«ضرب النمر مع الذبابة».. الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ المصريّ يكتب عن «الاشتراكيَّة الصينيَّة»..

«ضرب النمر مع الذبابة».. الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ المصريّ يكتب عن «الاشتراكيَّة الصينيَّة»..

صلاح عدلي
الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.. هكذا يقود الحزب الشيوعي الصيني بلاده نحو التنمية والنهضة*
الرفيق صلاح عدلي.. الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ المصريّ
بدعوة من الحزب الشيوعي الصيني قضيت في الصين عشرة أيام ممثلاً للحزب الشيوعي المصري ضمن وفد للأحزاب الشيوعية اليسارية العربية ضم 20 قيادياً لـ 16 حزباً من 8 دول عربية، وقد شارك في الوفد من مصر الزميل محمد الطنبولي عن حزب التجمع والسفير معصوم مرزوق عن حزب التيار الشعبي، وكان الغرض من الزيارة هو تدعيم أواصر التعاون والصداقة بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب اليسارية العربية. وكان لها هدفان رئيسيان الأول هو التعرف مِنْ قرب على تجربة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية والتي من أهم جوانبها «اشتراكية السوق»، وهي النظرية التي صاغها الرفيق دنج هسياو بنج بعد وفاة الزعيم التاريخي ماوتسي تونج، وبدأ تطبيقها في الصين منذ عام 1978 وعرفت باسم سياسة الإصلاح والانفتاح. والهدف الثاني من الزيارة هو عرض رؤى الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية للأوضاع المتفجرة التي تتعرض لها البلدان العربية في المنطقة وكيفية مواجهتها.
ارتفاع مستوي المعيشة
وقد تم تنظيم لقاءات وجلسات مباحثات مع رفاق من كبار المسئولين في دائرة العلاقات الخارجية، ودائرة التحرير والترجمة ،والأكاديمية الوطنية للإدارة ،التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني. كما تم ترتيب لقاءات مع مسؤولين حزبيين في مدينتي شانغهاي وتشانج شا بالاضافة إلى عقد ندوة مهمة في بكين بعنوان «حول الأوضاع في المنطقة العربية وآفاق الاشتراكية».
ولا شك أنَّ هذه اللقاءات بالإضافة إلى حفاوة الاستقبال والتغطية الإعلامية تعد بمثابة خطوة مهمة عكست مدى اهتمام الحزب الشيوعي الصيني بتدعيم وتطوير علاقاته مع الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية، خصوصاً بعد صدور وثيقة المبادئ التي أعلنتها الصين حول علاقتها مع البلدان العربية قبيل زيارة الرئيس الصيني شي جين بنج للمنطقة أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي والتي زار خلالها مصر والسعودية وإيران.
ولقد حققت الصين خلال الثلاثين عاماً الاخيرة نهضة اقتصادية جبارة تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني وتجلى ذلك في الأرقام المتحققة، حيث زاد متوسط دخل الفرد في الصين من 186 دولاراً عام 1978 إلى 7700 دولار بداية عام 2016 وسوف يصل إلى عشرة آلاف دولار عام 2020، وحققت الصين متوسط معدل نمو سنوي 10% خلال الثلاثين عاماً الأخيرة كما يعتبر الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ عام 2010 بعد الولايات المتحدة، حيث بلغ حجم اقتصاد الصين 10 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 17 تريليوناً عام 2020، وأن تسبق الولايات المتحدة قبل عام2022. وارتفع مستوى معيشة المواطنين ومستوى التأهيل العلمي والمهني بنسبة كبيرة، وزاد عدد السيارات الى 140 مليون سيارة، كما بلغ عدد السائحين الصينيين في الخارج العام الماضي 120 مليون صيني صرفوا ما يعادل 150 مليون دولار، واختفت تماماً ظاهرة الأحياء العشوائية في المدن وزاد عدد مستخدمي شبكة الانترنت إلى 700 مليون صيني.
محو الفقر
ويعترف المسئولون الصينيون بأنَّ الصين رغم كل ذلك ما زالت دولة نامية فمستوى دخل الفرد فيها مازال متدنياً قياساً بالبلدان المتقدمة نظراً لأنَّ عدد سكانها يبلغ 1.4 مليار نسمة وما زال أكثر من 70 مليون صيني يعيشون تحت خط الفقر، كما أنَّ هناك فوارق كبيرة في الدخول وتناقضات واضحة بين المناطق المتقدمة والمناطق الفقيرة وكذلك بين الريف والحضر إلا أنهم يرون أنَّ هذا ثمناً كان لا بد من دفعه حتى الآن، وأنَّ المرحلة القادمة سوف تشهد تحسناً ملحوظاً حسب الخطط الموضوعة حيث سيتم محو الفقر عام 2020 كما سيحدث تحول جوهري في السياسة الاقتصادية للصين للتركيز على تلبية حاجات الطلب الداخلي وتحسين مستوى معيشة المواطنين .
لمستقبل مشرق
ولقد تأسس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 وكان عدد أعضائه 50 عضواً والآن يبلغ عدد أعضائه 87 مليوناً ويحكم دولة مترامية الأطراف متعددة القوميات (56 قومية). وفي لقاء مع تشي بياو الخبير المتخصص في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني الذي يلقي محاضرات لأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية دار حوار مهم حيث قال «إنَّ الماركسية هي النظرية الوحيدة القادرة على ضمان مستقبل مشرق للأمة الصينية وإن الحزب لا يتمسك بالالتزام بالنصوص لأنَّ ذلك أوصل الصين إلى أوضاع حرجة وطريق مسدود  لذلك يعتمد الحزب على ماركسية “متصيننة ” تسترشد بالماركسية اللينينية وأفكار ماو ونظرية دنج هسياو بنج ومفاهيم وضعها الزعماء الذين أتوا بعده، وإنَّ الأساس هو الانطلاق من الواقع والتأكيد على تعدد نماذج الاشتراكية وأنه على كل بلد اختيار النموذج الذي يتوافق مع ظروفه وواقعه مع ضرورة الاستفادة من دروس وتجارب الاخرين»
خدمة الشعب
كما أكد «أنَّ الحزب الشيوعي الصيني لا يمثل فقط مصالح الطبقة العاملة بل يمثل الشعب الصيني كله والشعار الرئيسي للحزب هو خدمة الشعب وأنه القائد لكل مؤسسات الدولة وأن هناك 8 أحزاب ديمقراطية في الصين تقبل بقيادة الحزب الشيوعي الصيني وهي مشاركة وليست معارضة، كما أنَّ قيادة الحزب الشيوعي الصيني للجيش هي قيادة مطلقة».
ولقد وجَّهتُ إليه سؤالاً عن كيفية تمثيل الحزب لمصالح الشعب كله بينما مصالح العمال والرأسماليين هي مصالح متعارضة وخاصة بعد تزايد دور القطاع الخاص الذي أصبح يمثل 60% من حجم الاقتصاد. وقدم الخبير الصيني إجابة تدعو إلى التفكير والتأمل حيث قال «أنا أشعر أنَّ ما يهمكم هو معرفة هل سوف تنزلق الاشتراكية الصينية إلى الرأسمالية؟ وهل ما زالت اشتراكية أم لا؟ فالمجتمع الاشتراكي من المفترض أنه مجتمع يتميز بالعدالة وبتنمية اقتصادية واجتماعية رفيعة المستوى وثروات غنية، لذلك فهو مجتمع وفرة يتميز بالتقدم في القوى المنتجة. ونحن في الصين كنا نريد مجتمعاً اشتراكياً صافياً 100% وانغلقنا على أنفسنا ولكن برهنت الحقيقة على أن هذا الطريق هو طريق مسدود. فكيف نبني مجتمعاً اشتراكياً عادلاً ومتطوراً؟» وأضاف بأنَّ ماركس قد أعطى الإجابة: لا بد أن نبني مبنى اشتراكياً باستخدام المواد الرأسمالية، وأكمل «قد برهن التاريخ على أنه لا بد من استيعاب العناصر المعقولة في المجتمع الرأسمالي قبل أن نبني المجتمع الاشتراكي، أي من أجل تحقيق أهداف الاشتراكية لا بد من التعاطي مع الشيطان، فهل نفتح شبابيكنا أم لا؟ وإذا فتحنا النافذة ودخل الذباب والناموس فهل هذا يشكل مشكلة كبيرة؟ «ويواصل الرفيق الصيني قائلاً إنَّ سياستنا تسعى إلى الغنى المشترك والعدالة فهل نحقق ذلك بتقسيم الثروات على كل واحد بالتساوي؟ هل هذا هو الأسلوب الذي يحقق الوفرة والغنى المشترك؟ لقد برهن التاريخ على أنَّ نزعة المساواة المطلقة لا تساعد على تحقيق الغنى المشترك ولكنها تؤدي إلى الفقر المشترك، إذ يكمن الحل في السماح لبعض الناس وبعض المناطق في تحقيق الغنى أولاً، ثم بإمكاننا مساعدة الآخرين على الغنى والتطور بعد ذلك وهذا ما حدث في التجربة الصينية التي لم تأخذ بأسلوب الصدمة كما فعل السوفيت ولكنها أخذت بأسلوب الاصلاح المتدرج والتجريب في بعض المناطق أولاً ثم التعميم الشامل بعد نجاح التجربة».
روح عملية
ولقد حرصتُ على أن أنقل هذه الفقرات السابقة من حديث المسئول الصيني لأنها تعكس الروح العملية التي تسود فهم الصينيين للماركسية والاشتراكية، خصوصاً أنهم يؤكدون أنهم مازالوا يعيشون في المرحلة البدائية من الاشتراكية التي سوف تستمر مائة عام حتى عام 2050 حيث ستنتقل البلاد بعد ذلك إلى المرحلة الأرقى، ولذلك فإنَّ التجربة ما زالت غير مكتملة ولا يمكن الحكم عليها بشكل متعسف أو أحادي الجانب.
ضرب النمر مع الذبابة
الملاحظة الأخرى المهمة التي لاحظتها في حديثي مع المسئولين الصينيين هي أن قضية محاربة الفساد والدعوة إلى النزاهة هي قضية حياة أو موت بالنسبة للحزب ومكانته بين الجماهير ولقد أكدوا أنه منذ عام 2012 تمت معاقبة 138 وزيراً من ضمنهم عضو دائم في المكتب السياسي، كما أنَّهم يتبعون سياسة ضرب «النمر مع الذبابة»، أي ضرب الفساد في القمة والقاعدة مهما كان حجم الفساد ومستوى المسؤول .
اشتراكية صينية
وهناك بالتأكيد جوانب أخرى لا يتسع المجال لطرحها في هذا المقال تتعلق بموقف الحزب الشيوعي الصيني من قضية المركزية الديمقراطية، ومن قضية الديمقراطية السياسية في المجتمع، ومن علاقة الحزب بالمنظمات الديمقراطية والنقابية، وكذلك موقفه من حرية الإعلام ومن التعددية الثقافية والدينية .
ولكن يظل السؤال الملح مطروحاً: هل هذه النهضة الكبرى التي تحققت في الصين تصب لصالح الاشتراكية أم لصالح الرأسمالية؟
لقد تعددت مواقف المفكرين الماركسيين، بل مواقف الشيوعيين، في العالم، وانقسمت في الإجابة على هذا السؤال إلى ثلاثة فرق أساسية. فريق يرى أنَّ ما يحدث في الصين هو توجه نحو الاشتراكية وأنَّ نظريتها تستند جذورها إلى السياسة الاقتصادية الجديدة «النيب» للينيين عام 1921 وطورها الزعيم دينج والصينيون في نظريتهم للاشتراكية ذات الخصائص الصينية. وفريق آخر يرى أن التنمية في الصين تسير نحو الرأسمالية، وأنها لم تعد تمت للاشتراكية بصلة، وفريق ثالث يرى أن هذا التحول كان ضرورة، ولكنه يتريث ولا يتسرع في الحكم على التجربة حيث أنها من وجهة نظره مازالت مستمرة ولم تكتمل بعد. ويُعد المفكر سمير أمين من أنصار هذا الفريق الثالث، كما أنني شخصياً كنت منحازاً لهذا الرأي ولكنني ورغم أن هذه الزيارة قد أثارت لدى العديد من التساؤلات، إلا أنه قد زاد تفاؤلي بعد ما شاهدته من قدرة وحيوية الحزب الشيوعي الصيني وقياداته الشابة التي تقابلنا معها في كل لقاءاتنا. بالإضافة إلى ما وجدته من سعة أفقهم ورحابة صدرهم وصراحتهم في الاعتراف بالمشاكل وأوجه القصور في تجربتهم، وإصرارهم على التمسك بالاشتراكية باعتبارها الحل الوحيد لمستقبل مشرق للصين والعالم.
الأربعاء 16 مارس (آذار) 2016 – 1:53 مساءً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*العنوان الأصليّ للمقال المنشور في جريدة «الأهالي» المصريَّة، وقد تلقّيتُ رابطه، بوساطة البريد الإلكترونيّ، من الرفاق في الحزب الشيوعيّ المصريّ، شاكراً لهم اهتمامهم باطلاعنا عليه. 
 
وللفائدة، أعدتُ نشره في هذه المدوَّنة.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

  • الحزب الشيوعى المصرى Reply

    أزال المؤلف هذا التعليق.

    18 مارس، 2016 at 1:35 م
  • الحزب الشيوعى المصرى Reply

    شكر وتقدير وتحية رفاقية للرفيق / سعود قبيلات
    لنشركم مقالة الرفيق / صلاح عدلي الامين العام لحزبنا الشيوعي المصري
    وليكن نشركم لهذا المقال بداية حوار على صفحات مدونتكم حول الاشتراكية العلمية …. فالاشتراكية هي المستقبل نبنيها معاً … فهل نستطيع ؟؟
    ………………. مع خالص الشكر والتحية ،،،،،

    18 مارس، 2016 at 1:37 م
  • سعود Reply

    الرفاق الأعزّاء في الحزب الشيوعيّ المصريّ،
    أطيب تحيَّاتي لكم وبعد،
    فنحن متّفقون على أنَّ الاشتراكيّة هي المستقبل. وأنا أرحّب باقتراحكم لفتح نقاش بشأن الاشتراكيّة ومستقبلها، كما أرحّب بمساهماتكم في هذا المجال.
    ولكم محبَّتي واحترامي
    سعود قبيلات

    24 مارس، 2016 at 1:30 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *