سوريا – «إسرائيل».. والرسائل التي تُرسَل وتُقرأ بهدوء

سوريا – «إسرائيل».. والرسائل التي تُرسَل وتُقرأ بهدوء

// ياسر قبيلات //

 

منظومة اس 400 المضادة للطائرات والصواريخ

 

تزايدت الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا منذ بدء الأحداث فيها، وهذا «طبيعي». وفي الغالب كانت سوريا تمتنع عن الرد على هذه الاعتداءات، وهذا مفهوم. أما من لم يعتبروا ذلك، لسبب أو لآخر، سلوكاً مفهوماً، فقد اعتادوا الأمر، وكفوا عن اعتباره أمراً مثيراً للاهتمام؛ غير أن الحال تغير بعد «التدخل» الروسي، وبات يُنظر إلى هذه الاعتداءات بطريقة مختلفة، عنوانها سؤال رئيس يتم طرحه بعد كل اعتداء إسرائيلي: لماذا لم تمنعه روسيا؟

 

عملياً، ذلك يعني أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا باتت تتجاوز حدود التعقيدات السورية الاسرائيلية التقليدية. وبناء عليه، يمكن القول إن المنطقة باتت تستضيف ملفاً جديداً، بعنوان: «التعقيدات الروسية الإسرائيلية». وهو ملف لا يقل إلتباساً عن نظيره «السوري الإسرائيلي» الأصيل في المنطقة.

 

بداية، يمكن ملاحظة أن التعامل الروسي مع الإعتداءات الإسرائيلية، لم يختلف عن التعامل السوري التقليدي معها. هذا التعامل الروسي المشابه يحتم على من يفسرون التعامل السوري «التقليدي» بالتخاذل أمام «تل أبيب» مراجعة اتهاماتهم وأحكامهم، قياساً على التعامل الروسي.

 

ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن مفهوم القوة مخاتل، لا يقترن بالرد العسكري دائماً؛ فالأقوياء في مواقف معينة يجدون أنفسهم مضطرين لتقييد قوتهم، وضبط مستوى استخدامها؛ ومثال ذلك الولايات المتحدة التي لا تجد سوى إطلاق التهديدات رداً على كوريا الشمالية رغم أن الأمر يتعلق بملف دراماتيكي وخطر للغاية بالنسبة إليها، كما أن الولايات المتحدة، كذلك، لم تستطع تنفيذ شيء من كل تهديداتها العرمرمية لإيران سوى ذلك الجزء المتعلق بفرض العقوبات الاقتصادية.

 

وفي جانب مفصلي بديهي، ينسى أصحاب السؤال أمراً مهمّاً؛ إن الوجود العسكري الروسي في سوريا، يحكمه اتفاق مع الحكومة السورية، ويحده تفويض من مجلس الاتحاد الروسي.

 

وبتجاوز الحديث عن الاتفاق مع الحكومة السورية، الذي أساسة طلب الرئيس السوري من موسكو تقديم المساعدة العسكرية في مواجهة المجموعات الإرهابية الناشطة في بلاده، فإن تفويض موسكو للرئيس بوتين يتعلق، كذلك، باستخدام القوات الجوية الفضائية لتقديم المساعدة لدمشق في القضاء على الجماعات الإرهابية حصراً، وليس مساندتها في صراعها مع إسرائيل أو أي طرف آخر.

 

ويجدر التذكير، هنا، أن الرئيس بوتين كان قد حصل لدى تطور الأوضاع في شبه جزيرة القرم على تفويض من مجلس الاتحاد. ومع ذلك، كان عليه أن يلجأ إلى مجلس الاتحاد مرة أخرى حينما استجد الموضوع السوري، فحصل على تفويض آخر، مختلف في موضوعه.

 

وبهذا، فإن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية هي مهمة سورية حصراً. لا يشمله الاتفاق بين روسيا وسوريا، ولا يغطيه تفويض مجلس الاتحاد للرئيس بوتين. وسيبقى كذلك طالما لم تشمل الاعتداءات الإسرائيلية الجنود الروس، أو مواقع تمركزهم، أو طائراتهم، أو منشآتهم.

 

ومع ذلك، فإن موقف موسكو واضح وسبق لها التعبير عنه؛ لم يُجز الرئيس الروسي لبنيامين نتينياهو قصف الجيش السوري، ولا حتى التعرض لأطراف حليفة له على الأرض السوريّة، تحت أي عنوان ومبرر. وفي إثر اعتداء شهر آذار الماضي، استدعت الخارجية الروسية في خطوة غاضبة السفير الإسرائيلي في موسكو وطلبت منه توضيحات بشأن اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السورية.

 

ويبدو أن موسكو، التي تُذكرها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بالحدود التي قيدت نفسها بها، ذهبت منذ ذلك الحين إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فحررت دمشق من أية إلتزامات أدبية تجاه الحليف الروسي، بما يتعلق بحرية التعامل مع هذه الاعتداءات.

 

تالياً، تقتضي دواعي الدقة عدم التسليم بالرأي الشائع الذي يجزم بأن السوريين لا يردون على هذه الإعتداءات؛ فمن وجهة نظر سياسية، سوريا ترد. وتختار الرد بما تقتضيه مصالحها، وتفرضه أولوياتها، ووفق طريقتها الخاصة، التي يلحظها من يفهمها، ولا يفهمها أحد أفضل من أعدائها الكبار، الذين يلحظون تصعيداً تدريجياً متناسباً في الرد، يتوخى الظروف وأهمية ونوعية هذه الاعتداءات.

 

الأمر الثاني الذي يثير الانتباه هنا هو أن التعليقات حول الاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة، سواء في إسرائيل أو خارجها، لا ترى في هذه الاعتداءات أثراً عملياً، وتجمع على أنها في أغلبها ذات أثر معنوي وحسب، يذهب إلى الاستفزاز أحياناً، أو محاولة إشغال دمشق في أحيان أخرى، أو ملء خزان وقود الاتصالات الإسرائيلية الدولية بنذر حالة من التوتر المحتمل في «الشرق الأوسط»، ما من شأنه أن يدفع الأوروبيين والأميركيين إلى الإنصات لمخاوف «تل أبيب».

 

وطالما أن الحال كذلك، فلماذا إذن يتوقع أحد أن يتطوع الجانب السوري، وحتى الروسي، بإنجاح مهمة هذه الاعتداءات، بالانسياق من تلقاء نفسيهما إلى المساهمة في خلق حالة الهستيريا اللازمة لتوجيه الأنظار إلى عيون إسرائيل الدامعة، التي تبكي أمنها!؟

 

من جانب آخر يمكن اعتبار أن جملة الإعتداءات الإسرائيلية والردود السورية عليها هو تبادل حيوي للرسائل، ونوع من الحوار المسلح، تماماً كما يمكن إعتبارها كذلك مراسلات مع الجانب الروسي، يلعب فيها الطرف الإسرائيلي دور ساعي البريد لدى الطرف الأميركي. ومن المؤكد أن موسكو كذلك ترد على هذه الرسائل بوسائلها الخاصة وعبر سعاة بريد آخرين!

 

والآن، أين الاعتداء الإسرائيلي الأخير، الذي تزامن مع زيارة وزير الدفاع الروسي، من ذلك كله؟

 

بداية، تجدر هنا ملاحظة أن الإعتداء تم في الواقع قبل وصول الوزير الروسي. وتالياً أنه لم يحدث مِنْ دون مقدمات، وأن «تل أبيب» اهتمت بالتوضيح بأن دمشق بادرت إلى «التعرض لطائرة إسرائيلية كانت تقوم بمهمة استطلاع عادية فوق الأراضي اللبنانية»، ما اقتضى الرد على هذا «الاعتداء»..

 

هنا، أمور ملفتة:

 

• بحسب رواية الطرفين، فإن سوريا هي من بادر إلى «التعرض» لطائرة إسرائيلية، وليس العكس. أي، أن دمشق التي «لا ترد» على الاعتداءات الإسرائيلية التي تطال أجوائها وأراضيها بالعادة، بادرت إلى مهاجمة طائرة اخترقت المجال الجوي اللبناني. وهذا يعكس تحولاً في طبيعة «التبادل الحيوي للرسائل»، تجدر ملاحظته باهتمام.

 

تجدر ملاحظته باهتمام، بالذات، لأنه هو الخبر الحقيقي الذي غيبه الإعلام، ولأنه حدثٌ كشف عن تحوّل ثقل الحديث من الاعتداءات الإسرائيلية إلى طبيعة الرد السوري والموقف الروسي منه.

 

• أن الرد الإسرائيلي جاء بإطلاق «عدة صواريخ سقطت في أحد المواقع العسكرية السورية بريف دمشق واقتصرت الخسائر على الأضرار الماديّة». ومن الملفت هذا التحول من الرد بطائرات تقتحم الأجواء إلى الرد بصواريخ تقصف من بعيد.

 

• لم تصمت إسرائيل على الحادثة وسارعت إلى الإعلان عنها، وشرح تفاصيلها، لا سيما في ما يتعلق بـ«المبادرة» السورية إلى «التعرض» للطائرة الإسرائيلية، بكل ما في ذلك من نبرة تبريرية غريبة على إسرائيل؛ ما يعزز الانطباع بأن ذلك كان توضيحاً يتعلق بالتعقيدات الروسية الإسرائيلية، وحراجة الموقف المتشكل بالتزامن مع زيارة الوزير الروسي.

 

ومع ذلك، ثمة موقف يستحق النظر عبر عنه الكاتب الإسرائيلي، يسرائيل شامير، الذي تعود أصوله إلى روسيا، والمقروء جيداً في موسكو. يقول:

 

«الحكومة الإسرائيلية تريد أن تؤكد وتظهر للسوريين أن الروس لن يحموهم من إسرائيل، وبالتالي، يجب الاستسلام أمام إرادة تل أبيب. (ولكن) قصف بطارية الصواريخ السورية في يوم وصول الوزير الروسي هي إحراج من قبل ليبرمان، يضع شويغو في موقف غير سار للغاية؛ بطبيعة الحال، لا ترغب روسيا بخوض اشتباكات مسلحة مع إسرائيل، ولكن الحياة لا تسير دائماً حسب رغباتنا.

 

ربما كان يتوجب مساعدة السوريين في حماية سمائهم، كي لا تبقى هنالك أية أوهام لليبرمان، أم تعتقدون حقاً أن روسيا يمكن أن تجلس أمام شاشة التلفاز لتتابع الهجوم الإسرائيلي على سوريا، مع دلو من الفشار»..!؟

 

ما يمكن إضافته، هنا، إلى كلام يسرائيل شامير، هو التذكير بإعلان وزارة الدفاع الروسية الشهر الماضي عن انشاء نظام دفاع جوي روسي سوري موحد، فنياً ومعلوماتياً، يغطي الأراضي السورية؛ ويُفهم من هذا أن قدرات الدفاع الجوي لدى البلدين، بكل صنوفها، ستعمل ضمن منظومة واحدة.

 

لذا، فإن ساعي البريد الإسرائيلي، الذي يعلم أنه بالنسبة لموسكو مسؤول مسؤولية كاملة عن الرسائل التي يقوم بإيصالها، لا يستطيع المراهنة على «روسيا لا ترغب بخوض اشتباكات مسلحة مع إسرائيل»، فقيادة القوات الروسية في حميميم، التي تتركز فيها كل المعلومات الاستخباراتية السورية والروسية حول السماء، لم تمنع الدفاعات السورية من «المبادرة» إلى «التعرض» للطائرة الإسرائيلية، بل قد تكون هي من أعطى الضوء الأخضر.

 

ومن جهة أخرى، فإن القصف الإسرائيلي، الذي استهدف دون نجاح بطارية صواريخ شرق دمشق، وأريد له أن يكون رداً، وسلطت عليه الإضاءة الإعلامية كاملة، يبدو في هذا السياق مجرد إشعار إسرائيلي، زائد عن الحاجة، باستلام الرسالة!

 

زائد عن الحاجة لأن الرسائل، من هذا النوع، تُرسل وتُقرأ بهدوء!

 

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *