شيءٌ مِنْ «يوميَّات سجين سياسيّ اسمه زعل»

شيءٌ مِنْ «يوميَّات سجين سياسيّ اسمه زعل»

سعود قبيلات
(هذا شيءٌ مِنْ كتابٍ مخطوط منذ خمسة وثلاثين عاماً، وقد جعلته بعنوان «يوميَّات سجين سياسيّ اسمه زعل»؛ ومنذ ذاك، ما زلتُ أفكِّر في إعداده للنشر.)

الجمعة 1979/9/7

في سجن المحطَّة قبل حوالي خمسة وثلاثين عاماً

ها أنا قد نزلتُ إلى السجن أخيراً.. وهذا – في عرف السجناء – نصف إفراج.. فأن تنتقل مِنْ زنزانة ضيِّقة، وهي في الغالب انفرادية موحشة، ليس لك مِنْ تسلية فيها سوى الحديث مع نفسك ونبش أصغر ذكرياتك، وانتظار أنْ يطلبك المحقِّق – رغم كلّ الآلام المرتبطة بهذه الدعوة – لمجرّد أنْ ترى أحداً (حتَّى لو كان خصماً وكارهاً) وتتأكَّد مِنْ حقيقة وجود العالم مِنْ حولك.. أنْ تنتقل مِنْ هذا إلى مكان يجمعك برفاقك وبغيرهم، ويتيح لك قراءة الجرائد والمجلاّت، بل والكتب أيضاً، والتمشِّي في ساحاتٍ «واسعة»إذا ما قيست بمساحة الزنزانة. هذا عدا عن الجلوس في «المقاهي»العديدة المنتشرة هنا في ساحات السجن، لشرب الشاي أو اليانسون أو الميرميَّة أو الحليب.. على الأخص صباحاً. وتستطيع أنْ تستمتع، فوق هذا، بالتحرش الكلاميّ بالآخرين.. مثل ما يحدث كثيراً هذه الأيَّام بيني وبين حسن*؛ لا أعرف لماذا؟

أعتقد أنَّ لديَّ طاقة فائضة من المشاعر المتضاربة المكبوتة، أنفِّسها بهذه الطريقة. لذلك، لا غرابة في أنَّني أشعر براحةٍ كبيرة إثر كلِّ جولة مشاحنة مع حسن. لكنَّني، على أيَّة حال، أنوي أنْ أخفِّف مِنْ حِدَّة هذا العراك الرفاقيّ.. ثمَّ أوقفه تماماً فيما بعد..
هنا كلُّ معتقل أو سجين سياسيّ «وطنيّ»يُخاطَب بـ«يا رفيق»، بغضِّ النظر عن اختلاف التنظيمات الَّتي ينتمون إليها وتباين وجهات النظر التي يتبنَّونها وتعدد أنماط شخصيَّاتهم وظروف اعتقالهم وآجالها وكم قضى السجين منها وكم بقي ممَّا هو في سبيل قضائه. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّ الآجال مسمَّاة إذا كان السجين محكوماً، وغير مسمَّاة إذا كان لا يزال موقوفاً قيد المحاكمة أو معتقلاً بموجب قانون الأحكام العرفيَّة ولم توجَّه له قانونيّاً أيَّة تهمة.
وأمامي، مباشرة، مِنْ خلال القضبان الَّتي أغلقت قبل ثلث ساعة (الساعة الآن السادسة مساءً) شجرة سرو كبيرة.. أراها وأنا جالس على «بُرشي»أكتب هذه اليوميَّات. وهو مشهد جميل يحسدني عليه سكّان الغرفة «14 و15»(التي أقيم فيها).. فموقع برشي الاستراتيجيّ، المواجه مباشرة للباب، يتيح لي أنْ أرى، أيضاً، في البعيد، حيَّ الزغاتيت في الجبل المقابل بما عليه مِنْ بنايات وسكّان يروحون ويجيئون، ونساء ينشرن غسيلهن أو يتشمَّسن أمام الدور أو بجانبها. ولو قمت الآن، فوقفتُ عند الباب ونظرتُ إلى الشمال الشرقيّ، لرأيت حتـماً تلك الياسمينة الرائعة المترعرعة خلف جامع السجن. ووجودها هنا هو أكثر ما أفرحني وأدهشني منذ جئتُ إلى «المحطَّة»، قبل شهر تقريباً.
تحت الياسمينة، مباشـرة، يقع «مقهى الطفايلة»(نسبة إلى بلدة السجين الَّذي يملكه ويعمل فيه بنفسه). وهو يقدِّم أفضل شاي في السجن.
وغرباً؛ على مسافة لا تزيد عن خمسة عشر متراً، تقع الغرفة رقم (19) وهي أبشع الأماكن هنا على الإطلاق.. لأنَّها، ببساطة، غرفة الإعدام، أو «المشنقة»كما هو اسمها الدارج هنا. أمامها، مباشرة، يقع «مقهى أبو رومل»،وصاحبه (الذي يعمل فيه ويساعده عامل أجير من السجناء المدنيين) هو «أبو رومل»، وهو أحد سجناء حرب أيلول 1970. مِنْ هذا المقهى، الأقرب إلى غرفتي، أطلب الحليب باليانسون كلَّ صباح.
بقي أنْ أقول إنَّ السجن مكوَّن مِنْ خمسة أقسام كبيرة، كلٌّ منها يسمَّى «شبك».. ونحن المعتقلين (والسجناء) السياسيِّين نسكن الشبك رقم (1). أمَّا السجناء الآخرون، ونسمِّيهم المدنيِّين (وهي تسمية تطلق على كلِّ سجين غير سياسيّ وغير عسكريّ)، فقد خُصِّصتْ لهم وللسجناء العسكريين بقيَّة الأشباك. وبالنسبة لغرفتنا، فهي مقسومة من الداخل إلى نصفين، مع أنَّ لها باباً واحداً، وقد أعطيت الرقمين (14،15). ونحن نحافظ دائماً على نظافتها وترتيبها وانضباط الحياة فيها وانتظامها. وتقوم حياتنا على الروح الجماعيَّة والتعاون والملكيَّة العامَّة للمواد الغذائيَّة والأواني والكتب والتلفزيون الَّذي لا يزال سكّان الغرفة يقسِّطون ثمنه. ورغم النظام الصارم، الذي نُلزِمُ أنفسنا به، يسود الغرفةَ جوٌّ من الودّ والعلاقات الرفاقيَّة بين جميع سكّانها، في معظم الأحيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أسماء الأشخاص ليست حقيقيَّة.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *