتصاب الأراضي الفلسطينية وفق نموذج الليبرالية الجديدة في اللهف والهبش.

 

وجدت الليبرالية الجديدة ان تحطيم مراكز الدفاع الأمامية المتمثلة في الثقافة الوطنية الديمقراطية معبرها إلى التسلط على المنطقة. تنتج عولمة الليبرالية الجديدة القبح وتروجه عبر منابرها كالفطر المسموم. انحطاط الفن خطر على المجتمع كله، إذ يثبط العزائم وينشر الارتباك. انحطاط الفن يولد انحطاط النوازع، والقبح الفني يلد كل أنواع القبح القومي. ثقافة الليبرالية الجديدة تنهض بأدوار فرق عسكرية. غزت ثقافة الليبرالية الجديدة مراكز العقلانية والإنسانية، واستقوت في كنف سلطوية الأنظمة الأبوية. من المطابخ الثقافية لليبرالية الجديدة تدفق سيل من المياه العادمة ينشر اليباب. بمقدورنا القول ان الصراع الأساس تركز في ميدان الثقافة، وشمل المجتمعات كافة على سطح الكرة الأرضية. والغرض تخريب الوجدان الجمعي وشل مراكز التفكير وتجريد الوعي من سلاح النقد كي تنثني الرقاب لسطوة الامبريالية والصهيونية وهيمنتها على مقدرات العالم ومحوره الشرق الأوسط، نظرا لما يتمتع به من مصادر طاقة وموقع استراتيجي ووجود إسرائيل قاعدة متقدمة للإمبريالية.

 

 نزل عدي مدانات الميدان واعيا لرسالته الوطنية الاجتماعية، مدركا لمناورات الثقافة المضادة، كما أجملها في مؤلفه الدرة النفيسة “فن القصة”: الكاتب اولا وأخيرا صاحب موقف من الصراعات البشرية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو بطل بمعنى من المعاني وسلاحه الكتابة. الكاتب لا يخون امته ولا شريكه في الإنسانية؛ يتقدم الصفوف بجرأة وصلابة وهو صاحب موقف لا يهادن ولا يلين. لا يقف الكاتب من الآخرين موقف المتفرج المحايد المعاين بقلب بارد، فهو جزء من الإنسانية وما يصيب غيره من مصاعب يصيب نفسه، وما يفرح غيره يفرحه. الكاتب الرائد من يتعرض، مثله مثل بقية الناس، لتقلبات الدهر وصروفه، ويتزود بالبهجة نفسها التي تبهج الآخرين. الكاتب المخلص لكتابته هو ذلك الذي يتعمد بالتجربة ويتسلح بالمعرفة، يخرج من التجارب أكثر وعيا وإدراكا وأكثر إلماما بما يصيب الإنسان في كل ميادين نشاطه ومعاركه، وما يهبه فرحة النصر، وما يجرحه في روحه وفي كرامته وينال من كبريائه. (176)

 

حقبة صعبة عبرتها المجتمعات العربية كافة ولا تزال تغذ السير في نفقها المظلم. نهب الأراضي الفلسطينية مرادف ورديف للنهب الافتراسي الذي مارسه الرأسمال الاحتكاري الدولي وزبانيته المحليون في أجواء “التصحيح الاقتصادي” وخصخصة القطاع العام؛ ازدراء إنسانية البشر والقسوة اللامتناهية والعنف المتصدر لمختلف ردود أفعال جيش الاحتلال والمستوطنين. كان المفكر الأميركي الشهير نوعام تشومسكي اول من قدم العدوان على غزة وحصارها تجسيدا لرسالة الليبرالية الجديدة في عولمة ثقافة القسوة والعنف والكراهية. الشخوص التي أبدعها عدي تختزل جموعا محبطة من المستلبين مهدوري التفكير، نظرا لإدمانهم تلقي الأوامر أو التصرف بعفوية. ومثلهم جموع الفلسطينيين تحت الاحتلال كرة ملاكمة ينفس المستوطنون عن احقادهم بعد ان أهدرت فيهم قيم الإنسانية. لا أقول متوحشين، إذ الوحش يتعايش مع ضحيته فترة لا يعضه أثناءها الجوع. من زحام الوقائع أسوق توصيف نيفيه غوردون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن غوريون في النقب، لمشهد التقطه فيديو منظمة بيتسيلم لمقتل الفلسطيني عبد الفتاح الشريف على يد الجندي أزاريا: بعد إصابة الشريف بجراح وسقوطه على الأرض تجمهر عدد من المستوطنين بالخليل على موقع الحدث. ولدى قيام أزاريا بالإجهاز على الجريح، الأمر الذي يعتبر جريمة في قوانين الحروب، “لم يُظهر الفيديو أدنى انزعاج او مجرد دهشة بين الواقفين، لم يتقدم أحد ويمسك ازاريا ويدفعه بعيدا عن المشهد، لم يركض أحد نحو الضحية ليرى إن كان من الممكن إنقاذ حياته؛ أبدا واصل الواقفون أحاديثهم.” هذا التصحر الوجداني هو بعض مظاهر الاحتلال الإسرائيلي. يقول غوردون سارع نتنياهو ووزير دفاعه ليبرمان بطلب العفو عن الجندي ازاريا لأنهما يقران أن الجندي نطفة منهما. وكان مصرع القاضي الأردني. رائد زعيتر على معبر الكرامة، ثم المواطنين الأردنيين داخل السفارة الإسرائيلية بعض مظاهر استباحة الدم العربي.

 

كتابات عدي في القصة والرواية والبحث إبداع عقلاني نموذج لكتابات عربية لم تسقط في وحل ثقافة الليبرالية الجديدة، فعبّر بكتاباته عن سيادة مجال مفاهيمي عربي يتحدى ويقارع. “الأمر هو انني، ومن منظور ماركسي، وبكل قوة هذا المنهج الذي لا يعرف الجمود وحيويته، أراهن على قدرة الواقعية المنفتحة المرنة على استيعاب المفيد من كل ما هو جديد ونبذ البدع الاستهلاكية في الفن”. ينقل عن لينين في رسالة بعث بها إلى مكسيم غوركي،” كان الفيلسوف هيغل محقا والله حين قال: تسير الحياة إلى امام عن طريق التناقض. والتناقضات الحية أغنى وأكثر خصبا ومحتوى مما يبدو للوهلة الأولى”. (93)

 

التزامه الماركسي وضع بين يديه مفاتيح الحياة يستمد منها وقائع قصصه، موظفا في ذلك عناصر الموهبة الفنية التي يعددها في بحثه “فن القصة” وتتوفر جميعها في إبداعاته – رهافة الإحساس والانتباه اليقظ والذاكرة والخيال  يفعّلها الفكر والتفكير. ” يكتسب الفكر أهميته بوصفه قوة عقلية وإخاله قائد الملكات كلها وراعيها وموجهها، وله عوائد عملها وثماره”. في الصراع الثقافي الذي اقتحمه فقيدنا الذي نقف في حضرة غيابه بقي عدي مدانات نموذجا للاتساق والصدق مع الذات، كان تطبيقا لكل ما يؤمن به وما يعتقد بصوابه، نجا بنفسه من أمراض «النخبة» التي وضعت مسافة شاسعة بين ما تنادي به وما تمارسه، محافظا على رقي الخطاب وسمو في الاختلاف. مضى في الدرب نقيا دون أن تلوثه المطامع، أو تغريه المصالح والمكاسب.

 

انتبذ عدي النخبوية واستكمل عدة الإبداع الأدبي، مجدافه موهبة نضجت بالدربة والممارسة أقلع به في بحر الحياة. يعرض تجربته في مؤلفه “فن القصة”: “الإبداع أرقى وظائف العقل وعملياته وهو غاية النشاط هو تحويل كيفي للمادة المعرفية والجمالية المكتسبة من خلال بصيرة وحرفية متقنة إلى بناء ذي نسق جمالي وعلمي يؤدي وظيفة جديدة ويخدم غرضا اسمي”. (147)

 

يغلب على إبداع فقيدنا العزيز التعمق في النفسية الاجتماعية وسيكولوجيا الفرد.  فهو يتحرى الإنسان من داخله وما يدور في النفس من مدارك حسية وتصورات وانطباعات ومشاعر. نقل إبداعه الأدبي إلى دنيا الواقع. وشخصية ازدهار في روايته ” الآنسة ازدهار وانا” متميزة بتجربتها الحياتية وقيمها الاجتماعية، وكذلك صالح في روايته تلك الأيام، جرفته شهوة الكسب بشتى السبل وبالغريزة وبالنفسية التي تطورت داخله بالتفاعل مع تقلبات الحياة والانجراف مع الاستهلاك والتسلق والارتباط المتين مع أب خاض النضال السياسي، فتعايشت داخله النقائض. اتقن الروائي رسم منمنمات الشخصية المتميزة المتباينة مع شخصية الشقيق.

 

في روايته وقصصه غرف عدي من الواقع. اختزنت ذاكرته كمًا ضخمًا من وقائع الحياة وظفها في إبداعاته. يعود مرارا يعدد عناصر موهبة الفن ” كتابة القصة تملي على كاتبها اتخاذ موقف مما يجري حوله من صراعات الإنسان وجموحاته ونضالاته. اختيار الكتابة يعني انحيازا للفكر والانحياز للفكر يعني التحرر من الأوهام. ويعني السعي لاكتساب المزيد من المعرفة والخضوع لسلطان العقل….  كاتب القصة ضمير امته وضمير الإنسانية قاطبة، وهو بهذه الصفة يحمل هموم الإنسان والفرد وهموم الإنسانية جمعاء”. (121). يرى التفكير محرك جميع ملكات الإبداع، والتفكير الناضج من وجهة نظره، “لا يستقيم الحديث عنه دون الإشارة إلى نمطي التفكير المتضادين، المثالي والمادي الجدلي؛ اخذ الفرق بينهما وضوحه على يدي ماركس وانجلز وتبلور في نظرية متكاملة في تفسير التاريخ والحاضر والمستقبل. ان عظمة ماركس وانجلز تكمن في كونهما للمرة الأولى في تاريخ الفكر الإنساني فسرا عملية التاريخ من وجهة نظرية مادية ديالكتيكية، بينما لم يكن لدى سابقيهم سوى تخمينات غامضة بهذا الخصوص”. (118)

 

والإبداع بحاجة إلى مثابرة وانتظام في الاستدعاء، تحفزه إرادة. “دون إرادة تفقد جميع ملكات العقل وخواصه اهميتها. الإرادة في ما يخص كاتب القصة والمبدع عامة تعني السعي الحثيث للمعرفة من اوسع أبوابها، وتثقيف النفس وصقل الذائقة.  تحتاج الإرادة الى فكر مرشد يصوب خطاها، ويسير بها على خطى ثابتة متزنة. الفكر يطرح على الإرادة مهمات تتفاوت في الصعوبة (132).

 

 ملكات الإبداع تتغذى من الخصال الإنسانية، من قيم الوفاء والتعاطف بين الناس. صلته الوثيقة بالقائد الوطني الراحل، الدكتور عبد الرحمن شقير، أطلعته على خصلة الوفاء كميزة إنسانية، “عزوت قوة ذاكرته لعلاقته الحميمة بأصدقائه، وحدبه عليهم وحرصه على معرفة اخبارهم، وهو ما جعل ذاكرته يقظة على الدوام لا تخونه”. (72)

 

في روايته ” تلك الطريق”[الأهلية للنشر والتوزيع، ط1 2008 – بدعم من وزارة الثقافة الأردنية] يمضي في مسارب الفساد والإفساد التي سلكها عالم البيزنس في ميدان المقاولات. يكشف جانبا هاما من قصور المنهج الاقتصادي الذي افضى إلى الانهيار العام. “وانت بتعرف كيف خلقت الدولة لزلمها شغل ما له لزوم، مشاريع البلد مش بحاجتها، يعني الدولة بتبعزق على الفاضي وعلى المليان”(271). بمفردات اللغة المحكية يدير الحوار بين شخوص روايته، حيث الدروب السالكة لا تستلهم ثقافة ولا علما. يغرف الروائي من وقائع الحياة، أضاء الشقوق التي عشش فيها الفساد وخربت فيها الذمم وبات الفرد عبدا للشهوات الاستهلاكية وصعود مسرب الشهرة والنخبوية يريق على دربها ماء الحياء.  “يعني المراقب هو اللي بيسجل كمية الطمم بيزيد وبينقص على كيفه، طبعا هو بدو يفيد ويستفيد”(270)، والشعب المكوي بنار الغلاء المستعرة هو الخاسر.

 

تستبد بصالح شهوة الكسب من غير جهد معتمدا على الوصولية والغش وألاعيب الفهلوة. نفسية صالح مغايرة لنفسية شقيقه فوزي، الأقرب الى والدهما المناضل الحزبي السابق. وهي على النقيض من نفسية ابي محمود شريكه في المقاولات، وكان لا بد من فسخ الشراكة، وبهتت علاقة صالح، المحموم بأوهام التسلق، حتى بلغ به الطيش حد ان كسف والده وقطع عليه حديثه: “… الحالة صعبة على الجميع، وراح تصير أصعب على إيد الحكومة الرشيدة. أحكيلكم هالشغلة..

 

 “بابا الله يخليك بلا سياسة اليوم خلينا مبسوطين”!  ذلك هو عالم الهبش واللهف يصوره المبدع في صورة فنية نابضة ومرذولة.

 

اعتذر صالح وسارع فوزي الى الاعتراض وقال بحنق: “والله اللي بحكيه أبوي مهم خلينا نفهم”. طار السهم المسموم، لم ترجعه اعتذار ولا اعتراض.  مضى السهم وطارت بهجة السهرة وانفض السامر.

 

غير ان تعقل أبي محمود وحرصه وواقعيته لا تستقيم مع انحرافه مع أصحاب الدعوة. أبو محمود نموذج شريحة من المجتمع تأبت على الهوجة، وعلى الثقافة الاستهلاكية التي لقيت الرعاية وتفشت في اوصال المجتمع تدمر التنمية الحقيقية وتنمي بدلا منها ورما اقتصاديا شوه الحياة الاجتماعية والروحية.

 

تتناول مجموعة عدي القصصية “تركة الأيام الثقيلة”، فتجد شخوصا مأزومة أحبطتهم اثقال الأيام. بداية القصة حدث مألوف، وتجد وقائع القص مأخوذة من الحياة بغير تكلف او افتعال. لكنها منسقة بجمالية، مع اقتصاد في الكلمات هو ميزة الإبداع الأدبي، وعنصر حرفة الفنان المبدع. “عبد الكريم النفتراني بعينه، الموظف المغمور نحيل القامة محني الجذع، الذي شارف على الخمسين من عمره دون ان يحظى بانتصار ولو طفيف يتباهى به، هو الذي جلب المرح الى غرفة المكتب رقم 9 في رواق الوزارة هذا الصباح”. يستثير ابتهاجه الطارئ أسئلة الزملاء وتحاصره التعليقات فلا يبقى لديه سوى الاعتراف ان صحفية سألته، وهو في الطريق الى العمل عن رأيه في ازدحام الطرق بالسيارات واستحسنت جوابه، ولا بد أن تنشره مع اسمه. خاطر ابهجه وأزاح ثقل الإحباط عن كاهله، يسجل اسمه في يوميات الوطن. مصادفة تشهره يغير كفاءة او جهد كسرت روتين يومه وبددت كآبته. تمرد على اتفاق بين زملاء المكتب بعدم التدخين داخل المكتب، احتراما لزميل أقلع حديثا عن التدخين. طلب لنفسه فنجان قهوة وللزملاء كؤوس الشاي. “أطفأ لفافته وعزل الجزء المحترق عن جسمها وأعادها الى علبته…”. لا بتعامل مع توصيفات أو تجريد؛ إنما يعرض وقائع تفصح وتدل. وحيث انه لم يذكر اسم الصحيفة فقد غامر واشترى جميع الصحف في اليوم التالي وطفق يفتش. عثر على التقرير الصحفي وخاب امله. لم يذكر اسمه في التقرير.

 

وفي روايته ” الآنسة ازدهار وانا” يناقش بعمق قضية اللهاث خلف المادة، بحيث انتبذ التراث وابارت الثقافة. انفردت الآنسة ازدهار بالعزوف عن الإغراءات. يسرد تفاصيل نشأتها وحياتها معلمة ثم مديرة، وما احيطت به من احترام الطالبات اللواتي تخرجن وتزوجن وأنجبن، بينما لم تجد بين الخطاب الكثر من تأتمنه على كرامتها وإنسانيتها. يتردد في عرض صفقة بيع بيتها استطاع الحصول على عرض مغر، ليتبين ان أشقاءها فشلوا في ما حاول متأخرا إقناعها به. والبيت سكن واستقرار وذاكرة حياة غابرة مع الأهل، أي ثقافة متراكمة، لا يهنأ العيش بقطعها او هجرها. ركّب الروائي بفنية عالية احداث روايته المنتقاة من الحياة الواقعية ومن ممارسات يقوم بها كل إنسان ليبرز لنا قضية مغفلة في حقبة الأيام الثقيلة، ولتحدد الموقف الوجداني غير المسترقّ للمادة. “ليست غريبة أحداث القصة مع ان الخيال لعب دورا في تركيب أحداث القصة…. الخيال لا ينبثق من فراغ، فمهما جنح الخيال بالإنسان ومهما صنع المتخيل بمخلوقاته الأدبية او ركّب وأضاف وادخلها في عالم متميز مبتكر غير العالم البشري الذي نعرفه، فسيبقى خياله في نهاية المطاف مستمدا من الواقع الذي يعرفه. (90) على ان الخيال والانتباه وكل ملكات الفن تتبدد أن لم  ينتظمها خيط الفكر. “من غير إعمال الفكر على وجهه الصحيح تذهب كل نشاطات قوى العقل شططا؛ فلا يؤدي الانتباه على استيعاب المشهد أو الفكرة او البادرة او الرسالة فيتبدد أثره. ومن غيره تَرصف الذاكرة في حاضنتها الغث والنافع دون تمييز…كتابة القصة شان أدبي إنساني كبير بالغ الأهمية في المعمار الإبداعي، لا يجوز اخذه بخفة. كتابة القصة عملية فكرية جمالية بالأساس، نابعة عن وجدان مثقف ومثقل بهموم الناس، وهي في مضمونها وشكلها انعكاس للواقع المادي أيضا لمستوى تطور المجتمعات ورقيها”(120). غير ان القص غير ممكن ان اعتمد على التفاصيل الظاهرة، ولم يصل إلى العمق؛ والوصول إلى العمق لا ينجح من دون معرفة أشمل واوسع، ومن دون نفاذ للعمق(38).

 

وحيث ان الكتابة الأدبية تراكم خبرة وإنضاج موهبة، فهي في عرف أديبنا الراحل تمد جذورها في مرحلة الطفولة، والطفولة المبكرة. “اعود إلى الطفولة دائما كما درجت في هذا البحث مع تناول قدرات العقل… يحمل الطفل بذرة الفكر منذ ولادته، وهذه البذرة تؤدي وظيفتها بشكل سلس تلقائي ، غير أن الأهل والمدرسة والكبار عموما يسعون إلى تنميتها ؛ فإن احجموا يذهب الطفل في اتجاهين مختلفين: إما ان يستغني عن التفكير بما هو اكثر مما سمح له وبه ينحصر تفكيره بما هو مأذون به وفي حدوده فلا يتقدم ، أو يمضي بمفرده في اكتساب المعرفة اين توفرت، وجمع المعلومات  والتفكير بكل ظاهرات الحياة  ومعطيات فتتقوى لديه ملكة التفكير وتصبح ضرورة وعادة يمارسها في العلن والخفاء.(119)..

 

نظرا لكون الفن موهبة تتطور بالمران والدربة فان رعايتها تبدأ من مرحلة الطفولة.  ومن مرحلة الطفولة يبدا تعويد الطفل على القراءة والبحث عن المعرفة. التعليم الرديء يقدم المعرفة جاهزة لمدارك الطالب عن طريق التلقين. التعليم ينبغي ان يركز على تنمية القدرة على التفكير النقدي والبحث عن المعرفة. يتم تحفيز انتباه الطفل من خلال أدب الخيال وأدب الخيال العلمي بوجه خاص. والمصدر الثالث لثقافة الطفل وأكثر المصادر جاذبية هي ثقافة الإليكترون، وهي ملغمة بما يلحق الخراب بالعقل وبالنفسية الاجتماعية، وتقتضي الحذر.

 

ما الذي يصقل الذائقة الفنية وينمي المخيلة ويحفز الانتباه ويفعّل المبادرة ويجمّل الخُلق؟ يسأل الباحث الفني عدي مدانات، ويجيب: ” كلها حصيلة مرحلة الطفولة في الدرجة الأولى، مما يرتب على الجميع الانتباه لهذه المرحلة وإيلائها الاهتمام الذي تستحق (22). ومن تجربته الشخصية يسوق الأمثلة ذات الدلالة. “الأهل يمدون الطفل بالمساعدة حتى تتسع دائرة معرفته ويزداد مخزونه، ثم يأتي دور المدرسة. وقد يذهب الطفل إلى تقليد ما يحفظ. إذا ضعف الميل وبهت الانتباه وقل التركيز فإن استجابة الذاكرة للحفظ تضعف وتبهت وتقل. ونحن غالبا ما نهمل ميول أطفالنا او نفرض عليهم ما لا يميلون إليه، وهذه إحدى عيوب ثقافتنا. (74)

 

 القراءة عادة يغرسها البيت لدى الطفل؛ مكتبة البيت غذاء الروح الذي لا يقل قيمة.  وإحضار الكتب الى البيت والمجلات بمثل أهمية إحضار الطعام، فهي تغري الطفل بالقراءة. وللأسف الشديد فإن البيت والمدرسة لا تحبب الكتاب للطفل؛ ومن ثم لا يستهويه من الإليكترون غير التسالي. اما المدرسة فتنفر الأجيال من الكتب. هكذا تسجل الإحصاءات المجتمعات العربية في ذيل قائمة مجتمعات العالم من حيث الإقبال على القراءة وإصدار الكتب وترجمة الآداب الأجنبية. يجد عدي السبب في أننا ” ما لم يحط الواحد منا بمن يمد له يد المساعدة في وقت مبكر ويقرب اليه الجمال بسبل مبسطة وحث المسئولين عن الطفل على مساعدته في ملاحظة الجمال والسعي في أثره حتى تتشبع ذائقته به ويصبح طلبه أحد الحوافز التي تحرك نشاطه(140).

 

ويعرّض بتقليد وأد الأسرة عادة الأسئلة لدى الطفل: يحرم الاهل الطفل من طرح الأسئلة بحجج مختلفة خداعة وفي مقدمتها الحجج التي تقول ان الإجابات موجودة لدى الكبار، وما عليه إلا أن ينتظر انتقاله الى مرحلة الرجولة ليجد جوابا على كل سؤال. ان غرض الأهل هو حرمان الطفل من التيقظ قبل الأوان وحرمانه من المعرفة ومن طرح الأسئلة التي لا يقوى الكبار على طرحها لأنهم حرموا طفولتهم كما في شبابهم من فعل ذلك، ففقدوا المحفز واستكانوا”. (114).

 

تبدأ معالجة الخلل من مرحلة الطفولة؛ الاستثمار في الطفولة وفي الإنسان أكثر الاستثمارات مردودا، “تأخذ أسئلة الطفل والأجوبة التي يحصل عليها والأسرار التي تتكشف حيز التخزين منذ الطفولة، وتتنامى مع تقدم العمر، وتتنقل من ممارسة الدهشة في حلتها الأولية الساذجة إلى حالة متقدمة أكثر تركيبا، يلقح بعضها بعضا فينشأ عن تلاقحها مخيلة ثرية ملهمة. هذا التخزين يحدث حالة من الألم الممض او الغبطة الشفيفة، او ما بينهما، ويرتقي بالمشاعر لتحقيق حالة من الرقي الملهم والمبدع. اجزم ان المخيلة هي في الأساس ينبوع الإبداع بكل أصنافه، وبقدر ما يعمل المبدع على تغذيتها والعناية بها تجود عليه. واجزم أيضا ان جهد المبدع في حاضره ليس سوى مكمل لحالة نشأت ونمت وأينعت في الطفولة المبكرة. (114،15».

 

في مرحلة النهوض الوطني تساندت عوامل عدة لإذكاء الإقبال على المطالعة والإبداع، على إثر نكبة فلسطين تصاعدت حركات التحرر الوطني وانعكس ذلك على المجال الثقافي. في هذا المناخ تفتحت مدارك عدي. في مرحلة الدراسة الثانوية، وكانت الأسرة تقيم في مدينة الزرقاء، كما يستذكر، “مجتمع نادي الشباب الثقافي الاجتماعي أحدث نقلة نوعية في استنهاض همتي؛ فقد كان يضم مزيجا من المثقفين، ومنهم من كان كثير القراءة وحبا لعرض ما يقرأ، ومنهم من كان ضالعا في السياسة، ومنهم من كتب الشعر، ومنهم من برع في الشطرنج، ومنهم من برع في كرة الطاولة. (39)

 

يتذكر بالتقدير الأستاذ المشرف في المدرسة، ” كان المدرس المشرف في مدرسة المطران اديب عرف بسعة اطلاعه يقوم بجولات على الصفوف ويلتقي بالمدرسين ويحدث الطلبة عن فوائد القراءة وسعة الاطلاع واكتساب المعرفة ويحثهم عليها، ثم يقدم الطالب القارئ على غيره فيصنع بذلك حوافز تؤتي أكلها…. كان يوجه سؤالا لجميع الطلبة في الصف الواحد لمن قرأ كتابا من غير المخصص الدراسي في الشهر، ثم في نصف الشهر، ثم في الأسبوع. بطبيعة الحال كان المجيبون يتنافصون مع تنافص المدة”. (133)  يقصد القول ان بمقدور المدرس بدون قرار سياسي تحفيز الطلبة على المطالعة وبمقدوره إبدال التعليم التلقيني بالتعليم الحواري، وجعل الحصة المدرسية والمدرسة عموما علاقة مودة وصداقة لا علاقة تربص وكيد واضطهاد.

 

ومثال آخر: ” مدرس اللغة العربية أردني أقام جسرا مع التلاميذ وحبب إليهم الشعر ومقاصده وموسيقاه. لم تكن قصيدة أبي العلاء المعري ‘غير مجد في ملتي واعتقادي…’ مدرجة ضمن المنهاج، لكنه ادرجها نظرا لتعلقه بها، قدم القصيدة بكثير من التبسيط وبمشاعر جياشة… (124 )

 

ومدرس نقيض أميركي الجنسية، ” فقد كان على غرار غيره ممن حملوا رسالة استعمارية مغيبة للعقل. كان يوجه تلاميذه نحو سلطان المال وما يوفره لحامله من متع، فكان يحاور تلاميذه بشأن المتع التي يوفرها المال، ويتجاوب معه أبناء الموسرين(125).

 

واثناء الدراسة الجامعية ” أسعفني الحظ ان تعرفت على مجموعة من الشباب السوريين ممن التقوا على حب الموسيقى الكلاسيكية والأدب والفنون التشكيلية، كانوا جميعا إما اعضاء في الحزب الشيوعي الذي انتسبت اليه او أصدقاء. هكذا انتسبت الى البيئة الثقافية في دمشق وصرت أنهل من مواردها.(47)

 

أخيرا يتوجب القول، تتساند انشطة المثقفين على اتساع الكرة الأرضية تقاوم ثقافة الليبرالية الجديدة. في قارة أميركا اللاتينية اشتهر باولو فريري يمارس التربية النقدية في أوساط الجماهير الشعبية، حيث التربية تعلم الديمقراطية وتطرد الاستلاب. عملية التعليم حوار بين الطالب والمعلم. فما من فرد تنقصه ثقافة بقدر يتفاوت. وظيفة التربية كما مارسها فريري تعليم المقهورين كي يتمردوا على الاستلاب ويدركوا مسئولياتهم تجاه مجتمعهم.  يواصل في الوقت الراهن رسالة باولو فريري مدرسة التربية النقدية تمد فروعها في معظم البلدان، وتفرض على قوى التغيير الديمقراطي مقاربة التربية عملية سياسية بامتياز وليست اختصاصا للتربويين. ينقل البروفيسور الأميركي هنري غيروكس، أستاذ الثقافة بجامعة ماكماستر الكندية، مؤلف عدة كتب حول التربية والشباب، ينقل عن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو (1930 -2002) أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا والعالم، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر، أن شغيلة الثقافة في الغالب الأعم ” استهانوا بالأبعاد الرمزية والتربوية   للنضال، ولم يقوموا على الدوام بشحذ الأسلحة الملائمة للكفاح على هذه الجبهة”. يواصل عالم الاجتماع التأكيد في محادثة لاحقة مع غونتر غراس (روائي الماني راحل حاز على جائزة نوبل) أن ” على مثقفي اليسار الاعتراف بأن أهم أنماط الهيمنة ثقافية وبيداغوجية (تربوية) وليست اقتصادية وحسب، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. ومن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة”.

 

حدد غيروكس الإجابة على التحدي بتأكيد “ان مختلف انماط الإنتاج الثقافي بمقدورها تغيير نظرة الشعوب للحياة والعالم، وان أنماطا من التربية العامة تنطوي على احتمالات تنشئة طلبة ومثقفين وفنانين مولعين بالنقد، بل وكذلك تعزز التخييل العام وتوسيعه، وتوفر لهم أدوات نقدية تمكنهم من تغيير التفكير والممارسة. إن تفكيرا كهذا شرط مسبق لتطوير حركات اجتماعية تتولاها الرغبة في إعادة التفكير في رؤى وتكتيكات ضرورية في الكفاح من اجل الديمقراطية. بمقدور التقدميين على تعدد مواقعهم وتنوعها ان يقبلوا التحدي ليس فقط فيما يتعلق بتخصصاتهم وأنماط إنتاجهم الثقافي بالنسبة لمنمنمات الحياة اليومية، بل وكذلك ان يعيدوا التفكير في كيف تنشط السياسة وكيف تشكل القوة مركز النشاط”.

 

أشار ماركس إلى أن “الفلاسفة لا ينبتون من الأرض كالفطر، بل هم ثمرة عصرهم” والكتاب المبدعون كذلك نتاج عصرهم، ” سياق تاريخي يربط المعرفة السابقة ويتواصل معها”، بهذا المعنى صدر انجلز كتابه “انتي دوهرينغ”. علم الأفكار، أو علم تطور الفكر الإنساني، هو علم تاريخي بامتياز.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *