ستالين والشيوعيّون الصينيّون.. في وثيقتين تاريخيَّتين

ستالين والشيوعيّون الصينيّون.. في وثيقتين تاريخيَّتين

ياسر قبيلات
تعطي الوثائق المتعلقة بزعيم الدولة السوفيتية يوسف ستالين فكرة واضحة عن مواقفه من قائمة متعددة من القضايا النظرية والتنظيمية ونظرته وتقييمه للأحداث، وتؤرخ في الآن نفسه لطريقته في التعاطي مع كل ذلك.
لوحة للفنَّان السوفييتيّ ديمتري نالبانديان

ويشكل المنشور من هذه الوثائق، سواء على صورة وثائق كاملة أو مجتزأة، أرشيفاً من ثمانية عشر مجلداً؛ تتوزع ما بين برقيات ومحاضر اجتماعات وأحاديث، ومذكرات داخلية، وملاحظات بخط اليد كان يوجهها إلى رفاقه في القيادة السوفيتية، وتعليقات وتأشيرات مثبتة على الوثائق الرسمية التي يطالعها.

وتشغل العلاقات مع الحركة الشيوعية العالمية وقضاياها حيزاً غير قليل في هذه الوثائق، سواء ما كان يتعلق بالحزب الشيوعي البلشفي نفسه وأقطابه من أمثال بوخارين، زينوفييف، كامنييف، تروتسكي وغيرهم، أو ما يتعلق بالعلاقات مع الأحزاب الشيوعية في العالم، لا سيما الكبيرة منها. سواء في بلدان المعسكر الإشتراكي أو خارجه.
وهذه كلها مواضيع يمكن تناولها لاحقاً، على نحو مستقل!
وتبدو هنا غائبة، في هذه الوثائق، الفكرة الرائجة حول الشيوعيين في العالم، الذين يرفعون المظلات كلما أمطرت السماء في موسكو؛ وعلى نحو أدق، يصعب في هذه الوثائق العثور على مثل هذه النزعة لدى زعيم الدولة السوفيتية، الذي كان ينظر إليه في وقته باعتباره قائداً أوحداً للحركة الشيوعية العالمية. وتعطي المراجعة الشاملة لهذه الوثائق انطباعاً بأن مثل هذه الفكرة، إن وجدت وحيثما صدقت، فهي تنتسب لعهد سوفيتي متأخر؛ وأنها جاءت بالأصل في السياق الدعائي الموجه الذي أحاط بـ«المشكلة اليوغوسلافية».
لقد كان من الطبيعي أن تبرر دعاية جوزيف بروز تيتو «انشقاقه» باستقلاليته عن موسكو، وأن يفسر موقف أقرانه من قادة الأحزاب والدول الأوروبية الشرقية وانحياز الجسم الأعظم من الحركة الشيوعية العالمية ضده بالتبعية لموسكو. كما كان من المتوقع أن يجد هذا الإتهام من يصفق له، ويتبناه، ويردده مروجاً.
الوثائق الستالينية نفسها، تكشف واقعاً مختلفاً؛ كانت هناك أحزاب شيوعية، ومنها أحزاب كبرى، ترى أن عليها أن تتبع موسكو، وتسلم بالموقع القيادي للحزب الشيوعي البلشفي (السوفيتي) وقائده ستالين؛ ولكنها تكشف بالمقابل أن زعيم الدولة السوفيتية، كان يرفض هذه النزعة، ويقاومها، ولم يسلم بالقبول بها أبداً..
ومن هذه الوثائق وثيقتان تعودان إلى العام 1949؛ العام الذي احتفل فيه الزعيم السوفيتي باتمامه العام السبعين من عمره، ونعرض لهما اليوم مع ذكرى وفاته الثانية والستين، لعل ذلك يكون إشارة على فداحة إعتبار شخصية ستالين ملفاً مطوياً، وعدم الإنتباه إلى أن الضوء الذي ألقي عليه، يقتصر بالأساس على جملة الأفكار الدعائية المضادة التي تناولته، وخلقت شعوراً غير حقيقي بأنه لقي ما يكفي من الدراسة والبحث.
أهمية هاتين الوثيقتين تنبع من حقيقة أنهما تتعلقان بواحد من أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم: الحزب الشيوعي الصيني. وتضيئان على جوانب من العلاقة الملتبسة وغير معروفة في العلاقة ما بين الحزبين الشيوعيين الأهم في العالم: السوفيتي والصيني.
العلاقات مع موسكو
الوثيقة الأولى تتضمن حديث يوسف ستالين في اجتماع مع وفد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني برئاسة ليو تشاو تشي، في موسكو في الحادي عشر من تمّوز/يوليو 1949؛ وكان الوفد قد وصل إلى الاتحاد السوفيتي في أواسط شهر حزيران/يونيو، وعقد سلسلة من الإجتماعات واللقاءات. منها لقاء مع ستالين نفسه في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو، حيث تم بحث حاجات الصين من المساعدات الإقتصادية ومن الخبراء والمختصين السوفييت، وغيره.
الوثيقة تقتصر على حديث ستالين خلال ذلك الإجتماع. أو على الأقل هذا هو الجزء المتاح منه. ويبدو أن الرسالة التي رغب ستالين في إيصالها مِنْ خلال هذا الحديث كانت هي، بالذات، السبب الرئيس الذي جعل قائد الدولة السوفييتيَّة يدعو الوفد الصيني للقائه مجدّداً، بعد أقل من أسبوعين من الإجتماع الذي بحث القضايا الرئيسية المدرجة على جدول أعمال الزيارة. ويبدو الزعيم السوفييتيّ، في هذا الحديث، مذهولاً ومنزعجاً.
يقول ستالين:
«لقد أعلن الوفد الصيني أن الحزب الشيوعي الصيني سوف يلتزم بقرارات الحزب الشيوعي السوفياتي. هذا يبدو غريباً بالنسبة لنا. حزب دولة ما يتبع لحزب دولة أخرى. هذا لم يحدث أبداً. وهو غير جائز تماماً. كل واحد من الحزبين يجب أن يكون مسؤولاً أمام شعبه. يتبادلان المشورة مع بعضهما البعض في بعض القضايا، ويقدمان المساعدة كل منهما للآخر، وفي حالة ظهور الصعوبات يوحد كلا الطرفين جهودهما – نعم. هذا صحيح! وهنا، في هذا السياق، جاء اجتماع مكتبنا السياسي الذي أشركناكم فيه. هذا شكل من أشكال التواصل بين الحزبين. هكذا ينبغي أن يكون!».
ويضيف ستالين:
«نحن ممتنون جداً لهذه الثقة، ولكن لا يجوز أبداً قبول بعض الأفكار التي نقترحها، باعتبارها توجيهاً حزبياً ملزماً. يمكننا أن نقول إنَّ هذا نوع من المشورة الأخوية. وليس بالكلمات فقط، ولكن أيضا بالأفعال. يمكننا تقديم المشورة لكم، ولكن ليس إعطاء التوجيهات، لا سيما وأننا لسنا على علم بالوضع في الصين على نحو كاف، ولا يمكن مقارنة معرفتنا بمعرفتكم التفصيلية بهذا الوضع؛ ولكن الأهم من ذلك: نحن لا نستطيع إعطاء التوجيهات، لأن الشؤون الصينية ينبغي تناولها بالكامل من قبلكم. ولا يمكننا حلها بالنيابة عنكم.
عليكم أن تفهموا أهمية الموقع الذي تحتلونه، وحقيقة أن المهمة الملقاة على عاتقكم لها بعد تاريخي غير مسبوق. وهذا الكلام ليس مجاملة. بل هو بالتحديد توصيف لحجم مسؤوليتكم الكبير ورسالتكم التاريخية.
يحتاج جزبانا لتبادل وجهات النظر في ما بينهما، ولكن وجهة نظرنا يجب أن لا تؤخذ بأي حال من الأحوال باعتبارها توجيهاً. الأحزاب الشيوعية في بلدان أخرى يمكنها رفض اقتراحاتنا. وطبعاً نحن أيضاً نستطيع أن لا نقبل مقترحات الأحزاب الشيوعية في البلدان الأخرى».
أصل حديث ستالين
بالرجوع إلى أصل هذا الحديث، نعرف أن ستالين كان يعبر عن هنا دهشته من موقف الشيوعيين الصينيين القائل بالخضوع الكامل للقرارات السوفيتية. وهذا الموقف مشتق من توجيهات ماو تسي تونغ، التي عبر عنها في تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى بتاريخ 4 تمّوز/يوليو 1949، المسلَّم من الوفد الصيني إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي (السوفيتي).
ويأتي حديث ستالين هنا، بعد اطلاعه على الوثيقة، التي هاله على ما يبدو بعض ما ورد فيها؛ فقد جاء في هذه الوثيقة الحزبية الصينية، ما يلي:
«في ما يتعلق بمسألة العلاقات بين الحزب الشيوعي البلشفي والحزب الشيوعى الصينى: فإن الرفيق ماو تسي تونغ واللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى يعتبرون:
أن الحزب الشيوعي البلشفي هو المقر الرئيس للحركة الشيوعية العالمية، بينما الحزب الشيوعي الصيني يمثل مقراً لإتجاه واحد فقط. ومصالح الجزء يجب أن تخضع للمصالح الأممية؛ وبالتالي، فإن الحزب الشيوعى الصينى يخضع لقرارات الحزب الشيوعي البلشفي، رغم عدم وجود الكومنترن وعدم انتساب الحزب الشيوعي الصيني للمكتب الإعلامي للأحزاب الشيوعية الأوروبية “الأنفورم بيرو”».
هنا، تُظهر الوثيقة الأصلية أن ستالين، لدى قراءته لها، كتب في هذا الموضع منها: «لا!».
وتواصل الوثيقة الحزبية الصينية القول:
«إذا نشأ في بعض القضايا أي خلاف بين الحزب الشيوعى الصينى والحزب الشيوعي البلشفي، فإن للحزب الشيوعى الصينى التعبير عن وجهة نظره، مع التنفيذ والخضوع الكامل لقرارات للحزب الشيوعي البلشفي».
هنا، تُظهر الوثيقة الأصلية أن ستالين كتب في هذا الموضع، أيضاً: «لا!».
وتواصل الوثيقة الحزبية الصينية القول:
«ونحن نعتبر أن من الضروري إقامة أوثق العلاقات المتبادلة الممكنة بين الطرفين، وأن يتبادلا الممثلين السياسيين من ذوي المسؤولية العالية المناسبين لمعالجة القضايا التي تهم حزبينا، إلى جانب تحقيق تفاهم متبادل أكبر بين الطرفين».
هنا يكتب ستالين: «نعم!».
وتواصل الوثيقة الحزبية الصينية القول:
«ونأمل أن تقوم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي والرفيق ستالين، دون أدنى حرج، وباستمرار ودون أية قيود، بإعطاء تعليماتهما وانتقاد عمل وسياسات الحزب الشيوعي الصيني».
حول الاشتراكية الصينية
الوثيقة الثانية تسجل حديث ستالين مع ماو تسي تونغ، خلال حفل الاستقبال الذي أقامه السفير الصيني في موسكو مساء الرابع عشر من شباط/فبراير 1950، بمناسبة توقيع معاهدة التعاون والتحالف السوفيتية الصينية، وفيها ينتقد ستالين مقولات ماو تسي تونغ حول الاشتراكية الصينية، أو حول تصيين الإشتراكية، فيقول متحدثاً إلى الزعيم الشيوعي الصيني:
«أنت تتحدث عن نوع من الإشتراكية المتصينة، وهذا شيء غير موجود في الطبيعة. ما من إشتراكية روسية، ولا إنجليزية، ولا فرنسية، ولا ألمانية، ولا إيطالية، وليس هنالك من إشتراكية صينية. هناك فقط الإشتراكية الماركسية اللينينية. أما ضرورة أخذ طبيعة الخصائص المتعلقة ببلد ما، لدى بناء الاشتراكية فيه، بعين الاعتبار، فهذا شيء آخر تماماً. ولكن الاشتراكية – هي علم، وهي بالتأكيد، مثلها مثل أي علم، لها قوانينها العامة، ولا يلزم إلا الابتعاد بها عن هذه القوانين العامة قليلاً، حتى ينتهي بناء الاشتراكية إلى الفشل الحتمي.
ما هي هذه القوانين العامة لبناء الاشتراكية.
       إنها أولاً، وقبل كل شيء، ديكتاتورية البروليتاريا – دولة العمال والفلاحين. ذلك الشكل الخاص من أشكال التحالف بين هذه الفئات مع الإحتفاظ الضروري بالدور القيادي للطبقة الأكثر ثورية في التاريخ: الطبقة العاملة. هذه هي الطبقة الوحيدة القادرة على بناء الاشتراكية، وسحق مقاومة المستغلين والبرجوازية الصغيرة.
       الملكية الاجتماعية لوسائل وأدوات الإنتاج الأساسية. ومصادرة جميع المصانع والمعامل الكبيرة وإدارتها من قبل الدولة.
       تأميم جميع البنوك الرأسمالية، ودمجها في بنك واحد مملوك للدولة، والرقابة الصارمة على أنشطته من قبل دولة ديكتاتورية البروليتاريا.
       إدارة الإقتصاد الوطني وفق مبدأ التخطيط المركزي الموحد من قبل مركز رئيسي واحد. مع إلزامية الأخذ في بناء الإشتراكية بمبدأ: من كل حسب قدرته، ولكل حسب عمله، وتوزيع الثروة بحسب نوعية وكمية عمل كل فرد.
       التطبيق الإلزامي للفكر الماركسي اللينيني.
       إنشاء قوات مسلحة، من شأنها أن توفر إمكانية للدفاع عن مكتسبات الثورة. وتذكر دائماً أن الثورة تستحق قيمتها، فقط إذا كانت تستطيع وتعرف كيف تدافع عن نفسها.
       القمع المسلح بلا هوادة لأعداء الثورة والعملاء الأجانب.
هذه هي، إن أمكن القول باختصار، القوانين الأساسية للاشتراكية كعلم، يتطلب أن نتعامل معه كعلم. إذا فهمتم هذا فإن بناء الاشتراكية في الصين سيكون على ما يرام. وإن لم تفهموه، فإن ذلك سوف يجلب الكثير من الضرر للحركة الشيوعية العالمية. في الحزب الشيوعي الصيني، كما نعلم، هناك طبقة رقيقة من البروليتاريا مقابل مشاعر قومية قوية جداً، وإذا لم تطبقوا سياسة علمية، سياسة طبقية ماركسية لينينية حقيقية، وجنحتم إلى تجنب الصراع مع القومية البرجوازية، فإن القوميين سيسحقونكم. ثم لن تتعطل فقط عملية البناء الاشتراكي، بل يمكن أن تصبح الصين نفسها لعبة خطرة في أيدي الإمبريالية الأميركيَّة. أنا أوصي بإلحاح أن تسترشدوا أكثر وأكثر، في بناء الاشتراكية في الصين، بعمل لينين الرائع “المهام الملحة أمام السلطة السوفييتية”. هذا هو مفتاح النجاح».
ينتهي حديث ستالين هنا.
سيقول ماو تسي تونغ في العام 1957 لوزير الخارجية السوفيتي الجديد، آنذاك، أندريه غروميكو، إنَّ ستالين اتهمه بأنه جعل الشيوعية في الصين قومية، وإنَّه، هو نفسه (ماو تسي تونغ)، رغم أنه شيوعي، إلا أنه في قرارة نفسه مجبول قومياً. 
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *