في الحالة الرثَّة.. عندما تُصبحُ «شتَّى» بديلاً للهويَّة الوطنيَّة

في الحالة الرثَّة.. عندما تُصبحُ «شتَّى» بديلاً للهويَّة الوطنيَّة

// أحمد جرادات // 

«كم وعظَ الواعظون منا   وقام في الأرض أنبياءُ

فانصرَفوا والبلاءُ باقٍ        ولم يزُل داؤكِ العياءُ»

من ديوان «اللزوميات» لرهين المحبسين أبي العلاء المعري.

 

الأطروحة/المقاربة

سؤال أساسي: لماذا وصلنا إلى هذه الحال من الانحطاط التاريخي؟

جواب محتمل: ابحث عن الكيانات الرثة.

الانحطاط التاريخي والكيانات الرثة: أيٌّهما السبب وأيهما النتيجة؟ أم أنهما يشكلان حلقة جهنمية؟

 

الحالة الرثة: هل هي قابلة للفهم؟

أكاد أجزم بأن حالة الرثاثة أو الرثوثة في بلداننا تنطبق، بتفاوت، على كل شيء تقريباً: الفردِ والمجتمع، الحاكم والمحكوم، الطبقة والفئة والشريحة، الطائفة والمذهب، القومية والإثنية، الاقتصاد والسياسة، الثقافة والفن، الموالاة والمعارضة، النخبة والعامة، التطور والتخلف، الديْننة والعلْمنة، التطرف والاعتدال، اليمين واليسار، الثورة والثورة المضادة، أنا وأنت وهو وهي.

ولعلَّ من نافلة القول أننا لا نستطيع تفسير واقعنا وما يدور حولنا وفينا ولنا وضدنا، أو استشراف مستقبلنا، ما لم نفهمه، فكم بالحري تغييره كما أراد ماركس؟ هل أدعي أنني أفهمه؟ بالتأكيد لا، ولكن يحدوني أمل خافِت في أن بذرة حية ما زالت كامنة تحت ركام هذا الواقع وربما تنبت ذات حقبة.

مصطلح «الرث» معجمياً:

– رديء المتاع، سقط البيت

كلام غث رث: سخيف وساقط

رث الهيئة: قبيح المنظر – معجم المعاني الجامع.

– رثَّ الثوب وغيره (رثاثةً ورثوثةً): بليَ. رثَّت هيئة الرجل: قبُحت وهانتْ. وهو أرثُّ وهي رثَّاء، أو رث ورثيث، أو رثَّة ورثيثة- المعجم الوسيط.

– الفرد المقتلع من طبقته الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد هويته المعتادة – قاموس ويبستر.

– الجلف والغبي – قاموس أُكسفورد.

 

ثلاثة مفاهيم: البروليتاريا الرثة، البرجوازية الرثة، والانتلجنسيا الرثة

لمحاولة الإجابة عن السؤال المطروح آنفاً، ولا أقول للإجابة عنه، أجد من المفيد تسليط خيط من الضوء على المفاهيم الثلاثة المذكورة التي تقع في صلب المقاربة:

 

1.البروليتاريا الرثة: Lumpen Proletariat

إن كلمة «الرث» lumpen تشير إلى المعاني التالية:

– الشخص المقتَلع من طبقته الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها عادةً.

– الشخص الذي يكون موقعه «دون الطبقات»، وحتى دون «الطبقة العاملة».

– الشخص الذي لا يفكر، وغير المصقول «وغير المتنور»، الذي لا يهتم بتغيير نمط حياته. ويعتبر ماركس أن مثل هؤلاء الأشخاص يقفون إلى جانب الأغنياء، لأنهم مستعدون لكسر الإضرابات وكسر أي شيء مقابل المال. بيد أن هؤلاء كثيراً ما يكوِّنون الفئة التي ترغب الحركاتُ الثورية الحديثة في الوصول إليها في الوقت نفسه.

أما «البروليتاريا الرثة»، فهو- كما هو معلوم- مصطلح صكَّه كارل ماركس كي يصف شريحة من الطبقة العاملة التي لا تحقق وعياً طبقياً، ولذا لا تُسهم في الإنتاج المفيد اجتماعياً، وغيرُ مفيدة في النضال الثوري، بل ربما تشكلُ عقبة في سبيل تحقيق المجتمع الطبقي. وحدد ماركس مصطلح «بروليتاري» proletarian” في كتاب «الأيديولوجيا الألمانية» ثم تم تطويره وتفصيله وتوضيحه في أعمال أخرى لماركس.

ففي كتابه «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» قدَّم ماركس وصفاً/تعريفاً للبروليتاريا الرثة على هذا النحو:

– إلى جانب «المتهتكين»  (roués) الذين لديهم وسائلُ عيش مشكوك فيها، وأصولٌ مشكوك فيها، وإلى جانب الفروع المدمَّرة والمغامرة للبرجوازية، هناك الأفاقون والجنود المسرَّحون وخريجو السجون والأرِقاء الفارُّون…وغيرهم.

– وباختصار، هم الجماهير غير المحددة وغير المندمجة والملقاة على قارعة المجتمع هنا وهناك، والتي يسميها الفرنسيون بـ «البوهيميين»، أو الأفاقين والمغامرين والجوَّالين.

وفي كتاب الثامن عشر من برومير المشار إليه يصف ماركس «البروليتاريا الرثة» بأنها فصيل من طبقة شكّلت قاعدة السلطة السياسية للويس بونابرت في عام 1848. وبهذا المعنى حاجج ماركس بأن بونابرت تمكَّن من تنصيب نفسه فوق الطبقتين الرئيسيتين، البروليتاريا والبرجوازية، وذلك عن طريق اللجوء إلى «البروليتاريا الرثة» كقاعدة مستقلة للسلطة، في الوقت الذي كان في الحقيقة يعزز المصالح المادية لـ«الأرستقراطية المالية».

بل إن ماركس يعتبر لويس بونابرت نفسه من الفئات الرثة، من زاوية أنه، كجزء من الأرستقراطية المالية، ليس له مصلحة مباشرة في الإنتاج.

ويرى أن البروليتاريا الرثة ليس لديها أي دافع للاشتراك في الثورة، بل يمكن في الحقيقة أن يكون لها مصلحة في المحافظة على التركيبة الطبقية الراهنة لأن أفراد هذه الفئة/الشريحة يعتمدون في خبزهم اليومي على البرجوازية والأرستقراطية. وبهذا المعنى يعتبر ماركس البروليتاريا الرثة من قوى الثورة المضادة.

ويذهب ليون تروتسكي في وجهة النظر هذه إلى أبعد من ذلك، حيث يتصور أن البروليتاريا الرثة عرضة بشكل خاص للتأثر بالأفكار الرجعية. ففي مجموعة مقالاته المعنونة بـ«الفاشية: ما هي وكيف نحاربها»، يصف استيلاء موسيليني على السلطة على النحو الآتي: «من خلال الفاشية بالوكالة، تُحرك الرأسمالية جماهير البرجوازية الصغيرة التي فقدت صوابها، وعصابات البروليتاريا الرثة المنتَزعة من طبقتها والمنزوعة من أخلاقها، وعدداً لا يحصى من البشر الذين أوصلهم رأس المال المالي نفسه إلى حالة البؤس والجنون.»

ها نحن في بلداننا نرى بأم العين كيف أن التنظيمات الظلامية التكفيرية الوهابية، أي الفاشية الدينية العابرة للحدود، وهي النسخة الإسلاموية للفاشية الغربية، تقاتل بالوكالة عن الامبريالية والرجعية النفطية والعثمانية الجديدة، وكيف «تتفنن» في قتل البشر وتدمير الحضارة وتنفيذ أيديولوجيا «نهاية التاريخ» التي تلفظ أنفاسها الأخيرة برأيي.

وأخذ علماء الاجتماع الماركسيون، وحتى بعض غير الماركسيين، يستخدمون تعريف ماركس آنف الذكر للإشارة إلى من يعتبرونهم «ضحايا» المجتمع الحديث، ممن يعيشون خارج نطاق نظام العمل – الأجور، من قبيل المتسولين، أو الأشخاص الذين يكسبون عيشهم بوسائل غير محترمة: كالبغايا والقوادين ومروجي المخدرات واللصوص والأفاقين… ولكنهم يعتمدون في معيشتهم اليومية على الاقتصاد الرسمي.

ويستخدم البعض أحياناً عبارة «ما دون الطبقات» under class كرديف لمصطلح ماركس «البروليتاريا الرثة».

 

2. البرجوازية الرثة: من تجربة أميركا اللاتينية

أطلق أندريه غندر Gunder فرانك مصطلح «البرجوازية الرثة» على البرجوازية الكومبرادورية المتعاونة مع الإمبريالية، وهو يعتبرها الفاعل المحلي الرئيسي المسؤول عن منع نمو اقتصادات أميركا اللاتينية.

وتستند المحاججة التي يسوقها إلى الاعتقاد بأنه في القرن التاسع عشر انغمست كل دولة في أميركا اللاتينية في حرب أهلية وانقسمت على نحو مشابه لما حصل في الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، أي أن كلا الطرفين المتحاربين «برجوزايان»، ولكنهما جناحان مختلفان للبرجوازية: التجار ومُلاك الأرض من جانب، وقطاع من البرجوازية شبيه إلى حد ما بما يسمى أحياناً «البرجوازية الوطنية» من جانب آخر.

بيد أن ثمة من انتقد هذه المحاججة وقال إن سيمون بوليفار كان أعلم من فرانك بأوضاع بلاده عندما أطلق عبارته الشهيرة: «اسمحوا لنا ببناء عصورنا الوسطى الخاصة بنا!». ويتبنى بعض الباحثين في بلدان العالم «الثالث» هذه المحاججة، ويقولون إنها تنطبق على بلدان الشرق، أي أن الاستعمار لم يسمح لنا ببناء عصورِنا الوسطى الخاصة بنا، وبرجوازيتِنا الوطنية الخاصة بنا، فكانت الثمرة «عصوراً وسطى» رثة وبرجوازية تابعة رثة.

 

البرجوازية الرثة.. التنمية الرثة

يطلق فرانك على التخلف التنموي underdevelopment مصطلح «التنمية الرثة» Lumpen Develpoment، ويتحدث عن الخطوط العريضة للتنمية الرثة، أو التخلف التنموي بالقول:

«إن التركيبة الكولونيالية الطبقية هي نتاج خلق اقتصاد تصدير استغلالي للغاية في أميركا اللاتينية يعتمد على المركز “المتروبول”، الذي قيّد السوق الداخلية وخلق المصالح الاقتصادية للبرجوازية الرثة (المنتجون والمصدرون للمواد الخام). وهذه المصالح تخلق بدورها سياسة التخلف التنموي أو التنمية الرثة للاقتصاد ككل.» ويقول فرانك باستحالة قيام ثورة برجوازية في أي بلد من العالم إذا كان جزءاً لا يتجزأ من النظام الرأسمالي. ولذا فإنه يعتقد أن أميركا اللاتينية أمام أحد خيارين: إما استمرار التخلف، أو التحرر من النظام الرأسمالي برمته عن طريق الثورة.

ويعرِّف سمير أمين التنمية الرثة بأنها: «نموذج لأداء اقتصادي تفرضه احتكارات المراكز الإمبريالية على الدول الواقعة تحت سيطرتها أو الدائرة في فلكها دون أن يكون لجموع الشعب نصيب في ثمار التنمية، ويرتبط بذلك صعود طبقات تُعنى بأنشطة بدائية (البازار)، ولا تسهم في التنمية، فضلا عن صعود اليمين الديني غير القادر على مواجهة تحديات أبرزها تدهور التعليم وحركة البحث العلمي.»

هذا التعريف ينطبق على اقتصادات بلداننا التي تهيمن عليها «رأسمالية المحاسيب»- بحسب مصطلح سمير أمين- والبرجوازية الكومبرادورية، وكلاءُ الشركات المتعددة والمتعدية الجنسيات، والنيوليبراليون من عبيد السوق الحر والتبعية التامة للإمبريالية. أي البرجوازية الرثة.

 

3. الانتلجنسيا الرثة

الانتلجنسيا: فئة اجتماعية تنخرطُ في العمل الذهني وتأخذ على عاتقها مهمة التوجيه أو النقد أو لعب دورٍ قيادي في رسم الثقافة والسياسة في المجتمع. بيد أن دورها في تطوير المجتمع الحديث ليس دائماً تقدمياً، وإنما غالباً ما يُسهم في تحقيق مستوىً أعلى من التقدم، بل يمكن أن يسهم في حركة التخلف أحياناً.

ولذا فإن ثمة شريحتين من الانتلجنسيا: الأولى ثورية – وهي التي رُوي أن قيصر روسيا نيكولاي الثاني كان يكرهها إلى حد أنه أراد شطب هذه الكلمة من اللغة الروسية – والثانية رثة، وهي التي يحتقرها «قياصرة» بلداننا إلى حد أنهم يخصصون موازنات كبيرة لشرائها وإفساد ضمائر ممثليها.

والانتليجنسيا الرثة شريحة من الانتليجنسيا لا تقدم إسهاماً مفيداً للمجتمع، أو لا تتمتع بالذائقة أو الثقافة الرفيعة، أو لا قيمة لها، أو لا حول لها ولا قوة، أو تتْبع للبرجوازية الرثة أو «برجوازية المحاسيب»، فتصبح هي نفسُها «إنتليجنسيا المحاسيب» إذا جازَ لي استعارة المصطلح من سمير أمين. أليست «انتليجنسيانا» كهذه؟

هنا لا مفرَّ من التساؤل عن دور المثقفين العرب والمسلمين في التصدي للفكر التكفيري الوهابي، بل في قضية العقل والتنوير عموماً؟ هل لهم دور موحد؟ بالطبع لا، أليس ثمة فيلقٌ من المثقفين تابع لجيش الإرهاب؟ وجوقةٌ من الزمارين الذين يؤدون الألحان التي يطلبها من يدفع لهم من رعاةِ الفكر الفاشي المقدس وأعداءِ العقل والحياة؟ (من دفع للزمار: وكالة المخابرات المركزية والحرب الثقافية الباردة، فرانسيس ستونر سوندرز) هؤلاء هم الانتليجنسيا الرثة.

ويذهب سمير أمين إلى القول إن مبدأ الحاكمية ككل، بطبعتيْه الانعزالية (أي اختيار الانسحاب من الدولة والمجتمع) والجهادية (العمل من اجل الاستيلاء على الحكم بالقوة المتوحشة «المقدسة») هو منتَج للانتليجنسيا الرثة.

 

«الثورة» الرثـــة

ها نحن في عقر دورنا نرى بأم العين كيف تتقدم التنظيمات الوهابية الإرهابية الصفوف وتعتلي ناصية المسرح وتقدم نفسها كـ«ثورة/ثورات» شعبية، وهي ليست سوى فاشية دينية عابرة للحدود، ونسخة إسلاموية للفاشية الغربية، لكن مُسرْبلة بالقداسة، تقاتل بالوكالة عن الإمبريالية والرجعية النفطية والعثمانية الجديدة، و«تتفنن» في قتل البشر وتدمير الحضارة وحرق الآداب والفنون وعلوم الأولين والآخِرين ومحو التاريخ لتنفيذ أيديولوجيا «نهاية التاريخ» البائسة والبائدة، باستراتيجية «إدارة التوحش» المفصَّلة في كتاب «أبو بكر ناجي» الذي يحمل العنوان نفسه.

 

هنــــــــــا والآن: بيت القصيد

أما هنا والآن: في الأردن وفي هذه المرحلة، فإنني أجازف بهذه الرؤية/المقاربة، ويحدوني الأمل في أن يَثبتَ بطلانُها!:

استناداً إلى تجديد تمظهر الدور الوظيفي الجيو- سياسي- الأمني الذي أُنيط بالنظام السياسي في بلادنا منذ ولادته، حيث «الجينات» أو النُويّات الأساسية لكل كائن أو كيان أو ظاهرة ترافق حاملها من المهد إلى اللحد، وبالنظر إلى نتائج الهندسة البشرية الاجتماعية الدقيقة التي أُجريت للمجتمع والأفراد والتي اكتملت تقريباً، يمكنني القول إن لحظة الحقيقة (moment of truth) المُرة قد أزِفتْ.

ولحظةُ الحقيقة تتمثل في فرض حلٍّ للمعضلة الصهيونية- الإمبريالية بتصفية القضية الفلسطينية على حساب فلسطين والأردن معاً، أكان ذلك عن طريق الكونفدرالية أو الفدرالية او البنيلوكس أو حتى حل الدولتين أو غير ذلك من المشاريع وأشكال «الحل» الصهيوني التي نعرف بعضها وقد لا نعرف بعضها الآخر. ليس الشكل هو المهم، بل المهم هو الجوهر، والجوهر يتمثل في تكريس الوطن القومي اليهودي «النقي» (يهودية الدولة)، في دولة استعمارية واحدة (إسرائيل) ومستعمرتين أردنية وفلسطينينة (الأردن وسكان الأرخبيل البري الفلسطيني على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية)، وإقامة مركز صهيوني ومحيط عربي رجعي تابع.

وللانتقال بالدور الوظيفي للأردن من المرحلة الأولى/ الطور الأول/المستوى الأول، أي «الدولة العازلة» buffer state (أُنظر مقال سابق لكاتب هذه السطور) إلى المرحلة الثانية/ الطور الثاني/المستوى الثاني، أي «الكيان الرث» Lumpen Entity، أو ما أسمّيه «شتى لاند» (أرض الشتَّى) من باب السخرية السوداء، لكن المعِّبرة عن لحظة الحقيقة (الإشارة إلى عبارة «شتى المنابت والأصول» الشهيرة السائدة في الأردن)، فإنه يجري الآن، بشكل حثيث، خلق كيان هجين «هايبريد» لمجتمعاتِ مهاجرين يتزاحمون في خزان ديمغرافي لن يدقَّ أحدٌ جدرانه من الداخل طلباً للخروج منه (خزان غسان كنفاني)، بل سيدقُّهُ كثيرون من الخارج طلباً لدخوله. سيكون كياناً لا هوية وطنية جامعة له، بل هوية كوزموبوليتية أو هويات فرعية قاتلة (على حد تعبير أمين معلوف)؛ ولن يكون فيه «شعب» بل مجاميع سكانية رثَّة لا حدود لرثاثتها، منعزلة أو متربصة أو متناحرة؛ ولن يَنظر إليه ساكنوه كـ«وطن» بل كجغرافيا «سلَعية» تتناثر على سطحها تلك المجاميع السكانية كحبات الرمل في ظل هيمنة ائتلاف «تيار الأسرلة» العريض من الليبراليين الجدد، والوهابيين الفاشيين العابرين للأوطان والكيانات، والفارِّين من أتون الحروب والكوارث من أرجاء الإقليم، والأفاقين والجواسيس وغاسلي الأموال وصائدي الفرص. وستوفِّر لهم سلطةٌ تابعة ممكَّنة نعمةَ «الأمن والأمان»، مبتهلين إلى العلي القدير أن يديمها عليهم، وستحميهم من «الخطر المحتمل» للفقراء والمهمَّشين الذين سيضطرون إلى مقايضة البقاء بالحياة داعين الله عز وجل أن يُجيرَهم من الأعظم (الإحالة، هنا، إلى «سعيد أبو النحس المتشائل»، إميل حبيبي).

 

خاتمــــة: أسئلة

بدلاً من الخاتمة، واتساقاً مع الخط العام لهذه المقاربة- أي انعدام اليقين- أود أن أطرح بضعة تساؤلات غير مغلقة وغير حصرية:

  • هل الدولة الرثة/الكيان الرث هي التي تضمُّ أو تخلقُ كلَّ شيء رث، أم أنه عندما يكون كلُّ شيء رثاً: الحكم، المعارضة، المجتمع، الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية، الاقتصاد، منظومةُ القيم…إلخ، تُخلقُ دولة رثة/كيان رث؟ إنها حقاً حلقة جهنمية!
  • بناءً على هذه المقاربة، التي ترى/ تزعم أن الدولةَ رثة والمجتمعَ رث والعقلَ رث وكلَّ شيء فيها رثٌّ في رث- أي معيقٌ للتغيير الثوري، إن لم يكن ثورةً مضادة- هل يُعتبر تغييرُ هذا الواقع ممكناً؟ وما نوع هذا التغيير وطبيعته وجوهره؟ ومَن ذا الذي سيضطلع بمهمة التغيير وكيف ومن أين وبماذا يبدأ؟
  • أم أن هذه المقاربة (مقاربتي) هي الأخرى رثة والخيارات رثة والمتاهة مُحكمة والخروج منها يحتاج إلى انتظار مكر التاريخ بدلاً من حتميته، وهذه هي الطامة الكبرى، لا الجيو- سياسية حسب، بل التاريخية الوجودية الحضارية، أي أن هذا هو بعينه الخروجُ من التاريخ، ليس من متنه حسب، بل حتى من هامشه كذلك؟
  • في هكذا سياقات، ما هو يا تُرى محل «الهُوية الوطنية الأردنية» من الإعراب في الكيان الرث المرتقب «شتى لاند»؟ أقصد هل ستكون هناك هُوية وطنية أردنية جامعة؟ يؤسفني أنني لا أرى في أردن المستقبل، أعني على هذه البقعة الجغرافية الحالية، أنه ستكون هناك هوية وطنية أردنية ولا هوية وطنية فلسطينية ولا أية هوية «وطنية» جامعة، بل ستسود هُوياتُ «شتى» الرثة حتى العُري والقاتلة حتى العظم. وأنا بهذا لا أزعم أنني أبعد نظراً من أحد، لكنني أرى شجر أسطورة اليمامة يمشي نحو أسوار القلعة التي قرَضتْ أساساتَها الفئران، ويؤلمني أن أرى شجر الأردن وهو يذبل وييبِس ويموت، ليصبح حطباً لمواقد اللصوص، يحدوني أمل غامض، ربما يكون وهماً، في أن يصبح سماداً لغراس جديدة ذات يوم غيرِ منظور، (فما أضيقَ العيش لولا فسحةُ الأملِ- لامية العجم، مؤيد الدين الطغرائي).

[email protected]

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *