صفقة شراء اللاعب نيمار.. أرقام وقيم ودلالات

صفقة شراء اللاعب نيمار.. أرقام وقيم ودلالات

// د. عماد الحطبة //

يشعر مُلّاك فريق باريس سان جيرمان الفرنسي ومشجعوه أن الصفقة التي عقدها رئيس النادي رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي لشراء لاعب فريق برشلونة نيمار كانت تستحق كل دولار دفعه النادي. فاللاعب، منذ وصوله إلى النادي، شارك في مباراتين سجل فيهما ثلاثة أهداف وصنع هدفين، وقدم استعراضات كروية أخاذة من خلال تلاعبه بدفاع الخصوم، ولعل هدفه في مرمى نادي تولوز، الذي راوغ فيه خمسة لاعبين داخل منطقة الجزاء ثم سدد إلى المرمى محرزاً هدفه الثاني في المباراة وهدف فريقه السادس؛ هذا الهدف سيبقى لفترة طويلة مدار حديث الجمهور والمعلقين الرياضيين. ما يعزز هذا الكسب، الذي حققه النادي الباريسي، هو ظهور فريق نيمار السابق، برشلونة، بمستوى متواضع في مباراتي كأس السوبر الأسباني وخسارته أمام غريمه ريال مدريد في المرتين. يومها خرجت معظم الصفحات الرياضية في العالم لتقول «برشلونة يخسر مِنْ دون نيمار».

تقول الأرقام إن صفقة انتقال نيمار هي الأغلى في تاريخ كرة القدم، فقد بلغت 270 مليون دولار، وهي الثالثة من حيث الحجم بعد صفقة لاعب كرة القاعدة (بيسبول) ستانتون الذي انتقل إلى فريق ميامي جينكارو مقابل 325 مليون دولار، وكذلك صفقة انتقال لاعب كرة القاعدة أليكس رودريغز الذي انتقل إلى فريق نيويورك نيكس مقابل 275 مليون دولار، كما تسجل هذه الصفقة أنَّه للمرّة الأولى في التاريخ تتفوق كرة القدم على كرة السلة في حجم الإنفاق، علماً بأن أغلى صفقة في تاريخ كرة القدم قبل هذه الصفقة كانت انتقال اللاعب الإنجليزي غاريث بيل إلى فريق ريال مدريد الأسباني مقابل 146 مليون دولار وكان ترتيب هذه الصفقة عالميا في المرتبة 38.

نستطيع الاستمرار في لعبة الأرقام والإنجازات بلا نهاية، فهي ببساطة أساس كل الألعاب اليوم، وهنالك الملايين الذين يتسمرون أمام الشاشات يتابعون اللعب الأنيق ويتوقون إلى المزيد من المعلومات عن لاعبهم المفضل لذلك أصبح تداول المعلومات سوقا لا يقل أهميّة عن أهميّة اللعبة نفسها. قبل أشهر قليلة كان اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي هو «الفتى الذهبي» لنادي برشلونة، وكنا نرى نفس العنوان الذي رأيناه مؤخراً، لكن بصيغة أخرى «برشلونة يخسر مِنْ دون ميسي»، أو «ريال مدريد يفوز مِنْ دون رونالدو». لكن، هذا كله أصبح أخباراً قديمة، أو حسب المصطلح الأميركي الشائع «Old News»، فالنجم اليوم هو نيمار؛ لذلك لابد أن يتصدر كل الأخبار. لماذا؟ لأن السوق بحاجة إلى هذه الأخبار ليغطي تكاليف الصفقة، ارتفاع قيمة أسهم النادي، بيع التذكارات، الضرائب التي تفرض على النوادي واللاعبين، وكالات التسويق والمراهنات، وكالات الإعلان المحطات الإعلامية؛ أي أن منظومة السوق الرأسمالي بكافة تفاصيلها متورطة في مثل هذه الصفقات، وهي تتشارك جميعا باتفاق مباشر أو ضمني في صناعة القصة – الحدث – لتبقى دورة رأس المال في هذا السوق مستمرة.

يقول متشائم ماركسي – مثلي – إن قيمة صفقة نيمار كانت كافية للقضاء على 90% من مشكلة الأطفال المشردين في شوارع ريو دي جانيرو التي قدرت الحكومة البرازيلية كلفتها ب 300 مليون دولار. وإن مجموع أغلى ثلاث صفقات رياضية في التاريخ (870 مليون دولار) كان كافياَ لتزويد إفريقيا بالمياه الصالحة للشرب (60% من الأفارقة لا يحصلون على مياه صالحة للشرب) وحل مشكلة الإيدز في ثلاث دول هي الكونغو وأوغندا ورواندا.

يتصدى لي متفائل – ليبرالي – ليقول إن هذا ثمن الموهبة وأن لاعب مبدع مثل نيمار أو ميسي أو رونالدو يستحق.. يستحق ماذا؟ الحصول على أكثر من مليون دولار عن المباراة أي حوالي 11 ألف دولار بالدقيقة، ماذا يستحق إذن عالم يعمل مِنْ أجل إنتاج علاج لمرض يفتك بالملايين من البشر؟ هل هي فعلاً الرياضة أم شروط السوق الرأسمالي التي حولت كل شيء إلى سلعة بما في ذلك نجوم الفن والرياضة، وأضافت سلعة جديدة هي التجربة. تخرج عليك وكالات الأنباء بين الفينة والفينة بأن نيمار – مثلا – تبرع بمبلغ ضخم لمدرسة ما أو شارك لمدة دقائق في تدريب مجموعة من اللاعبين الفقراء. عندها ستشعر، وأنت تشتري قميص نيمار، أو تدفع مبالغ طائلة لحضور المبارة في الملعب أو عبر حقوق النقل، أنك شاركت في العمل الإنساني الذي قام به اللاعب. كم هي جميلة هذه الرأسمالية التي تعطيك الفرصة للقيام بعمل إنساني في الوقت نفسه الذي تجلس فيه أمام التلفزيون مستمتعاً!!!

على الجانب الآخر، هنالك شاب يستمع إلى قصة من أبيه عن زمان كانوا يذهبون فيه إلى الملاعب لحضور المباريات مجاناً، وكانت فيه كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى، أو لعبة الفقراء. يخبرهم عن ذكرياته في لعبها بكرة من القماش في الشوراع.. وحتى بالكرة الجلدية في الملاعب، وكيف أنَّه كان يحفظ أسماء اللاعبين، وربَّما يكون قد قابل أحدهم. اليوم، لم يعد ممكناً للفقير حضور مباراة في الملعب، أو حتى على التلفزيون، فالرياضة تحولت إلى سلعة يحتكرها الأغنياء.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

تعليق واحد

  • عماد حامد غنا Reply

    صحيح

    30 أغسطس، 2017 at 12:36 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *