رصاصة لا تعرف الفرق

رصاصة لا تعرف الفرق

// د. عماد الحطبة //

 

 

قبل أيام، دخلت في نقاش فيسبوكي عن «ما قبل الحداثة». يومها، غضب مني الكثير من الأصدقاء واتهموني بالتعاطف مع رموز «مشبوهة» (محمود درويش وإميل حبيبي)، بل إن أحدهم اتهمني بأنني من مؤيدي التمويل الأجنبيّ. البعض الآخر، انسحب من النقاش باكراً أو لم يشارك به.. لكنه رد، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على ما طرحت، من خلال منشورات متهكمة أو غاضبة.

 

خلاصة فكرتي كانت أن معظم المثقفين يقومون بممارسات ما بعد حداثية من خلال إصرارهم على تحطيم الرموز، ولا أتحدث هنا عن الرموز السياسية فقط، ولكنهم يتجاوزون إلى الرموز الثقافية والفكرية أيضاً.

 

الغريب أن هؤلاء عندما يحملون معاولهم ومناجلهم لتحطيم رموزنا وقتل «آبائنا»، يكونون قساة لا يقبلون المساومة، وكأنهم يرون العالم ببعد واحد، وكأن في هذا العالم حقيقة واحدة.

 

ماذا إن سعى مواطن أسود من جنوب إفريقيا إلى تحطيم صورة «نلسون مانديلا»؟ الأرقام تقول إن وضع المواطنين السود في جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الابارتهيد أسوأ بكثير مما كان عليه قبل ذلك. ولكن، هل تستطيع أن تقف في جوهانسبرغ لتقول إن نلسون مانديلا كان السبب؟ هل قرأت، مثلاً، أنَّ كاتباً أو مثقفاً يهاجم شاعر الهند العظيم طاغور لأنه تزوج فتاة في العاشرة من عمرها؟ السبب هو أنَّ هؤلاء ماتوا وتحولوا إلى رموز لشعوبهم، وتحطيم صورهم مِنْ دون مناسبة أو داع لن يحقق إلا مزيداً من الخراب، فأنت عندما تقتل «الأب» تجيز، ولو مِنْ دون وعي منك، قتل كل «أب».

 

لنأخذ محمود درويش مثلاً؛ فهو بالنسبة لغالبية العرب رمز لفلسطين ولشعر المقاومة وللثورة. قد لا يكون كذلك، لكن هذه هي الصورة التي يحملها البسطاء، هم يحبون «سجل أنا عربي».. حتى لو لم يحبها محمود نفسه، يطربون لغناء «مديح الظل العالي» بصوت ماجدة الرومي، ولا يفهمون «مأساة النرجس وملهاة الفضة». يوم حملت معولك لتحطم صورة محمود درويش كنتَ تحطم صورة رمز المقاومة في أذهان البسطاء، وليس رمز السلام كما هو في ذهنك، كنت تحطم رمزاً للصمود والتمسك بالأرض في ذهن البسطاء وليس مَنْ أحب ريتا اليهودية كما تعلم أنت (أنا شخصياً لم أعرف هذه المعلومة إلا مؤخراً)، وتحطيم الرمز كما علّمنا تاريخنا لا يُنتج ثورة قدر ما ينتج يأساً وإحباطاً… أعدك أن اليائس لن يهتم إذا كان استعمال «اسخيليوس» في إحدى القصائد رمزاً للثورة أم للاستسلام.

 

اليوم، يغضب نفس الأشخاص عندما تنبري مجموعة (مشبوهة) للنيل من رمز وطني وقائد وشهيد. أعني «أبو علي مصطفى». بالنسبة لهؤلاء؛ تصطدم رمزية صورة أبو علي مصطفى، برموز أخرى هم صنعوها، وفي سياق هذا التضاد الأعمى يتحول مناضل رمز اُستُشهِدَ على يد الصهاينة إلى خائن وقاتل مأجور. مهما رفعتَ صوتك بالصراخ، فأنت السبب… أنت مَنْ قلتَ إن الرمز يمكن أن نختزل صورته بما يلوح لنا منها مِنْ زاوية نظرنا، وإن الرموز ليست أصناماً، وحملتَ لواء «توعية» الشعب بفساد رموزه… هناك الآن مَنْ يقتل «الأب»، مثلك تماماً، لكنك غاضب لأنه يقتل «أباك»…

 

تتطاول القصة؛ فأنت أيضاً تقف ضد تهديد حياة المثقفين؛ لكن مثقفك يختلف عن المثقفين الآخرين… مثقفك يحمل مشروعاً، الآخرون بالكاد يحملون أفكاراً.. حتى إن كانت بالنسبة لآخرين تعتبر مشروعاً… المشروع الوطني الوحيد والحقيقي هو مشروعك. والسؤال الذي يخطر بالبال فوراً: هل تعرف الرصاصة الفرق؟

 

أيها المثقف «العضوي» الطاهر النقي الذي يكشف خفايا النفوس ويرى من وراء حجاب… يا من تسبر أغوار القلوب فتعرف بياضها من سوادها… أنت صاحب قضية، لكنها قضيتك الشخصية… أنت تجلس في معتكفك أو أمام مرآتك وتخاطب صورتك: «يا إلهي كم كنتُ على صواب!» وتتعاظم الأنا إذا وجدت في مكانٍ ما قصاصة ورق تدين فلاناً أو ترصد عثرةً لعلان، فتصبح أميراً على إمارة الأتقياء وشيخاً لـ«طريقة» الأنقياء.

 

هناك مَنْ تتلوَّث أقدامه بطين الواقع، ليخطوا – لو خطوة – إلى الأمام.. وهنالك، أنت تقف على الحافة، مستهزئاً بمن يغوصون في هذا الطين، ومفتخراً بنقاء ثوبك.. حتى لو كان ذلك يعني أنك لا تفعل شيئاً.

 

هناك مَنْ يراها معركة واحدة لا يمكن تقسيمها على ذوقك… وهنالك أنت تختار القضايا النظيفة والسماء الشفافة والمياه الرقراقة.

 

أنا سأنحاز إلى أولئك الذين اختاروا أنْ يغوصوا في طين الواقع، مِنْ دون أن أهاب «تنظيرك» وحذلقتك وأسبابك الذاتية والموضوعية؛ سأنحاز إلى «أبو علي مصطفى» وغسان كنفاني ومحمود درويش وناهض حتر وباسل الرفايعة وزليخة أبو ريشة… سأنحاز إلى كل من يرفع في وجه ظلام الرجعية أو الاستعمار قلماً أو إصبعاً أو بندقية..

 

سأنحاز إلى من أختلفُ معهم أكثر من انحيازي إلى من أتفقُ معهم، رغم قناعتي أن «خيمة عن خيمة بتفرق»…

 

أتعرف لماذا؟

 

لأن رصاصة القاتل عندما تخترق القلب… لا تعرف الفرق.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *