سلمان في موسكو.. وقود محلِّيّ لزيارة «تاريخيّة»

سلمان في موسكو.. وقود محلِّيّ لزيارة «تاريخيّة»

// أنطون كاساتكين //

 

 

 

اختارت وسائل الإعلام وصف زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو بـ«التاريخية» و«الأولى لملك سعودي إلى روسيا»؛ وفي الحقيقة، زار الملوك السعوديون موسكو، بدءاً من العام 1932، مراراً، ولكن بصفتهم أمراء، قبل توليهم العرش، رغم أن الاتحاد السوفيتي كان أول دولة غير عربية اعترفت بالمملكة العربية السعودية، وأقام علاقات معها منذ العام 1926.

 

في ذلك الحين، كانت «زيارات الأمراء» هي المستوى الأقصى المسموح به للعلاقات بين الدولتين في ظل النظام الدولي القديم، الذي مثلت فيه عصبة الأمم المتحدة الهيمنة البريطانية الفرنسية على العالم. واستمر الحال كذلك بعد وراثة الولايات المتحدة للنفوذ البريطاني في منطقة الشرق الأوسط؛ وهذا يعني بدرجة كبيرة أن زيارة الملك السعودي الحالية هي زيارة بلا تاريخ، فهل تكون هي نفسها «تاريخية»..!؟

 

بداية، يجب الإقرار بأن كون الزيارة هي «الأولى من نوعها لملك سعودي»، لا يجعل منها تاريخية. خصوصاً إذا لم نجارِ وسائل الإعلام وكرم الحفاوة والتصريحات البروتوكولية؛ فما يمكن أن يجعل منها تاريخية فعلاً هو توفر الإرادة لدى الطرفين في كسر مألوف العلاقة بينهما في ملفات وقضايا معينة. في حين أن إرادة الطرفين اليوم تمضي نحو التفاهم على أساس ما هو موجود لديهما على أرض الواقع، وتحسين قدرتهما على التعاون برغم التناقضات، وليس توحيد الإرادات باتجاه واحد. كما أن ليس من الوارد أن يجري اتفاق شامل يمكن وصفه بـ«التاريخي» بشأن القضايا المطروحة، والملفات المفتوحة، وهي كثيرة. وليس هنالك من ينتظر ذلك.

 

لدى الجانب الروسي على أرض الواقع، بالعلاقة مع السعودية، ملفات يمكن تصنيفها في ثلاثة أقسام:

 

الأول، سوق الطاقة، وفيه أسعار النفط، والتفاهم بشأن بعض الأسواق التي يتزاحم فيها الروس والسعوديون. وبهذا فإن المصلحة المشتركة والواقع على الأرض يضطران الطرفين إلى التفاهم. ولكن التفاهم بقوة الأمر الواقع لا يمثل تطوراً تاريخياً في العلاقة بين أي بلدين.

 

الثاني، ملف الاستثمار، وفيه استثمارات في مجال النفط وسواه. وأهمية هذا الملف ليست بحجمه، ولكن بإرادة التشارك والتعاون بين الطرفين، وتنويع المصالح المشتركة، ومضاعفتها، وجعل العلاقة بينهما واسعة ومتعددة الطوابق. وهو ما يعني علاقة بمستويات اتصال أكثر تنوعاً واتساعاً.

 

الثالث، الملفات السياسية، وأكثرها حراجة وإلحاحاً هو الملف السوري. وهذا الملف تم حسمه عملياً، ميدانياً وسياسياً، بعيداً عن التفاهم مع السعودية، بل وحتى بالتناقض معها، وبالتعارض مع سياستها.

 

ومن بين الملفات السياسية، كذلك، هناك ملف الدور والنفوذ الروسي المستجد في منطقة الشرق الأوسط، وملفات القضايا الإقليمية مثل العراق والصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب ملف العلاقات مع دول الخليج الأخرى. وهذه الملفات كلها، تم التعامل معها بعيداً عن الرياض، وبمعزل عنها، ولأسباب ثنائية.

 

باختصار، لا تحتاج موسكو إلى مجاملة العاهل السعودي لحفزه على التعاون في السيطرة على أسعار النفط أو التفاهم على سوقه، فالحاجة المشتركة تقوده إلى ذلك. ولا تطمع موسكو بالأموال السعودية لتنفيذ استثمارات، ولكن حاجة الطرفين إلى تعزيز علاقات التعاون تدفعهما إلى توسيع قاعدة المصالح المشتركة. ولا تحتاج موسكو إلى موافقة السعودية على الحل الروسي للأزمة السورية، الذي تبنى، بالذات، بلا تردد، وبالتناقض الحاد مع الموقف السعودي، استراتيجية الرئيس السوري بشار الأسد ورؤيته للحل وفق معادلة بشقين: عسكري وسياسي. وتم إنفاذ هذا الحل، وليس هنالك أمام الرياض وحلفائها من خيار سوى الإقرار بأن موسم الصيد في سوريا انتهى.

 

يمكننا هنا أن نتذكر أن الجانب السعودي تراخى لبعض الوقت في ترتيب هذه الزيارة، التي يجري الحديث عنها منذ وقت طويل، وقام بإرجائها أكثر من مرة، من باب الاحتجاج على محطات من دعم موسكو لدمشق. ولكن يبدو أن وقت الاحتجاج قد فات، فبات اتمامها مرغوباً؛ لذا، تمثل هذه الزيارة اعترافاً سعودياً بالأمر الواقع، الروسي والسوري، على حد سواء. وهو اعتراف يذكر باضطرار الرياض إلى الاعتراف بالأمر الواقع الروسي في سوق النفط.

 

ما الذي تريده موسكو من الزيارة؟

 

تريد موسكو من الزيارة فتح مغاليق الرياض، وإدماجها في منظومة التصور الروسي حول تعقيدات المنطقة، بما فيها الملف السوري بالطبع، وربط الموصلات السعودية بنظيرتها الروسية، بما يضمن ترجمة أية تفاهمات وتعاونات ثنائية إلى نتائج ملموسة.

 

هذا بالنسبة للجانب الروسي، فماذا عن السعودي؟

 

يأتي الملك السعودي إلى موسكو مثقلاً بملفاته الشاغله، التي تختلف عن أية ملفات كان يمكن أن يحملها أي ملك سعودي إلى العاصمة الروسية؛ فهو، خلافاً لكل أسلافه، ملك انتقالي، تنتقل المملكة بعده من أيد أبناء عبد العزيز إلى أحفاده، في لحظة تاريخية حرجة، تتطلب إعادة نظر في تموضع المملكة على المستوى الخارجي، وإعادة هيكلة على المستوى الداخلي.

 

وعليه، هو بالذات، أن يجعل من هذا الانتقال انتقالاً يسيراً، وأن:

 

أولاً؛ يضمن إعادة ترتيب أوراق المملكة على المستوى الخارجي على أفضل وجه، وبما يراعي المتغيرات والمستجدات الدولية.

 

ثانياً؛ يطمئن إلى أن إعادة الهيكلة الداخلية تجري في مسارها الدقيق، بين الألغام الداخلية التي تتعدد ما بين مؤسسة دينية متشددة، نافذة ومتجذرة في الدولة، ومجتمع محافظ وسلفي تثيره أبسط التحولات الليبرالية، وثقافة أبوية حوّلت الدولة إلى ممول للمواطنين.

 

ثالثاً؛ يتأكد من عدم تحول عائلته الحاكمة، التي يمتلك كثير من أركانها المؤثرين تصوراً مغايراً لآلية نقل الحكم إلى «الأحفاد»، إلى قنبلة موقوتة.

 

لقد بدأ التحوط لهذه المرحلة الانتقالية في عهد الملك السابق، الذي أسس بمشورة الملك الحالي، مؤسسة «هيئة البيعة»، التي يفترض بها أن تعمل على نقل المملكة تدريجياً من «الأبناء» إلى «الأحفاد». وها قد شاءت الظروف أن تكون هذه مهمة الملك الحالي، الذي بادر لدى تسلمه الحكم إلى تسمية الأمير محمد بن نايف، نجل شقيقه الأكبر الذي وافاه الأجل قبل تسلم الحكم، ولياً للعهد، فيما سمى نجله محمد بن سلمان ولياً لولي العهد.

 

ومن المفهوم أن هذا جاء التزاماً بمقتضيات الاتفاق على آلية نقل الحكم إلى «الأحفاد» ونظام «هيئة البيعة»، الذي اشترط على الملك الذي ينقل الحكم إلى «الأحفاد»، أن يختار واحداً من غير أبنائه، ضماناً لعدم تحول الحكم إلى وراثي في سلالة واحد من أبناء عبدالعزيز دون سواه. ولكن الملك سلمان عاد فأقال نجل شقيقه من ولاية العهد، وعين نجله مكانه، بالتعارض مع رؤية الملك الراحل، وجوهر التفاهم الذي قبله بقية «الأبناء».

 

وفي هذا ما قد يعقد مزاج أوساط في العائلة تجاه الملك المرتقب.

 

ليست هذه ملفات يضعها الملك السعودي على الطاولة في موسكو، ولكنها قضايا شاغلة ستظهر في صدارة كل ملف يتم فتحه، وبين سطور كل قضية يتم التباحث بشأنها؛ لذا، مهما تحدث الملك سلمان في موسكو، لن يقول شيئاً. ولكن واقع حال المملكة يكشف عن أولويات الملك السعودي، التي تتركز على:

 

  • ضمان وحدة البلاد في مواجهة مخططات دوائر محافظة في الولايات المتحدة، استدعت مواجهتها المبادرة إلى عزل قطر وتجريمها.

 

  • ضمان انتقال الحكم إلى ولي العهد.

 

  • التأكد من أن إجراءات إعادة الهيكلة الداخلية ستتم مِنْ دون «مضاعفات» عنيفة وخطرة.

 

عملياً، يمكن القول إن طائرة الملك السعودي، التي حطت به أخيراً في موسكو، أقلعت في رحلتها الروسية بوقود محلي ثقيل، يبطئ من اندفاعات الرياض الخارجية، ويشدها إلى الأولويات المحلية.

 

وفي جانب آخر مهم، يسعى الملك سلمان إلى ضمان الاعتراف بدور سعودي، متناسب مع مكانة المملكة في العالمين العربي والاسلامي، في سياق الوضع الناشيء في المنطقة بعد سبع سنين من الهزات التي استهلكت كل رهانات الرياض من جهة، وزعزعت أسس النفوذ الأميركي التقليدي من جهة ثانية. وجاءت بموسكو إلى المنطقة، ووضعتها على تماس مع كل شؤونها، من جهة ثالثة.

 

إن نجاح المباحثات في موسكو، في مختلف الملفات، يعزز تلقائياً ثقة الملك سلمان بقدرة حكمه على تخطي المرحلة الحرجة قبل تسلم الملك المقبل زمام الأمور، ويطمئنه على تجاوز التعقيدات العائلية، أو السيطرة عليها وإبقاءها ساكنة.

 

يجدر الانتباه هنا، إلى أن التعقيدات العائلية تشغل بال الملك السعودي، بالذات، بعلاقتها مع التعقيدات الأميركية؛ فالولايات المتحدة باتت تميل بقدر مزعج كفاية إلى التعامل مع المملكة وفق متوالية احتمالات، وقائمة تفضيلات، وسلسلة سيناريوهات؛ وفي كل متوالية احتمالات، وقائمة تفضيلات، وسلسلة سيناريوهات، هناك أسماء وترشيحات، وعلاقات قديمة متعددة ومتشعبة بأركان متنوعين من العائلة. لا، بل وتشرك أحياناً دولاً خليجية أخرى في تقييم الأوضاع السعودية.

 

وهنا، في علاقة المملكة بالولايات المتحدة، يفتقد الملك السعودي الزمان الذي كان بوسعه فيه اعتبار واشنطن «وصياً» موثوقاً على الحكم، وشريكاً قانعاً بضمان مصالحه ويتجنب التدخل الحرج في شؤون لعبة «العائلة والحكم».

 

ولهذا، فإن السعودية التي ربما تتحدث في موسكو عن تنويع السلاح، هي في الواقع تقصد تنويع العلاقات!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *