فيلسوف الربيع العربيّ.. وجيفارا الثورة المضادَّة

فيلسوف الربيع العربيّ.. وجيفارا الثورة المضادَّة

أحمد جرادات

«”فيلسوف الربيع العربيّ” الفرنسيّ الصهيونيّ الواسع النفوذ برنار هنري ليفي، الذي لعب دوراً رئيسيّاً في التدخل العسكريّ لحلف الناتو في ليبيا، يعمل على  تكرار السيناريو نفسه في سوريا بتطبيق ما يسمّيه “نظريَّة القذافيّ” على بشَّار الأسد.»
– مجلة «لا بوينت» الأسبوعيَّة الفرنسيَّة.
تمهيد: الثورات العربيَّة/ الربيع العربيّ
درَجَ منذ مطلع عام 2011 مصطلحان رئيسيَّان فيما يتعلَّق بالحراكات الشعبيَّة التي انطلقت ولا تزال تسير على الطريق في العديد من البلدان العربيَّة، وهما: «الثورات العربيَّة» و«الربيع العربيّ». فهل المصطلحان مترادفان، أم مختلفان، أم متناقضان؟
لعلِّي أُجازف بالوقوع في شرك التصنيف التعسفيّ إذ أضع الثورات العربيَّة، التي بدأت بالمأثرة التونسيَّة في 17 كانون الأوَّل/ديسمبر 2010، وتلَتْها ثورة 25 كانون الثاني/يناير المصريَّة الكبرى، في أربع فئات أو أصناف رئيسيَّة:
– الثورة المظفَّرة، كالثورتين التونسيَّة والمصريَّة، لكن ليس بمعنى الانتصار النهائيّ والحاسم بالطبع، أي النجاح في إطاحة النظام المطلق والفاسد القديم كليّاً وإرساء نظام ثوريّ جديد كليّاً كذلك، وإنَّما بمعنى إسقاط الديكتاتوريَّة وحكم الفرد عن طريق انتفاضة شعبيَّة سلميَّة وبقوَّة الملايين البشريَّة وقوَّة الإلهام بدون استخدام السلاح أو الدعوة إلى استخدامه. أمَّا ما يجري مِنْ ركوب موجة مثل هذه الثورة لتغيير وُجهتها أو اختطافها أو سرقتها أو تجييرها لمصلحة قوى معيَّنة، وحتَّى تحويلها إلى ثورة مضادَّة، فهو قضيَّة أخرى تحتاج إلى بحثٍ آخر.
– الثورة المغدورة، كالثورة البحرينيَّة، التي تآمرت وتكالبت عليها قوى الثورة المضادَّة وضربتها في المهد، وتجاهلتها أو طمستها أو تواطأت ضدَّها الميديا، ناهيك عن التأليب والتحريض المذهبيّ عليها.
– الثورة المعذَّبة، كالثورة اليمنيَّة، أم الصابرين والمثابرين التي نزفت دماء غزيرة مِنْ شرايين أبنائها وأدهشت العالم بإصرارها على عدم استخدام السلاح أو الدعوة إلى استخدامه طوال الوقت، مع أنَّ كلِّ فردٍ في اليمن يملك قطعةَ سلاح واحدة أو أكثر، من المسدَّس إلى المدفع والدبَّابة، كما هو معروف. 
– الثورة المختَرقة و/أو الموجَّهة: كالثورتين الليبيَّة والسوريَّة، اللتين دخل على خطّيهما حلف الأطلسيّ وحلفاؤه وعملاؤه وأدواته من المشيخات النفطيَّة والقوى والتنظيمات السلفيَّة الوهابيَّة مِنْ شتَّى البلدان العربيَّة والإسلاميَّة والعالم منذ الأيَّام الأولى وحوَّلوهما إلى نزاعٍ مسلَّحٍ عالميٍّ وإقليميٍّ ومحليٍّ وحربٍ ضروسٍ بالوكالة.
أما مصطلح «الربيع العربيّ» فيمكنني القول إنَّه مصطلح غربيّ المنشأ تماماً. فبحسب «المرصد اللغويّ العالميّ»، وهو موقع يرصد، مِنْ جملة أمورٍ عديدة أخرى، المصطلحات والمفردات والأسماء الأكثر شيوعاً في العالم ويحدِّد العشرة الأوائل منها، فإنَّ مصطلح «الربيع العربيّ» Arab Spring احتل المرتبة الأولى بين المصطلحات في عام 2011 (وبالمناسبة ربما يجدر التنويه إلى أنَّ اسم أسامة بن لادن UBL احتلَّ المرتبة الثانية بين الأسماء الأكثر شيوعاً على المستوى العالميّ في العام نفسه!).
ومن المرجَّح أنْ يكون أوّل «نحت» أو استخدام لمصطلح «الربيع العربيّ» لوصف الحراكات الشعبيَّة في البلدان العربيَّة التي اندلعت في عام 2011 قد ظهر في 6 كانون الثاني/يناير 2011، في مجلَّة «فورين بوليسي»، حيث كتب مارك لينتش مقالاً بعنوان «ربيع أوباما العربيّ». وفي 14 كانون الثاني/يناير ظهرت الإشارة الثانية في افتتاحيَّة صحيفة «كريستشين ساينس مونيتور» بعنوان «ربيع عربيّ أم شتاء عربيّ؟» وفي 26 كانون الثاني/يناير وردت الإشارة الثالثة في صحيفة «ديرشبيغل» في سياق مقابلة أجرتها الصحيفة مع الدكتور محمد البرادعيّ. وبحلول منتصف آذار/مارس أصبح المصطلح شائعاً في وسائل الإعلام العالميَّة، ولكنَّة تكرَّس تماماً إثر خطاب الرئيس الأميركيّ باراك أوباما الذي ألقاه في 19 مايو/أيار 2011 وخصَّصه لشرح السياسة الخارجيَّة الجديدة للولايات المتَّحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ضوء موجة الثورات العربيَّة، حتَّى أنَّه أُطلق عليه في وسائل الإعلام اسم «خطاب الربيع العربيّ للرئيس أوباما»، وفي هذا دلالة عميقة لا تخفى على المتابعين.
وأودُّ التأكيد هنا على أنَّه في جميع الاستخدامات الغربيَّة وفي تلافيف العقل الغربيّ ورد مصطلح «الربيع العربي» بالارتباط بمصطلح سابق، يُعرف باسم «ربيع براغ»، وهو الاسم الغربيّ للانقلاب على الحزب الشيوعيّ التشيكوسلوفاكي الذي قاده ألكسندر دوبتشيك من داخل الحزب في عام 1968 (والذي فشل في حينه بسبب تدخّل قوّات حلف وارسو).
كما ينبغي التمييز بين مصطلح «الثورات العربيَّة» ومصطلح «الربيع العربيّ»؛ فالأخير مصطلح غربيّ سلبيُّ المضمون والإشارة التاريخيَّة والمقاصد، بل إنَّني مستعد للذهاب إلى القول إنَّ «الربيع العربيّ»، في سياق الحالات العيانيَّة الحاليَّة، يمكن أنْ يكون مرادفاً للثورة المضادَّة أو اسماً «كوديّاً» لها.
مَن هو برنار هنري ليفي؟
وُلد برنار هنري ليفي، الشهير بالاسم المختصر (الحركيّ) BHL، لعائلة يهوديَّة في مدينة بني صاف التي تُعتبر لؤلؤة الغرب الجزائريّ المطلّة على البحر المتوسّط، والتي يعود تأسيسها إلى حقبة الاستعمار الفرنسيّ على الأرجح. وبعد مرور بضعة أشهر على ولادته في عام 1948، انتقلت عائلته إلى باريس. ووالده هو اليهودي الفرنسيّ الواسع الثراء أندريه ليفي، مؤسِّس ومدير شركة «بيكوب» للأخشاب التي قطعها من الجسد المدمى للجزائر المستعمَرة.
يرسم ليفي لنفسه صورة «الرجل الشامل» ( The all-round man ) وتساعده الميديا الغربيَّة في نشر وتكريس هذه الصورة في العالم: صورة الفيلسوف والمفكِّر والبطل الثوريّ والمناضل الحركيّ والكاتب السياسيّ والفنان السينمائيّ، ولكنَّه في الحقيقة، قبل وبعد وفوق كل ذلك، اليهوديّ الصهيونيّ حتَّى العظم.
ليفي فيلسوفاً ومفكِّراً:
اشتهر ليفي في الأوساط الإعلاميَّة على نطاقٍ واسع بأنَّه فيلسوف ومثقَّف وعالم سياسيّ، ولذا يطلق عليه في الأوساط الإعلاميَّة الغربيَّة لقب «فيلسوف الربيع العربيّ»، فماذا يقول عنه الوسط الثقافيّ الفرنسيّ؟
من المعروف أنَّه كان لدى فرنسا دائماً حلقات أو مجموعات من المثقَّفين أو علماء السياسة في الفضاء العام الفرنسيّ، ممَّن يلعبون أدواراً قياديَّة في الشؤون السياسيَّة العمليَّة، مِنْ قبيل ميشيل فوكو وجاك رانسيه وألن بادو ولويس ألتوسير وغيرهم، مثالاً لا حصراً، ولكن كثيرين من الوسط الثقافيّ الفرنسيّ لا يذكرون برنار ليفي في عِداد مجموعات المثقَّفين العامّين المكرَّسين في هذا الوسط، ناهيك عن أنْ يكون فيلسوفاً.
بل إنَّه كثيراً ما كان محلَّ سخرية في أوساط هؤلاء بسبب ثقافته الشعثاء أو الفوضويَّة (sloppy) كما يسمّونها. ولهذا فقد استفاد مِنْ وسائل الإعلام الأميركيَّة لنشر أفكاره وآرائه، فهو مناسب تماماً لدور المثقَّف العامّ في الولايات المتَّحدة، وتحديداً «التفوُّه» بالأفكار التي تتلاءم مع النموذج السياسيّ الضيّق والمحافظ بالمقارنة مع نموذج الأطياف السياسيَّة الواسعة في بقيَّة أنحاء العالم. ويعتقد العديد مِنْ أعضاء مجتمع الانتليجنسيا الفرنسيين أنَّ هذا «الفيلسوف» تحوَّل إلى «ناشط نزاعات بالقطعة»، أي مِنْ برنار هنري ليفي إلى BHL. ويردُّ ليفي على منتقديه بأنَّهم لا يؤثِّرون على نرجسيَّته قيد أنملة، وأنَّ «الأنا» المتضخِّمة لديه «مقاوِمة للنار ومقاوِمة للكسر».
ولعلَّ أبلغ ما قيل في وصف هذا الرجل هو أنَّه «فيلسوف لم يسبق له أنْ قام بتدريس مادَّة الفلسفة في أيَّة جامعة على الإطلاق، وصحفيّ يصنع «كوكتيلاً» يخلط فيه بين الحقيقيّ، والممكن، والمزيَّف كليّاً، وصانع أفلام ترقيعيَّة، وكاتب ليس له أثر أدبيّ، وأيقونة مجتمع تسيِّره الميديا، حيث يكون مظهر الأمور أكثر أهميَّة مِنْ جوهرها. إنَّه أوَّلاً وقبل كلّ شيء خبير اتّصالات ماهر، ورجل علاقات عامَّة بارع، ومندوب تسويق لا يُشقُّ له غبار، وإنَّ المُنتَج الوحيد الذي يعرف كيف يبيعه بكلّ براعة وإتقان هو: نفسه، أي برنار هنري ليفي…كما أنَّه يغِيِّر ولاءاته السياسيَّة كما يغيّر قمصانه.»
– الصحفيَّان الفرنسيَّان نيكولاس بيو وأوليفييه توسير في «فرينتش إمبوستر».
ليفي قائداً ثورياًّ: عرّاب الثورة الليبيَّة
«أعتقد أنَّ هذه الحرب [على ليبيا] شنَّها ثلاثة أشخاص: رجلا دولة، وهما السيّد ساركوزي والسيّدة كلنتون، وأنا بكل تواضع.»
– برنار هنري ليفي بعظمة لسانه
في 4 آذار/مارس 2011 عقد ليفي اجتماعاً خاصاً مع مصطفى عبد الجليل، وزير العدل السابق في حكومة القذافي، الذي بدَّل ولاءه ليصبح رئيساً للمجلس الوطنيّ الانتقاليّ، ومع أعضاء المجلس. وكان ليفي على صلة بعبد الجليل منذ البداية، يوم كان الأخير قائداً سريّاً للثورة.
في ذلك المساء اتَّصل ليفي بالرئيس ساركوزي بواسطة هاتفه الخليويّ المباشر، وطلب منه استقبال قادة المجلس الوطنيّ الانتقاليّ. وقد عُقد الاجتماع فعلاً في قصر الإليزيه بباريس كما هو معروف لديكم.
اتَّصل ليفي بصديقه القديم نيكولاي ساركوزي وأكَّد له أنَّ الثوار بحاجة إلى دعم جويّ. وقال له إنَّ الأعلام الفرنسيَّة ترفرف في كلّ مكان، وإنَّه إذا سُمح بحدوث حمَّام دم، فإنَّ الدماء ستلطِّخ العلَم الفرنسيّ. ويبدو أنَّ تلك العبارة العاطفيَّة أثَّرتْ في نفس ساركوزي، يا للوطنيَّة الفرنسيَّة! فاستجاب على الفور. وهكذا «باع» ليفي حرباً كما يقال.
لماذا شغَل ليفي نفسه بالإطاحة بنظام القذافي؟
 في المؤتمر الوطنيّ الذي نظَّمه مجلس المنظَّمات اليهوديَّة في فرنسا في عام 2011 اعترف ليفي صراحةً وبلا مواربة بأنَّه شارك في المغامرة السياسيَّة في ليبيا لأنَّه يهوديّ ولأنَّه صهيونيّ ولخدمة إسرائيل:
«لم أكن لأفعل ذلك لو لم أكن يهوديّاً»، قال ذلك أمام نحو 900 شخصيَّة من المجتمعين في باريس، وأضاف يقول: «لقد رفعت علم الوفاء لإسمي والولاء للصهيونيَّة وإسرائيل.»
وكان مجلس المنظَّمات اليهوديَّة في فرنسا قد عقد مؤتمره الوطنيّ الأوَّل تحت شعار «يهود فرنسا في الغد»، شارك فيه العديد من المثقَّفين وعلماء السياسة وعلماء الاجتماع والباحثين.
وقد أوضح ليفي أمام المجلس الأسباب التي دفعته إلى الانخراط في القتال ضدَّ نظام العقيد القذافي على مدى ثمانية أشهر، قائلاً إنَّه فعل ما فعل خلال تلك الأشهر القليلة لأسباب عدَّة، مِنْ أهمِّها أنَّه يهوديّ، وهو يعتقد أنَّ اليهود ينبغي أنْ يكون لهم صوت أخلاقيّ يهوديّ فريد في المجتمع الدوليّ والسياسة الدوليَّة:
«لقد شاركتُ في تلك المغامرة السياسيَّة وساعدتُ على تحديد الجبهات المقاتلة لأنَّني يهوديّ. ولو لم أكن يهودياً لما فعلت ما فعلت. فشأني شأن جميع يهود العالم، كنت أشعر بالقلق. إنَّ ما سأقوله لكم الآن قلتُه أمام حشود من العرب في طرابلس وبنغازي…»
فماذا قال ليفي لتلك الحشود من العرب في طرابلس وبنغازي وغيرهما مِنْ مدن ليبيا وقراها؟
لعل من اللافت للنظر، بل المثير للدهشة، أنَّ ليفي لم يحاول إخفاء هويَّته أوتمويهها أمام الثوار الليبيين، ووقف فيهم خطيباً مفوَّهاً بلسان غير لسانهم، وخاطبهم كمستشرق أو أنثروبولوجيست، لكن بكامل أناقته المعهودة وقميصه الأبيض ذي الياقة المنشَّاة والمفتوح الأزرار العليا وبشعره الناعم المصفَّف في الخلف كموجة بحر، عازفاً على وتر القبيلة:
«في خطاب ألقيته في 13 نيسان/أبريل في الميدان الرئيسيّ في بنغازي أمام ثلاثين ألفاً من المقاتلين الشباب الذين يمثِّلون جميع قبائل ليبيا، بدأت كلامي بالقول: إنَّ اسمي ليفي بن ليفي وإنَّني ممثِّل لقبيلة تُعتبر واحدة مِنْ أقدم القبائل وأنبلها في العالم على الإطلاق» (يقصد بني إسرائيل طبعاً).
وقال ليفي إنَّ حملة حلف الناتو العسكريَّة على ليبيا يمكن أنْ تجمع اليهود والمسلمين معاً- وهو مشروع يسمّيه «معركة حياته». وتحدَّث إلى الثوار والجهاديين عن ديانته، مؤمناً بأنَّ التاريخ يمكن أنْ يتحرَّك لأنَّ كاتباً يهوديّاً قدَّم يد العون لبلدٍ مسلم. وقال إنَّه يحلم منذ الستينيَّات بالمصالحة التاريخيَّة بين أبناء إبراهيم (عن وكالة الصحافة الفرنسية).
تطبيق «نظريَّة القذافيّ» (Qaddafi Theory) على بشَّار الأسد
في مقال له في عموده الأسبوعيّ بمجلَّة «لا بوينت» الفرنسيَّة بعنوان «نهاية اللعبة في سوريا»، يذكر ليفي أنَّ رموز المعارضة السوريَّة الذين يتَّصل بهم يرون الآن على نحوٍ متزايد أنَّ التدخّل العسكريّ على الطريقة الليبيَّة ربّما يكون الطريق الوحيد للإطاحة بنظام الحكم في دمشق.
وينهي ليفي مقاله بإعلان الحرب على الرئيس السوريّ بشَّار الأسد. وقد اعترف ليفي، الذي تبجَّح في كتابه الأخير بنفوذه القويّ لدى الرئيس الفرنسي ساركوزي، بأنَّهما تآمرا معاً مِنْ أجل تهميش وزارة الخارجيَّة الفرنسيَّة كي لا تعيق تدخّل حلف الناتو في ليبيا. كما يكشف النقاب عن الجهود السريَّة التي بذلها خلال الأشهر القليلة الماضية لإقناع الشخصيَّات السوريَّة المعارضة بدعمه في تطبيق ما يطلق عليه «نظرية القذافيّ».
ويقول ليفي إنَّ تدخّل حلف الناتو للإطاحة بالطاغية الليبيّ قد أرسى «سابقة» في القرن الحادي والعشرين لتطوير عقيدة جديدة «لإسقاط الأنظمة الاستبداديَّة التي تطلق الرصاص على شعوبها». ويؤكّد أنَّه سيتمّ إسقاط النظام السوريّ ضمن سيناريو على غرار السيناريو الليبيّ، مضيفاً أنَّ كلَّ ما تبقَّى في الدراما السوريَّة هو «المشهد الأخير الذي لم يُكتب بعد بشكل كامل». ويكشف النقاب عن أنَّ جهوده وراء الكواليس بدأت قبل ستَّة أشهر مِنْ بدء الأحداث في سوريَّة، باجتماعٍ عقده مع نائب الرئيس السوريّ الأسبق رفعت الأسد. وربَّما يفسِّر هذا الخبر الظهور المفاجىء لرفعت الأسد في باريس حيث دعا إلى تنحِّي أسرة الأسد عن الحكم، ودعا الشعب السوريّ إلى امتشاق السلاح ضدَّ النظام.
وأكَّد ليفي أنَّ عدداً من الشخصيَّات السوريَّة المعارضة وضبّاط الجيش الذين انشقّوا عن النظام أبلغوه في اجتماعات ومناقشات عقدها معهم خلال الانتفاضة بأنَّهم يؤيدون «التدخل الدوليّ». كما أكَّد مِنْ ناحية أخرى أنَّ قوَّة إقليميَّة ناشئة اسمها «قطر» هي التي تقف وراء مبادرة جامعة الدول العربيَّة في حينه بشأن سوريا، وهي جزء مِنْ خطَّة مستلهَمة ممّا أسماه «السابقة الليبيَّة».
«إنّها السابقة الليبيَّة نفسها مرَّةً أخرى، والقوَّة نفسها، لا بل القوى نفسها التي تخلق الأثر نفسه والنتائج نفسها. فكيف لا يرى أصحاب الشأن هذا الأمر؟ ما هي حالة الانطوائيَّة والغرق في بحر الذات التي تمنع بشَّار الأسد مِنْ فهم ما يجري حوله، أي أنَّ الائتلاف نفسه الذي أطاح بالقذافي قادم هذه المرَّة للإطاحة به؟»
ولعلَّ المعلومة التي يرى ليفي أنَّها الأكثر إثارة هي أنَّ عدداً من الشخصيَّات المعارضة الذين تحدَّث معهم قد غيَّروا موقفهم وأيَّدوا التدخّل الدوليّ. إذ أنَّ التدخّل الأجنبيّ كان «محرَّماً» قبل الآن، وحتَّى في فرنسا كان ثمَّة معارضون سوريّون ممَّن قابَلهم أثناء قيامه بالتحضير لتنظيم مظاهرة تضامنيَّة مع المحتجين المدنيين السوريين في الصيف الماضي، وقالوا له عندئذ إنَّهم يفضِّلون الموت على استحضار «التدخّل العسكريّ الدوليّ». وقد بات معروفاً أنَّ ثمَّة شخصيَّات سوريَّة بارزة هم مِنْ هذا النوع من المعارضين الذين يستحقّون، ولا بديل عن، أنّ يكون لهم دور أساسيّ في تقرير مصير بلدهم وشعبهم. ولكن مع توفر معارضين سوريين مرتبطين بقوى دوليَّة وإقليميَّة ويطلبون بإلحاح، بل يستجدون التدخّل العسكريّ الأجنبيّ، تأكَّد ليفي أنَّ «مصير نظام دمشق السقوط لا محالة». وبذلك أعلن الحرب على بشَّار الأسد رسميّاً.
ويبدو أنَّ ليفي، الذي يشبِّهه البعض بضابط الاستخبارات البريطانيَّة الشهير تي إي لورنس، المعروف باسم لورنس العرب، بينما يرى هو أنَّه بزَّ صاحبه، حيث لعب أدواراً كبيرة في العديد من «الثورات الملوَّنة» وجاب بلدان العالم، مِنْ أوكرانيا إلى البوسنة والهرسك إلى أفغانستان، والذي يقفز بحسب ما يقتضيه الموقف الآنيّ مِنْ دور «الفيلسوف» برنار هنري ليفي إلى دور الناشط الحركيّ في الحروب بالقطعة BHL، لن يكتفي بكسر الحلقة السوريَّة، فقد أخذ على عاتقه مهمَّة استنبات «الربيع الدائم» في السلسلة بأكملها، إلى أنْ يحرِّر العالم الذي لا يعجبه على طريقته ويبني النظام «البرناريّ”» الجديد على كوكبنا بأسره. إنَّه يؤمن بأنَّ المثقَّف العامّ [يقصد نفسه] أصبح أكثر أهميَّة مِنْ أيّ وقتٍ مضى، إذ أنَّه في الحالة الليبيَّة مثلاً لم يكتفِ بكتابة المناشدات وتوقيع العرائض، كما يفعل المثقَّفون عادةً، وإنَّما أقدم على الفعل نفسه. إنَّه «تشي غيفارا» الثورة المضادَّة.
ليفي سينمائيّاً:
اختالَ السينمائيّ الجديد المدلَّل وهو يمشي مرحاً على السجّادة الحمراء في قصر مهرجان «كان» لافتتاح عرض فيلمه الوثائقيّ «قَسم طبرق»، حيث قرَّرتْ إدارة المهرجان لأوَّل مرَّة إقامة عرضٍ خاصٍّ له. وقبل عرض الفيلم سُمح له بعقد مؤتمرٍ صحفيّ في سابقة غير معهودة كذلك في تاريخ المهرجان، حيث قال صحفيّون ومتابعون للمهرجان إنَّ تلك كانت المرَّة الأولى التي يتمّ فيها عقد مؤتمرٍ صحفيّ قبل تقديم الفيلم، واحتجَّ بعضهم خلال المؤتمر على هذه الطريقة غير المنطقيَّة وغير المسبوقة. وحضرَ المؤتمر مندوبون عن «الثوار» الليبيين ومقاتلان ملثَّمان يمثِّلان «الثوّار» السوريين، اُعلن أنَّهما وصلا للتوّ مِنْ سوريَّة، في حركةٍ دراميَّة دعائيَّة مفتعلة .
فيلم «قَسَم طبرق» (  Oath of Tobrok)
يتحدَّث الفيلم عن نجاح ليفي الباهر في ظفر الثورة الليبيَّة ضدَّ حكم العقيد القذافي. وهو فيلم وثائقيّ لبرنار هنري ليفي وعنه وعن أفاعيله العظيمة في ساحات الوغى للربيع العربيّ. إنَّه كلّ شيء تقريباً: المؤلِّف والراوي والسيناريست والمخرج والممثِّل الذي يلعب دور البطولة، ما عدا المنتج (جيل هيرتزوغ).
لنبدأ بعنوان الفيلم «قَسَم طبرق»، الذي أراد له ليفي أنْ يحاكي، عن قصد، «قَسم كفرا» في الحرب العالميَّة الثانية، حيث أقسم جنود العقيد الفرنسيّ فيليب ليكليرك في كفرا بجنوب ليبيا في 2 آذار/مارس 1941، بألَّا يلقوا أسلحتهم إلَّا بعد أنْ «ترفرف ألوان علمنا الجميلة فوق كاثدرائيَّة ستراسبورغ»، أي بعد تحرير فرنسا من النازيَّة وحكومة فيشي ورفع علم فرنسا الحرَّة. وبالمثل فقد أقسم «ثوّار» ليفي الليبيّون بألَّا يضعوا أسلحتهم إلَّا بعد أنْ يرفرف علم «ليبيا الحرَّة» الملوَّن كذلك – خلافاً لقطعة القماش الخضراء السادة التي جعلها القذافيّ علماً لليبيا بلون كتابه الأخضر.
يروي ليفي في فيلمه كيف نجح فيلسوف ومثقَّف ثوريّ (يقصد نفسه) في إقناع رئيس فرنسيّ (ساركوزي) بدعم الثورة الليبيَّة. ويرى أنَّ فيلمه يصوِّر كيف يمكن تجسيد الأفكار العظيمة على أرض الواقع لأوَّل مرَّة في التاريخ مِنْ خلال التدخّل العسكريّ، وأنَّه يريد تدخّلاً عسكريّاً ودوليّاً مماثلاً في سوريَّة، مع أنَّ جميع الحروب الاستعماريَّة في التاريخ كانت تتدثَّر بالأفكار العظيمة كذلك، من الحروب الدينيَّة المقدَّسة إلى نشر الديمقراطيَّة والدفاع عن حقوق الإنسان. ويقول إنَّ فيلمه يتحدَّث عن كيف يمكن للمجتمع الدوليّ تغيير مسار الأمور ومنع وقوع مذابح وإنقاذ أرواح السكان المدنيين. ولا يأتي على ذكر أنَّ المجتمع الدوليّ الذي استحضره إلى ليبيا ارتكب مجازر ذهب ضحيَّتها نحو 30 ألف قتيل و 70 ألف جريح، فضلاً عن تدمير العديد من المدن والقرى والمنشآت والبنية التحتيَّة الضعيفة أصلاً في ليبيا.
ويذهب ليفي إلى الادِّعاء بأنَّ التدخّل العسكريّ في ليبيا هو أوَّل تدخّل في التاريخ لا تكون المصالح الاقتصاديَّة والاستراتيجيَّة إحدى غاياته. ويزعم أنَّ الحرب في ليبيا لم تكن حرباً استعماريَّة ولا مِنْ أجل النفط، بل معجزة تمثَّلت في اجتماع عدد مِنْ رؤساء الدول الذين ما زالت في قلوبهم حُرقة البوسنة، حيث قرَّروا أنه «مِنْ غير الممكن ترك بنغازي فريسة للدمار». وهو هنا يكذب بلا مواربة ويتحدَّث وكأنَّنا لسنا شهوداً على الحدث الطازج الذي لم يجفّ الدم الذي سُفك فيه بعد، ولا الحبر الذي سال في الكتابة عنه بعد، ولا يزال في صدور الرجال ولم يصبح تاريخاً بعد. ويطمس بشكل متعمَّد وصارخ حقيقة الاتّفاق الذي جرى بشأن تقسيم الحصص في الذبيحة الليبيَّة بين دول حلف الناتو. واستناداً إلى معلومات يوردها الكاتب الصحفيّ محمد حسنين هيكل، فإنَّ 30% من نفط ليبيا يذهب إلى فرنسا (شركة توتال) و20% لبريطانيا (شركة بريتش بتروليوم،( وتطالب إيطاليا بحقٍّ مكتسب (شركة إيني)، وتلحُّ الشركات الأميركيَّة على دخول قائمة الوارثين. كما تمَّ توزيع المواقع على النحو التالي: قاعدة للأسطول السادس الأميركيّ في طرابلس، ومركز مخابرات لبريطانيا في كلّ مِنْ بنغازي وطبرق، وتصرُّ إيطاليا على أنَّ ليبيا تعتبر تاريخيّاً منطقة نفوذ لها…(مقابلة مع جريدة الأهرام المصريَّة بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول). وهذا ما يحمل الأستاذ هيكل على الاعتقاد بأنَّ الربيع العربيّ ما هو إلا سايكس- بيكو جديد.
ولعلَّ الأكثر سفوراً والأشدّ خطراً في ما ورد على لسان ليفي في الفيلم هو «المؤاخاة» التي يعقدها بين مسيرة الليبيين وثورتهم على نظام القذافي وبين مسيرة الصهيونيَّة في فلسطين، والتطابق بين المعركتين اللتين «وُلدتا للدفاع عن الحريَّة»، على حدّ قوله.
ويشدِّد ليفي على أهميَّة ظهور ممثِّلي المقاتلين السوريين إلى جانبه لأنَّ فيلمه مُهدى إليهم. ومِنْ هنا تأتي دعوته المشاهدين إلى تصوُّر حمص بدل مصراته ودرعا بدل بنغازي ودمشق بدل طرابلس، ويتمنَّى أنْ تكون الصور التي التُقطت بالأمس في ليبيا صوراً للغد في سوريا.
ليفي كاتباً سياسيّاً: سبعة أسئلة وأجوبة
في عددها الصادر بتاريخ 14 آب/أغسطس 2012، نشرت صحيفة لوموند الباريسيَّة مقالاً لبرنارد هنري ليفي بعنوان «طائرات مِنْ أجل حلب». ومن الواضح أنَّ العنوان يشي بمضمونه، والمكتوب يُقرأ مِنْ عنوانه.
وفي مقاله هذا يطرح ليفي سبعة أسئلة رئيسيَّة يقول إنَّ العطلة الصيفيَّة للغرب يجب ألَّا تحول دون طرحها لأنَّ «الدكتاتوريَّة لا تأخذ عطلة» على حدّ تعبيره (يقصد النظام السوريّ)، وهو على عجلة مِنْ أمره لإسقاط نظام الأسد، ولذا فإنَّه يجيب عن تلك الأسئلة بنفسه.
1. السؤال الأوَّل: هل يجب التدخّل، وهل تنطبق على سوريَّة فقرة «مسؤوليَّة الحماية» مِنْ قبل الأمم المتَّحدة؟
الجواب هو نعم قاطعة ولا مشروطة، ويرى ليفي أنَّ «مسؤوليَّة الحماية» تنطبق على الحالة السوريَّة على أساس أنَّ «القضيَّة عادلة والنيَّة سليمة» والسوريين يطلبون المساعدة، والأضرار التي تنجم عن عمليَّة إنقاذ المدنيين ستكون أقلّ مِنْ تلك التي تسبِّبها مدافع النظام السوريّ البعيدة المدى التي تبيد المدن المتمِّردة.
ويقرِّر ليفي في مقاله أنَّ حلب هي بنغازي الأمس، وينبغي وقف جرائم النظام حالاً لأنَّ وقفها «مسألة منطق وأخلاق»، مستشهداً بالفيلسوف والطبيب الفرنسيّ جورج كانغليم، الذي انضمَّ إلى المقاومة الفرنسيَّة ضد الاحتلال النازيّ، ويعتبره معلِّماً له و«مقاوماً بفعل المنطق»، بدون أنْ يتوقَّف أحد عند حقيقة بدهيَّة، وهي أنَّ فرنسا وطن كانغليم، وأنَّها كانت محتلَّة مِنْ قبل القوّات النازيَّة، ولكن ليفي ليس سوريّاً ولا ليبيّاً، وليبيا وسوريا ليستا محتلَّتين مِنْ قبل قوّات أجنبيَّة، فأين مكان المنطق والأخلاق في هذا المقام؟
2. السؤال الثاني: كيف يتمّ التدخّل؟ وكيف تتمّ معالجة الفيتو الروسيّ- الصينيّ المزدوج الذي سيصطدم به قرار التدخّل؟
الجواب عند ليفي جاهز ويتمثَّل في خيار العمل خارج خطَّة عنان وخارج إطار سلطة مجلس الأمن! لا مشكلة، أي المبادرة إلى شنّ عدوان على سوريَّة بدون حتَّى غطاء أمميّ.
3. السؤال الثالث: ما نوع هذا التدخّل؟
يجيب ليفي على هذا السؤال وكأنَّه خبير استراتيجيّ عسكريّ، فيقترح خطَّة مِنْ عنصرين أساسيين، هما: فرض منطقة حضر للطيران انطلاقاً مِنْ قاعدتي حلف الناتو في إزمير وانجرليك؛ وفرض منطقة حظر للآليَّات (وهذه الخطَّة هي مشروع المنطقة العازلة نفسه المقترح منذ زمن).
4. السؤال الرابع: مَنْ يقف مع هذا التدخّل؟
 يجيب بأنَّ أغلبيَّة بلدان العالم تؤيّد الإطاحة بالأسد، الذي يعتبره أكثر عزلة من القذافي: فهو برأيه منبوذ في العالم العربيّ ومكروه في أفريقيا وتتخوَّف منه إسرائيل، وله أعداء علنيّون، وهم تركيا وحلف الأطلسيّ، وبالتالي فإنَّ التحالف المعادي للأسد أكثر عدداً وعُدَّة وأشدّ بأساً من التحالف الذي بُني ضدّ القذافي.
5. السؤال الخامس: ما الدور الذي يمكن أنْ تلعبه فرنسا في هذا السياق؟
الجواب: دور المبادر، ودور الميسِّر ودور المعماريّ؟ فصوت فرنسا قويّ في المنطقة، وتتمتَّع بهيبة اكتسبتها مِنْ دورها في ليبيا، فضلاً عن الأواصر التاريخيَّة التي تربطها بسوريَّة وبما كان يسمَّى في الماضي بالمشرق. وفي هذا إشارة وقحة إلى الماضي الاستعماريّ العدوانيّ لفرنسا ضدَّ سوريَّة والمشرق، سواء أثناء الحروب الصليبيَّة أو في زمن الانتداب الفرنسيّ على سوريَّة ولبنان في النصف الأوَّل من القرن العشرين.
6. السؤال السادس: هل ثمَّة احتمال لاشتعال المنطقة بسبب احتمال انخراط إيران وحزب الله في النزاع؟
يجيب ليفي بأنَّ هذا يشكِّل خطراً إضافيّاً، لم يكن موجوداً في حالة ليبيا، وأنَّه يولِّد لدينا نوعين من الشعور:
أوّلهما حيال هوْل التفكير في ما لو أنَّ الانتفاضة ضدَّ النظام السوريّ لم تحدث الآن، وإنَّما ستحدث بعد سنة أو اثنتين، عندما يكون الحليف الإيرانيّ قد دخل الحقبة النوويَّة التي ينشدها، لكانت عندئذ نهاية العالم. ومثلما فعل بوش الصغير في إطلاق اسم «محور الشرّ» على إيران والعراق وكوريا الشماليَّة، فإنَّ ليفي يطلق اسم «مثلَّث الحقد» على محور إيران وسوريَّة وحزب الله ( مَن يحقّ له أنْ يحقد على مَن؟) مستخدماً المنطق الصوريّ الخادع الذي يجيده الفيلسوف التلفيقيّ، ويقرِّر أنَّ ضرب مثلَّث الحقد الذي يهدِّد بنظره المنطقة والعالم بأسره مِنْ شأنه أنْ يؤدِّي إلى تقليص خطر اشتعالها وليس إلى اشتعالها، ولن تكون نتيجته اندلاع الحرب، وإنما «تبريد وحدة الطرد المركزيّ التي تُحضَّر فيها حروب الغد» على حدّ تعبيره.
7. السؤال السابع: ماذا بعد بشَّار الأسد؟ وما مصير الأقليَّات، ولا سيّما المسيحيين؟
الجواب عنده بسيط، ويتمثَّل في إرسال قوَّة تابعة للأمم المتَّحدة أو قوَّة عربيَّة محض (لاحظ ثقته في الموقف العربيّ)، كما حصل في كوسوفو. ويستطرد قائلاً: إنَّ قادة التحالف الذين سيرسلون  «طائرات الحريَّة» لإنقاذ حمص وحلب والحولة يمكن أنْ يطلبوا ضمانات بشأن طبيعة الدولة المقبلة وأوضاع الأقليَّات، وهذه الضمانات مِنْ شأنها أنْ توفِّر الحماية الأكيدة لها. ومرَّة أخرى يستغفل ليفي عقولنا فيما يتعلَّق بما حدث في كوسوفو مِنْ مجازر إثنيَّة مروِّعة وذات طبيعة انتقاميَّة وعواقبها الوخيمة حتَّى يومنا هذا.
أمَّا خطر الإرهاب والمنظَّمات الإرهابيَّة الذي شنَّ الغرب حرباً كونيَّة ضدَّه منذ 11 أيلول/سبتمبر 2011، فإنَّه لا مكان له في مقال برنارد هنري ليفي إلَّا في عبارات إنشائيَّة بليغة «تُملْكن الشياطين- أي تجعلهم ملائكة- وتشدِّد على “التآخي بين الثوّار العرب والطيَّارين الغربيين (الذين يقصفون بلادهم!) والمسؤولين الأوروبيين الأصدقاء للشعوب وليس للطغاة، وتؤكِّد على ظهور علامات على نضج شعبٍ اكتسب مِنْ محنة المعارك عظمةً ونُبلاً واستنارةً وتحرّراً مِنْ بعض شياطينه».
هكذا تحدَّث ليفي بصورة واضحة وصريحة ومباشرة لا مجال فيها للبس أو سوء فهم، ونُشر كلامه في كبريات الصحف الفرنسيَّة ونقلتها كبريات وكالات الأنباء، فما الذي دهى البرناريين السوريين والعرب والمسلمين؟ فهل «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة»؟   
خاتمة: سوريا بين زمنيْن
زمن برنار هنري ليفي: الذي يتهافت أتباعه ومريدوه، سوريين وعرباً ومسلمين، على طلب التدخّل العسكريّ الأجنبيّ في سوريَّة، الذي لن يؤدِّي إلا إلى قتل وجرح عشرات الآلاف وتشريد الملايين مِنْ أبناء الشعب السوريّ، وإشعال حرب طائفيَّة ومذهبيَّة لا تبقي ولا تذر، وتدمير البنية التحتيَّة ووسائل الإنتاج كافة وتلويث البيئة وجعل الوطن مكاناً غير صالح للعيش فيه، وتفكيك الدولة السوريَّة وتحطيم الجيش العربيّ السوريّ وتقسيم سوريَّة وضرب المقاومة ضدّ إسرائل، وعلى رأسها حزب الله، وصولاً إلى إخضاع المنطقة بأسرها لهيمنة الامبرياليَّة الصهيونيَّة الصغرى. كلّ هذا يهون بنظر تلاميذ مدرسة الربيع العربيّ البرناريَّة مقابل إسقاط نظام بشَّار الأسد، والجلوس على كرسيّ السلطة فوق الركام والجثث.
زمن جمال عبدالناصر: الذي كان بمقدوره استعادة سوريَّة بالقوَّة العسكريَّة إلى «حظيرة» دولة الوحدة عقب إعلان الانفصال في 28 أيلول/سبتمبر 1961. ولكنَّه لم يُقدم على هكذا خطوة على الرغم من التأييد الشعبيّ العارم للوحدة العربيَّة والقيادة الناصريَّة «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر»، حرصاً على سوريَّة الدولة والجيش والشعب والمكتسبات الاجتماعيَّة التي تحقَّقتْ في زمن الوحدة. لقد فضَّل عبدالناصر التضحية بالأمّ الغالية (الوحدة) مِنْ أجل أنْ تعيش الإبنة (سوريَّة). ففي الخطاب التاريخيّ الذي ألقاه غداة الانفصال، قال مخاطباً الأمّة العربيَّة بأسرها:
«إنَّني أشعر في هذه اللحظات أنَّه ليس من المحتَّم أنْ تبقى سوريا قطعة من الجمهوريَّة العربيَّة المتَّحدة، ولكن من المحتَّم أنْ تبقى سوريا. إنَّني أشعر أنَّ الذي يشغل بالي ليس هو أنْ أكون رئيساً للشعب العربيّ في سوريا، ولكن الذي يشغل بالي هو أنْ يبقى للشعب العربيّ في سوريا كيان وأنْ يُصان له كيانه، ولست أتصوَّر أنْ أقبل – بأيّ حال من الأحوال – أنْ أرى فتنة تهدِّد الشعب السوريّ، أو خطراً يتربَّص به، أو شاغلاً يشدُّه ويبعثر طاقته عن أنْ تتَّجه بكلّ إمكانيَّاتها إلى حراسة المكاسب الشعبيَّة التي حقَّقها في عهد الوحدة.»
مِنْ خطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 5 شباط/فبراير 1961 بعد انفصال سوريا عن مصر.
حقّاً، ليس المهمّ مَنْ يبقى في سدَّة الحكم ولا مَنْ يؤول إليه الحكم في سوريا، بل المهمّ أنْ تبقى سوريا. بيد أنَّني لا أجد سطراً واحداً عن سوريا هذه في مناهج مدرسة برنار هنري ليفي. 
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *