«سنوات الجمر والرماد» في اليمن

«سنوات الجمر والرماد» في اليمن

د. محمَّد جرادات
تميزت تجربة «جنوب اليمن»، وتفردت، بكل شيء.. منذ البدايات؛ حتى أيام الاستعمار؛ فالبريطاني الذي وصل عدن غازياً ومحتلاً عام 1839، باعتبارها نقطة استراتيجية مهمة تصل الهند الخاضعة لسيطرته بالعالم من خلال مضيق باب المندب، قام بفصلها عن كل المناطق الأخرى (المحافظات الجنوبية)، وجعل من تلك المحافظات مشيخات، يحكمها شيوخ في ظل تبعية مطلقة وولاء كامل للمستعمر، وأداة من أدواته، تنفذ كل مخططاته وأهدافه.
خورمكسر في عدن
 
لكن المقاومة الشعبية ضد المستعمر لم تهدأ، وراكمتْ ممارستها النضاليَّة على مدار 128 عاماً، إلى أنْ توَّجتها بالتحرير، ومن ثم شرع الثوّار ببناء الاشتراكية للمرة الأولى في العالم العربي، (رغم كل ما جرى لتلك التجربة لاحقاً).
 
وفي أربعينيات القرن الماضي وخمسينيَّاته، نشطت المقاومة بشكل كبير، وتبلورت في أحزاب وتنظيمات عدة، منها ما اندثر واختفى، ومنها ما عَكَسَ اتِّجاه سيره فتعامل مع المستعمر البريطاني، ومنها ما صمد وثابر على النضال وتمسّك بثوابته الوطنيَّة ومبادئه الثوريَّة، فتوِّجت بالانتصار على المحتل ودحره وطرده وتحقيق الحرية والاستقلال للشعب اليمنيّ وبلاده.
 
وعندما طُرِدَ الاستعمار وتحقَّق الاستقلال، غنَّى الشعب اليمنيّ:
بَرّع يا استعمار بَرّع
بَرّع يا استعمار
من أرض الأحرار…. إلى آخر تلك القصيدة التي يحفظها اليمنيون عن ظهر قلب. وما هو معروف ومتداول بين اليمنيين أن هذه القصيدة هي للشاعر اليمني الكبير عمر عبد الله نسير (توفي في أيلول/سبتمبر 2014، إثر جلطة دماغية)، وغناها المطرب المحبوب محمد محسن عطروش. وكان الشاعر عمر عبد الله نسير قد كتبها في ستينيات القرن الماضي، وأذيعت بصوت الفنان والموسيقار محمد محسن عطروش. وتعتبر هذه الأغنية واحدة من الأغاني التي ساهمت في رفع الوعي الشعبي لمقاومة الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، ودعم ثورة 14 تشرين الأوَّل/أكتوبر 1963م التي تمكَّنت مِنْ طرد المستعمر وتحقيق الاستقلال في تشرين الثاني/نوفمبر 1967.
 
(بعد نحو يومين من وفاة الشاعر نسير، نُقل عن المطرب والموسيقار عطروش قوله: إن اغنية برّع يا استعمار، من تأليفه وتلحينه وغنائه).
 
ثورتان في اليمن ضد التخلف والاستعمار
عندما انطلقت ثورة 14 تشرين الأوَّل/أكتوبر 1963 التي قادت إلى التحرير في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، كانت صنعاء قد تحررت للتو من حكم الإمامة، حيث نجحت ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962 في التخلص من حكم الإمامة، وظهرتْ إلى الوجود أول جمهورية في تاريخ اليمن في الشمال، بزعامة المشير عبد الله السلال.
 
اعتبر ثوّار الجنوب ذلك الإنجاز الكبير في الشمال بارقة أملٍ مهمّةٍ لهم على طريق تحرير وطنهم من المستعمِر الإنجليزيّ. وقدمت الجمهورية الجديدة كل أشكال الدعم والمساعدة لهم.
 
وكان حلم الوحدة حاضراً في صنعاء الجديدة وفي الثورة الجنوبيَّة الفتية؛ فالأولى قامت ضد التخلف، والثانية ضد الاستعمار. توفي المشير السلال عام 1994، وكان أهم ضيوف الشرف يوم إعلان الوحدة عام 1990، وهو أول رئيس للجمهورية العربية اليمنية، استمر في الحكم حتى الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1967، حيث أطيح به بانقلاب عسكريّ أثناء زيارة كان يقوم بها للعراق، ومن هناك غادر إلى مصر ليستقر فيها حتى عام 1981 حيث عاد إلى صنعاء.
 
دخلتْ صنعاء، بعد السلَّال، مرحلة من الاضطرابات والاغتيالات؛ فبعدت المسافة من جديد بين شطريْ اليمن؛ لكن المناضلين الجنوبيين ظلوا قابضين على جمر الحلم اليمني المعبَّر عنه بالشعار الأساسيّ القائل: لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية، وتنفيذ الخطة الخمسية، وتحقيق الوحدة اليمنية، في ظل التأكيد على أن «حزبك باقي يا فتاح حزب العامل والفلاح».
 
ولكن، بعد الوحدة وتداعياتها المؤسفة، بدأت أصوات من داخل عدن، ومن داخل الحزب الاشتراكي اليمني، وحزب الوحدة الشعبية تقول: للأسف لم يعد هناك «ثورة يمنية»، ولا «خطة خمسية» ولا وحدة يمنية حقيقية، حيث أنَّ تلك الوحدة لم تصمد طويلاً على أرض الواقع، وكلنا يتذكر حرب عام 1994 وما قبلها وما تلاها، وكيف سمح علي عبد الله صالح للإسلاميين (حزب الإصلاح) باستباحة عدن والهجوم على الحزب الاشتراكي اليمني. والمفارقة هي أن الحزب الاشتراكي اليمني يتحالف اليوم مع «الإصلاح» الذي استباح بلده واستباح دمه في تسعينيات القرن الماضي، والمفارقة الأخرى هي أنه بعد حرب عام 1994 ورغم كل ما سبقها من مؤامرات ومخططات تدميرية بحق الحزب، أجرى الحزب «مراجعة نقدية وذاتية لتجربته في الوحدة»؛ وكأنه انقلب على ذاته لمصلحة «المؤتمر الشعبي العام» (حزب علي عبد الله صالح).
 
ومع ذلك لا يمكن التشكيك أبداً بمسيرة الحزب الاشتراكي اليمني، وقبله الجبهة القومية وبقية الأطراف الأخرى المؤسسة للحزب، خصوصاً فيما يتعلق بالنضال من أجل تحقيق الوحدة اليمنية، وتأكيده على ضرورة النضال من أجل تحقيقها؛ فمنذ مؤتمره الأول في تشرين الأوَّل/أكتوبر عام 1978 كانت الوحدة أحد أهم أهداف الحزب.
 
وكذلك كان برنامج الجبهة القومية لمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تناول آفاق وحدة النضال اليمني، وأكد على أن «وحدة الأرض ووحدة الشعب اليمني ظلت عبر التاريخ، على الرغم من حالات التمزق والتجزئة الآنية، وحدة متماسكة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم تتمكن أي نهضة أو حضارة حقيقية أن تقوم إلاّ في ظل هذه الوحدة»، وإن استراتيجية الثورة اليمنية مرتبطة عضوياً ودون انفصام بوحدة ثورة 26 أيلول/سبتمبر (في الشمال) و14 تشرين الأوَّل/أكتوبر، (في الجنوب)، كوحدة تتوج وحدة الأرض والشعب اليمني»، ومنذ ذلك الحين ظل ذلك الشعار يتصدر جميع المطبوعات والوثائق الرسمية والشعبية، وأصبح شعاراً يومياً حاضراً في كل المناسبات والأنشطة والفعاليات، في دولة الجنوب، في المدارس وفي الجامعة، وفي «أشيد» (اتّحاد الشباب الديمقراطيّ اليمنيّ)، وفي كل مكان وكل مناسبة.
 
 
النادي العراقي
عندما كنا (في اليسار العربيّ عموماً) نتحدث ونتناقش ونتقاتل ويعلو صراخنا بشأن تجربة اليمن الجنوبي، لنتَّفق جميعاً في النهاية على أنَّه يجب الدفاع هذه التجربة، والعمل مِنْ أجل صيانتها، وديمومتها، وتنقيتها، وتقويتها، باعتبارها ملكاً لنا جميعاً وليس لليمنيين وحدهم، كان «النادي العراقي» أحد أهم الأماكن التي تجمعنا وتحتضن نقاشاتنا تلك.
 
وبالتأكيد، فإنَّ كلّ مَنْ عاش في عدن في تلك المرحلة، لا بد أن يكون قد عرج على النادي العراقي في منطقة خور مكسر، وأمضى بعض الوقت هناك في أجواء عائلية ورفاقية حميمة.
 
وفي بدايات وصولنا إلى عدن، كنا نبحث عن كل ما يخفف عنا هم الغربة، فكان النادي العراقي بأجوائه وأنشطته وفعالياته الثريَّة والمتنوِّعة هو البلسم الشافي لنا مِنْ تباريح الغربة والشوق والحنين إلى الوطن والأهل والأحبَّة.
 
كان ذلك النادي أيضاً محطة للقاء الرفاق العراقيين الذين كانوا ينتشرون في مختلف المؤسسات التعليمية والأكاديمية، في المدارس، وفي كافة كليات جامعة عدن في عدن وفي المحافظات الأخرى، وفي مختلف مواقع العمل والإنتاج والإبداع، ومع أعضاء فرقة الطريق (شوقية العطار وحميد البصري وغيرهما)، وجعفر حسن، وبقية الفنانين المبدعين، بالإضافة إلى الرفاق السودانيين والعرب من مختلف الدول العربية الذين عاشوا في عدن، ووجدوا في النادي العراقي أحد الأماكن المهمة والحيوية للقاء، خصوصاً نهاية الأسبوع.
 
رسالة من «بَلّوتْ»
فتحت كل أبواب الألم والأمل والحلم والحنين والشوق، تلك الرسالة من صديق الطفولة التي وصلتني ذات يوم صيفي من عام 1988، بعد أن قطعت أشهر عدة متنقلة بين البحار والمحيطات، وعابرة للحدود ومتجاوزة الصحراء، ومتعثرة مثلاً في محطة هنا وتفتيش هناك، لكنها وصلت في النهاية، وقرأتها عشرات المرات وكأن ما تحويه يحدث الآن وليس قبل 6 أشهر أو يزيد مِنْ تاريخ وصولها (كانت الرسائل البريدية بخط اليد هي الوسيلة الأكثر حضوراً وانتشاراً في التواصل بين الناس، اللعنة لم يكن الانترنت والتواصل الاجتماعي والهاتف الجوال قد حضرا من عالم التكنولوجيا إلى عالم البشر بعد).
 
في تلك المرحلة كانت أسماؤنا «حركية»، ولكنّ تلك الرسالة كانت باسمي الحقيقي (محمد جرادات)، بل باسمي الكامل (أبي وجدي وجد أبي وجد جدي، كما تحفظه اليوم ابنتي الصغرى سلمى)، ومكثت الرسالة أكثر من شهر في الكلية، وهم يبحثون عن طالب أردني في قسم الفلسفة بكلية التربية، اسمه محمد جرادات، وهم لا يعرفوا في القسم كله طالباً أردنيّاً غيري، وبعد جهد جهيد سألوني عن محمد جرادات، وهل أعرفه، فلم يكن أمامي بعد أن عرفت القصة إلا ان أقول لهم أنا محمد جرادات.
 
تلك الرسالة جابت الدنيا فيما يبدو على مدار سنة (أقل قليلاً أو أكثر)؛ لكنَّني قرأتها كأنها قادمة للتو، أو كأنني أتحدث مع كاتبها مباشرة. كانت مجموعة من الأوراق كُتِبَ عليها (بخط اليد طبعاً) شيءٌ كأنَّه تقرير مفصل ومطول عن كل تلك السنوات التي لم نلتق خلالها، وعن أصدقائه الجدد، وعن رفاق عشقهم وعاش تجربتهم، وعن البلد وقريتنا «بِشرى»، وعن كل شيء خطر بباله أو ببالي.

لا أدري هل يتذكر «بلوت» (محمد حسين سالم جرادات)، الذي أصبح باحثاً.. بل خبيراً وعالماً في الآثار منذ سنوات، حيث أعتقد أنه لم يترك موقعاً أثرياً في الأردن، إلا وكان حاضراً فيه على مدار أكثر من ربع قرن، وما زال – هل يتذكر ذلك؟ وهل يسمح لي بالبوح بهذا اللقب المحبب؟ أرجو ذلك، بل أثق.
 
يتبع………………………. 
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *