فيروز.. مِنْ دون قهوة الصباح

فيروز.. مِنْ دون قهوة الصباح

سعود قبيلات
 

لم أكتب عن فيروز مقالاً مستقلاّ مِنْ قبل، وليس سبب ذلك هو أنَّني أقلّ مِنْ الآخرين إعجاباً بفنِّها ومحبَّة له، بل لأنَّني كنتُ أرى أنَّه لم يبق، تقريباً، كاتب أو فنَّان، أو حتَّى سياسيّ، إلا وأدلى برأيه في فيروز وفنِّها، إلى حدّ أنَّه تصعب الإحاطة بعدد المقالات التي خُصِّصتْ للحديث عنها. وبالتالي فقد قلت لنفسي دائماً بأنَّه مع كلّ هذا الكمّ من الكتابة والتصريحات والمقابلات التي تتناول الظاهرة الفيروزيَّة، فما الذي يمكن أنْ يتبقَّى للحديث في هذا المجال غير تكرار ما قاله الآخرون؟ إلا أنَّه خطر في بالي مؤخَّراً أنْ أقوم بمراجعة واسعة بقدر ما أستطيع لكلّ ما يتوفَّر من هذه الكتابات. فماذا وجدتُ؟

لقد تبيَّن لي، مع الأسف، أنَّ أكثر مِنْ تسعين بالمائة مِنْ هذه الكتابات هو مِنْ نوع الثرثرة الوجدانيَّة الفارغة، التي تتكرَّر فيها “الأفكار” نفسها تقريباً؛ ابتداء من اللازمة المعروفة التي تتحدَّث عن اقتران سماع فيروز بتناول قهوة الصباح (واحد، فقط، من الكتَّاب قرن الاستماع لها ـ على سبيل التجديد، ربَّما! ـ بتناول حليب الصباح)؛ الأمر الذي كان يجعلني دائماً أتساءل عمَّا إذا كان هؤلاء القوم بلا عمل يذهبون إليه في الصباح، بحيث يتاح لهم بدلاً مِنْ ذلك أنْ يمضوا أصباحهم بالاستماع إلى صوت فيروز وشرب القهوة (أو الحليب)، وانتهاءً بالحديث عن الصوت “الملائكيّ”؛ وكنت، ولا أزال، لا أفهم معنى أنْ يكون الصوت “ملائكيّاً”، وكيف استطاع هؤلاء تمييز الصوت الملائكيّ مِنْ سواه؟ هل كان هذا عن سابق معرفة لهم، وخبرة، بأصوات الملائكة؟!
إنَّ هذا، برأيي، يكشف مدى سخف بعض الحيل السائدة في الكتابة، عندما يرغب الكاتب في الكتابة عن موضوع كبير ليست لديه بشأنه أيَّة أفكار حقيقيَّة وعميقة، فيلجأ إلى الثرثرة الوجدانيَّة الفارغة لسدّ هذا النقص الخطير.
ومع الأسف، في كلّ هذا الركام من الكتابة، نادراً ما تجد أحداً يطرح شيئاً من الأسئلة الضروريَّة التي يُضمرها هذا الموضوع، ويتلمَّس الإجابات الملائمة لها. ما هي هذه الظاهرة الفنيَّة الكبيرة؟ وما هي الظروف الموضوعيَّة والذاتيَّة التي شكَّلت الأرضيَّة المناسبة لنشوئها وتطوّرها وارتقائها إلى المدى الذي بلغته؟ وبالنتيجة، فإنَّ معظم هذا الكمّ الهائل من المقالات لا يعدو كونه مقالاً واحداً في حقيقة الأمر، كُتبَ بأيدي متعدِّدة (وبقلم واحد تقريباً)، لا ليقول شيئاً، بل تقريباً ليقول لا شيء.
وأنا هنا لا أزعم أنَّني سأقدِّم في مقالي هذا ما هو أكثر مِنْ محاولة لطرح بعض الأسئلة التي أرجو أنْ تكون صحيحة وحقيقيَّة، وأنْ أحاول تلمّس بعض الإجابات المناسبة عليها.
لقد كانت البداية الحقيقيَّة لصعود فيروز في الخمسينيَّات من القرن الماضي، ثمَّ ازداد إسهامها الفنيَّ رسوخاً وتعمُّقاً في الستينيَّات منه. وكان ذلك العصر هو عصر التحرُّر والاستقلال الوطني والثورات والتمرُّدات في العالم كلّه ومِنْ ضمنه عالمنا العربيّ. وقد تلازمت مع ذلك ثورات أخرى كبرى في الفنّ والفكر والثقافة والعلاقات الاجتماعيَّة. وهذا ما اندرجت ظاهرة فيروز في إطاره منذ البداية، وخصوصاً بعدما التقتْ بالأخوين رحباني؛ حيث مثَّل الإنتاج الفنيّ المشترك لهؤلاء جميعاً ثورة حقيقيَّة في إطار الفنّ العربيّ، أخذتْ على عاتقها تجاوز الأغنيَّة العربيَّة (المصريَّة) التقليديَّة التي كانت تتَّسم بالإطالة والتكرار والتطريب “الثقيل”؛ فعمدوا إلى تقديم أغنية بديلة (أو موازية) تتسم بالقصر وبالتركيز والتكثيف، وفي نفس الوقت تحتوي على جرعة طربيَّة ملائمة، كما أنَّها مشغولة بصورة جيِّدة، وتُعتَمَد فيها أساليب التوزيع الموسيقيّ الحديثة والمتطوِّرة، وتراعي الأسس العلميَّة الحديثة للغناء والموسيقى. ولم يأتِ هذا مِنْ فراغ أو بلا سبب؛ بل كان تلبية لحاجة الفئات الوسطى، المدينيَّة منها بشكلٍ خاصّ، والمتعلِّمة والمثقَّفة بشكلٍ أخص، التي تزايد حجمها ودورها في ذلك الوقت بشكلٍ كبير، ارتباطاً مع انتشار حركات التحرُّر والاستقلال التي اجتاحت العالم القديم على إثر ثورة تشرين أوَّل (أكتوبر) السوفييتيَّة، وبفضل التوازنات الدوليَّة الجديدة التي خلقتها تلك الثورة. ففي سياق الانجازات التي حقَّقتها ثورات الاستقلال والتحرُّر، جرى توسُّع هائل في نشر التعليم وتوفير وسائل التثقيف، وصعدت فئات شعبيَّة (قرويَّة ومدينيَّة) سلَّم التقدُّم الاجتماعيّ، وبدأ دورها يظهر بوضوح في المدارس الثانويَّة والجامعات وفي الجيوش والمؤسَّسات الحكوميَّة والسياسيَّة والمعامل، وفي حقلي الإنتاج الفنيّ والأدبيّ.. الخ، وبدأتْ تزحف إلى سدَّة السلطة، سواء أكان ذلك عن طريق الثورات أو الانقلابات أو عن طريق التكيُّف المدروس مِنْ قبل بعض الأنظمة المحافظة التي اختارت الاستجابة لتلك الموجة الثوريَّة الجارفة، بهذه الطريقة، لكي تستوعبها وتتمكَّن مِنْ تجاوزها بأقل قدر من الخسائر وبدون أنْ تفقد سلطتها أو هويَّتها. وهذه الفئات الوسطى، نفسها، هي التي صنعتْ ثورة في الشعر والقصَّة والرواية والنقد الأدبيّ والفكر وفي المسرح وفي الغناء. وهي هي نفسها التي نشأتْ معها ذائقة فنيَّة وأدبيَّة جديدة، وبالتالي فقد جاءت الثورات الفنيَّة والأدبيَّة لتلبية هذه الحاجة الناشئة، كما أنَّها بدورها ساهمت بتنميتها. وهذا ما عبَّر عنه فنّ فيروز والرحابنة بشكل خاصّ، مستنداً إلى التراث الفنيّ الشاميّ وإلى الثورة الفنيَّة العظيمة التي كان قد قام بها سيّد درويش. وبالتالي فقد ارتبطت الظاهرة الفنيَّة الرحبانيَّة ـ الفيروزيَّة، منذ البداية، بفئات اجتماعيَّة واسعة وصاعدة ومتزايدة النفوذ والتأثير، وعبَّرت بصورة جيّدة وواعية ومتطوِّرة عن أحلام هذه الفئات وطموحاتها وعواطفها وأشواقها وتجاربها الإنسانيَّة وخبراتها.. الخ، ولذلك فقد أصبحتْ الظاهرة الرحبانيَّة الفيروزيَّة ظاهرة فنيَّة كبيرة حقّاً.
ومِنْ ناحية أخرى، فقد نشأتْ ظاهرة فيروز والرحابنة في إطار التعبير عن الهويَّة العربيَّة الشاميَّة، وليس مصادفة أنَّ الأخوين رحباني قد قاما بمسح واسع للتراث الفنيّ الغنيّ لبلاد الشام، في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، في المدن والأرياف والبوادي، وقاما بإحيائه وتطويره بألحانهما وغناء فيروز.
كما يمكن القول أيضاً أنَّ ظاهرة فيروز والرحابنة قد نشأتْ في إطار المنافسة الفنيَّة الإيجابيَّة بين مصر وبين بلاد الشام؛ حيث عبَّرت فيروز بقوَّة عن الهويَّة الفنيَّة الشاميَّة، وأصبحتْ بسرعة تُعتبر المنافسة العربيَّة الوحيدة لأمّ كلثوم على استقطاب المستمعين والمهتمّين والمتابعين والمعجبين مِنْ شتَّى أقطار العالم العربيّ، إلى حدّ أنَّ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أبدى أسفه، لمحمَّد حسنين هيكل، مِنْ أنَّ فيروز ليست مصريَّة، وعَدَّ ذلك كواحد مِنْ أخطاء التاريخ. فقد كان هو نفسه أحد أهمّ المعجبين بصوتها وبأسلوب غنائها. وقد طلب مِنْ هيكل الذي كان وزيراً للإعلام آنذاك، أنْ يولي عناية خاصَّة للمغنيَّة المصريَّة الشابة، والصاعدة آنذاك، عفاف راضي، فلعلَّها، برأيه، تكون فيروز المصريَّة.
وفي هذا الإطار، فقد ساهم الرحابنة وفيروز في نشر التراث الفنيّ الشاميّ في العالم العربيّ، كما أنَّهم جعلوا اللهجة اللبنانيَّة واسعة الانتشار ومحبوبة في مختلف البلاد العربيَّة. ومن المعروف أنَّ فيروز حتَّى عندما غنَّت لملحنين مصريّين، فقد كانت كلمات تلك الأغاني إمَّا بالفصحى حسب طريقة لفظها الشاميَّة، أو بالعاميَّة اللبنانيَّة: سهار بعد سهار، على سبيل المثال، وهي مِنْ ألحان محمَّد عبد الوهَّاب. وكذلك الأمر، بالنسبة لأغاني سيَّد درويش التي أعادت فيروز غناءها (زوروني كلّ سنة مرَّة، على سبيل المثال)، فقد عدَّل الرحابنة كلماتها بحيث تنسجم مع أسلوب الكلام الشاميّ.
وإذا كانت هذه هي الظروف العامَّة التي ساهمت في خلق ظاهرة فيروز والرحابنة، فإنَّها لم تكن لتكفي وحدها؛ أي لو لم تتوفَّر معها الشروط الذاتيَّة الضروريَّة؛ كالوعي والثقافة والمقدرة الفنيَّة والمعرفة الضروريَّة.. الخ. وهذه كلّها توفَّرتْ لدى فيروز والرحابنة، لحسن الحظ؛ حيث حصل كلٌّ من الرحابنة وفيروز على المعرفة العلميَّة المطلوبة في مجال الفنّ، وتوفَّرت لديهم الإرادة، كما أنَّهم امتلكوا الوعي، وامتلكوا القدرة الفنيَّة المميَّزة، وامتلكتْ فيروز، على الأخصّ، صوتاً جميلاً قويّاً، مرناً، صافياً، ومساحته واسعة؛ وأكثر مِنْ ذلك امتلك الرحابنة وفيروز المشروع الفنيّ المنبثق مِنْ ظروف عصرهم وظروف بلدهم، وإقليمهم ومنطقتهم؛ فأخذوا على عاتقهم القيام بثورتهم الفنيَّة الهائلة في سياق ذلك العصر الثوريّ الذي نشأوا فيه، وغيَّروا تماماً شكل الأغنية العربيَّة ومضمونها، وارتقوا بمستوى الذائقة الفنيَّة العربيَّة؛ سواءٌ أكان ذلك فيما يتعلَّق بالموسيقى والغناء أم فيما يتعلَّق بكلمات الأغاني التي أصبحتْ، على يديهم، أكثر رقَّة وأكثر دقَّة في التعبير عن المشاعر والخبرات الإنسانيَّة، وأكثر رقيّاً في أساليبها التعبيريَّة ومعانيها. وبالإضافة للشعر الجميل الذي كان يكتبه الرحابنة لفيروز، فقد اعتمدت أيضاً على شعراء آخرين مميَّزين، مِنْ أبرزهم الشاعر اللبناني المرهف والعميق، جوزيف حرب.
إلا أنَّ النزوع الشاميّ والهويَّة الشاميَّة الواضحة للرحابنة وفيروز، لم تحجب اتِّجاههم العروبيّ القويّ أيضاً. وهكذا فقد عبَّروا عن هموم الإنسان العربيّ في كلّ مكان كأفضل ما يكون التعبير. تغنّوا بمعظم الأقطار العربيَّة وعواصمها وحواضرها: تغنّوا بمصر، وبالأردن، وبالشام، وبمكَّة، وبالقدس، ولبنان.. الخ. وكانوا أفضل مَنْ غنَّى للقضيَّة الفلسطينيَّة وعبَّر بعمق وحرارة عن مأساة الشعب الفلسطينيّ. إلا أنَّهم في المقابل أبوا أنْ يتغنّوا بالأشخاص مهما ارتفعتْ مكانتهم وعظم نفوذهم، ومهما كانت عظمة بعضهم ومقدار مساهمته في خدمة القضيَّة العربيَّة. وبالتالي فقد صانوا فنَّهم من الوقوع في مستنقع الابتذال والامتهان، واختطوا تقاليد فنيَّة جديدة محترمة، تجعل من الفنَّان الحقيقيّ، إذا ما سار وفقها، موضع احترام واسع وتقدير ومحبَّة من الناس، وتحول دون أنْ يكون ذيلاً للسياسيّ ـ صاحب النفوذ ـ وخادماً له، بل إنَّها تضع الفنَّان في موقع متقدِّم على ذاك، وتجعله يمتلك قوَّة معنويَّة كبيرة تفوق قوّته. وهذا مدخل إلى عامل آخر من العوامل التي صنعت الظاهرة الفيروزيَّة الرحبانيَّة وميَّزتها عن سواها؛ ألا وهو عامل الشعور القويّ بالكرامة (الذي نرى أبسط مظاهره في نوعيَّة وقفة فيروز الشامخة على المسرح)، وما ترتَّب على ذلك مِنْ ترسيخ صورة احترامٍهم لذاتهم وفنّهم، وصونهما من الانزلاق في مزالق الذلّ والمهانة؛ لذلك فقد رفضت فيروز، مراراً، الاستجابة لطلبات إقامة الحفلات الخاصَّة لبعض الحكَّام العرب، بمن فيهم بعض زوَّار لبنان الذين أبدوا مثل هذه الرغبة. وقد تسبَّب ذلك في إحدى المرَّات في منع بثّ أغنياتها في أجهزة الإعلام اللبنانيَّة الرسميَّة، لمدَّة من الزمن.
ومِنْ ناحية أخرى، فقد حافظت فيروز على دوام روح التجديد والتطوير في فنّها، بل إنَّها لم تخشَ خوض مغامرات فنيَّة جريئة، كما هو الحال في أعمالها المشتركة مع ابنها زياد. ولكن مِنْ دون الوقوع في الابتذال والتسطيح والشكلانيَّة والمجانيَّة. وهذه التجربة بحدّ ذاتها تحتاج إلى حديث طويل قد لا يتَّسع له المجال هنا.
وبعد، فهناك، في ظاهرة فيروز والرحابنة، الكثير ممَّا يمكن أنْ يُقال، إلا أنَّ مثل هذا التوسُّع يحتاج أيضاً إلى مقامٍ غير هذا المقام.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *