رسائل حبّ عاملة النحل

رسائل حبّ عاملة النحل

سعود قبيلات

“حب عاملة النحل” اسم رواية للمناضلة السوفييتيَّة المعروفة ألكسندرا كولنتاي؛ ترجمها إلى العربيَّة  الأديب الأردنيّ الراحل مؤنس الرزَّاز في أوائل ثمانينيَّات القرن الماضي. وهي تحكي تجربة حب عاصفة لمناضلة سوفييتيَّة نشيطة، مع مناضل فوضويّ (من التيَّار الثوريّ الفوضويّ الَّذي يرفض المؤسَّسات ويدعو إلى الحريَّة الكاملة).

تدور أحداث الرواية بعيد قيام الثورة السوفييتيَّة بقليل. ويبدو لي أنَّه إلى جانب جمال الرواية، فإنَّ ما جذب مؤنس للقيام بترجمتها هو أنَّ كاتبتها غير معروفة كأديبة، رغم أنَّها معروفة كمناضلة ثوريَّة. ولكون بطلة الرواية أيضاً مناضلة ثوريَّة نشيطة، منغمسة بالكامل بقضيَّة الثورة المحتدمة آنذاك، لكنَّها في الوقت نفسه لا تجد غضاضةً في خوض مغامرة حبٍّ عاصف وإشكاليّ. وهو ما كان يتناقض مع المفاهيم الاجتماعيَّة الَّتي كانت سائدة في الحركة “الثوريَّة” العربيَّة في ثمانينيَّات القرن الماضي، حيث كان النموذج “الثوري” أقرب إلى المحافظة الاجتماعيِّة، بل والسياسيِّة. وربَّما أنَّ مؤنس فكَّر بهذه المفارقة وأراد أنْ يقدِّم للقارئ ما يقابل هذه الصورة في النموذج السوفييتيّ في عهده الثوري، قبل أنْ يصبح محافظاً.
وفي هذا السياق، يمكن القول أنَّ سؤال الحبّ والعلاقة بين المرأة والرجل كان مُثاراً بقوَّة في بداية الثورة السوفييتيَّة، بل إنَّ هذا الموضوع كان يناقش خلف متاريس الثورة، كما أوضح كتاب “البقسماط الأسود” لناديجدا كروبسكايا (زوجة لينين). وكان مثاراً أيضاً، قبل ذلك، في كلاسيكيَّات الفكر الماركسيّ، خصوصاً في كتاب “أصل العائلة والملكيَّة الخاصَّة والدولة ” لفريدريك أنجلز، الَّذي تضمَّن تحليلاً جريئاً لهذا الموضوع ورؤية ثوريَّة حقيقيَّة له.
أمَّا فيما بعد، عندما هيمنت الأفكار المحافظة على توجُّهات السلطة السوفييتيَّة؛ وتركت التأثيرات الاجتماعيَّة الفلاحيَّة بصمتها الواضحة على الحركة الثوريَّة، في منطقتنا وفي الكثير مِنْ بلدان العالم الثالث، أصبحتْ شخصيَّة المناضل الثوريّ، أشبه ما تكون، أحياناً، بشخصيَّة رجل الدين، أو شخصيَّة الفلاح التقليديّ، منها بشخصيَّة الإنسان الثوريّ التقدُّميّ.
على أيَّة حال، هذه المقدِّمة ليست للحديث عن رواية كولنتاي الجميلة، بل للحديث عن حب “عاملة نحل” أخرى، هي روزا لكسمبورغ القائدة الثوريَّة البارزة، المعروفة بمجادلاتها النظريَّة العميقة مع كبار مفكِّري الماركسيَّة، في زمانها، وقادتها البارزين: لينين، كاوتسكي، برنشتاين ..الخ . وقد عُرفتْ، أيضاً، بالسجون الأوروبيَّة العديدة التي حُجِزتْ حُرِّيَّتها فيها (في بولونيا وروسيا وألمانيا). كما كانت مِنْ أبرز قادة انتفاضة 1918- 1919، في ألمانيا، إلى جانب القائد الثوريّ المعروف كارل ليبنخت. وقد شاركت في تلك الانتفاضة منذ لحظة خروجها من السجن، واشتهرت في الذاكرة الثوريَّة العالميَّة بمشهد وقوفها إلى جانب ليبنخت على شرفة القصر الإمبراطوريّ عام 1918، إبّان الإعلان عن قيام الجمهوريَّة الاشتراكية الألمانيَّة الَّتي لم تعمِّر .
وقصَّة حبّ روزا تكشفها بشكل جميل صفحات كتابٍ ترجمته إلى العربيَّة رندة الشهَّال، وقد صدر في بيروت، في أواخر سبعينيَّات القرن الماضي، عن دار ابن خلدون، وهو بعنوان “رسائل حبّ”. ويحوي هذا الكتاب رسائل روزا إلى حبيبها هانز ديفانباخ الَّذي كان في جبهة القتال في الحرب العالمية الأولى ، حيث كان قد جنِّد في سلاح المدفعيَّة، في البداية، ثمَّ كطبيب في جبهتي فرنسا وبروسيا. والرسائل، جميعها، كُتبت عام 1917، ما عدا اثنتين منها كُتبتا عام 1914، وهي مرسلة مِنْ سجن قلعة فرونكة في بوزفانيا بألمانيا، باستثناء الرسالتين اللتين أشرت إليهما واللتين أُرسلتا مِنْ حيّ سودانت في برلين، حيث كانت روزا تقيم، وثلاث رسائل في آخر الكتاب أُرسـلت مِنْ سجن برسلاو في ألمانيا.
وعندما نقرأ هذه الرسائل نجد أنّ هذه المرأة المنغمسة في تفاصيل العمل السياسي وفي دراسة ومناقشة قضايا فكريَّة معقَّدة، إنَّما هي إنسانة مرهفة جدّاً، إلى حدّ أنَّها تحنو على الطيور والحشرات الَّتي تؤمّ “غرفتها” في السجن أو تقترب منها. “حين تنـزلق نحلة في محبرتي أغسلها ثلاث مرَّات بالماء الفاتر وأنشِّفها على شرفتي في الشمس لأعيد لها شيئاً من الحياة”.
والعناية نفسها توليها للنباتات الَّتي تتواجد قرب “غرفتها”؛ وكذلك لمختلف أماكن السجن المحيطة بها؛ وتحوِّلها إلى أماكن أليفة؛ إلى درجة أنَّنا، ونحن نتابع حديثها عن تفاصيل عنايتها بأماكن سجنها، نكاد نظنّ أنَّها تتحدَّث عن بيتها، وليس عن السجن، لولا أنَّ العنوان المرسلة منه الرسالة مثبَّت بأعلاها. بل إنَّها كثيراً ما تستخدم كلمة “البيت” أو “بيتي” أو “الغرفة” للدلالة على مكانها في السجن. ونادراً ما تستخدم كلمة الزنزانة. أمَّا محيط “غرفتها” فلا نعرف منه سوى “حديقتها” أو “نباتاتها” الَّتي تدأب على سقايتها ورعايتها والاعتناء بها باستمرار. وما عدا ذلك ، فوصف جميل للسماء البعيدة والعصافير الَّتي تحطُّ على “نافذتها” أو في “حديقتها” والنحل الَّذي يؤمّ “غرفتها” جماعاتٍ، لِما توفِّره له، متعمِّدةً ، مِنْ سكاكر؛ واليعاسيب الَّتي تدخل “الغرفة” فلا تعرف كيف تخرج منها إلاّ بمساعدة روزا الَّتي لا تنال جزاءً على ذلك إلاّ لسعةً موجعةً في يدها، بدلاً من الشكر. والناس الَّذين تستحضرهم ذاكرتها هم دائماً مِنْ خارج السجن؛ رفاق ، وأصدقاء، وخصوم سياسيّون، وأدباء ، وكتّاب، ومثقفون. كما أنَّها، أيضاً، تصف ما تتخيَّله مِنْ حياة الناس في البيوت المحيطة بالسجن، أمَّا السجن نفسه فلا تصفه بتاتاً. لذلك، فإنَّ الصورة التي تتكوَّن عنه في ذهن القارئ غائمة وتعتمد إلى حدٍّ كبير على خياله الخاصّ. كما أنَّنا لا نكاد نلحظ أيَّ وجود للسجَّانين ولا للسجناء الآخرين في أيٍّ مِنْ رسائلها. إنَّها، كما توحي لنا الرسائل، امرأة وحيدة متوحِّدة في مكان وجودها الاضطراري ذاك. أو هي، بالأحرى، كما هو نزوع السجناء الطبيعيّ عموماً، كانت تحاول، في لا وعيها، أن تقفز عن حياة السجن، التي تمثِّل خبرة إنسانيَّة مزعجة، إلى فردوس الحياة الطبيعيَّة المفقود في الخارج. 
وهذه المناضلة القويَّة العنيدة لا تتردَّد في الكشف عن لحظات ضعفها وألمها في السجن؛ بخلاف الصورة الزائفة للثوري “النمرود” الَّتي انتشرت فيما بعد، في فترة هيمنة الاتِّجاه المحافظ على الحركة الثوريَّة. وهي تفعل ذلك لأنَّها إنسانة حقيقيَّة. والإنسان الحقيقيّ يعرف حدود وإمكانات ذاته ويعترف بها، لذلك فإنَّه يتصالح مع ذاته ويحبّها؛ وعندما يحبّ الإنسان ذاته يستطيع أنْ يحبّ الآخرين، ويستطيع أنْ يتعاطف مع كلّ إنسان ومع كلّ كائن حيّ؛ بل إنَّنا نجد روزا تتخيَّل، في إحدى رسائلها، صورة إنسانيَّة لإحدى سجَّاناتها، وهو الموقف الوحيد، في تلك الرسائل، الَّذي ترد فيه إشارة للسجَّانين.
أمَّا مَنْ يتعامل مع آلام نفسه ببرود واستهانة؛ مَنْ لا يحبّ نفسه في الواقع، فإنَّه، بالتأكيد، لا يستطيع أنْ يحبّ الآخرين أو يتعاطف معهم.
وباختصار، فهذه الرسائل إنَّما هي قصَّة امرأة عاشقة، مرهفة، وصاحبة قضيَّة إنسانيَّة كبيرة، ترى أنَّ قضيَّتها تستحق أنْ تضحِّي مِنْ أجلها، ليس بحرِّيتها فقط، بل بحياتها أيضاً. وإذا ما التقت رهافة الحسّ بالعشق، بالإيمان بقضيَّة كبيرة، بالتضحية مِنْ أجلها بلا حدود، نكون أمام حالة إنسانيَّة خاصَّة للحبّ وللالتزام وللتضحية.
والرسائل كلُّها جميلة، وتعبِّر عن حسّ مرهف، وتكشف عن موهبة أدبيَّة رفيعة لم تتح لها الظروف الصعبة والانغماس في الجدال السياسيّ والفكريّ والعمل السياسيّ المباشر أن تكشف عن نفسها. وقد اخترت النصوص التالية ووضعت لها عناوين من عندي، آملاً أن تعطي فكرة عن أجواء هذه الرسائل وأسلوب كتابتها، خصوصاً وأنَّها، في حدود علمي، لم تحظ بأيّ قدر من تسليط الأضواء عليها؛ لا عند صدور ترجمتها العربيَّة ولا فيما بعد؛ رغم أهميَّتها وأهميَّة كاتبتها. وقد يكون هذا دليل إضافيّ على طبيعة التفكير الذي كان سائداً، آنذاك، في العالم العربيّ وربَّما لا يزال كذلك حتَّى الآن.  
أصوات
كلّ مساء، حين أكون جالسة أمام النافذة المشرعة ممدَّدة القدمين على كرسيٍّ آخر، أتنفَّس هواءً نقيّاً وأحلم، يصلني مِنْ مكان ما من الجوار، ضجيج متواصل، لسجَّاد يُطرق بحماس، أو لشيء مِنْ هذا القبيل. أجهل تماماً صاحب هذا العمل ومكانه. ولكن التكرار المنتظم لهذه الأصوات، يشعرني وكأنِّي على علاقة حميمة بهؤلاء الناس. هذه الأصوات توقظ فيَّ صوراً مبهمة عن نشاطٍ منـزليٍّ كثيف، عن بيتٍ صغير، كلّ ما فيه لماع ونظيف، ربَّما كانت صاحبته إحدى سجَّاناتنا التي لا تجد متسعاً للعناية بشؤون منـزلها الصغير إلا في وقتٍ متأخِّر من الليل؛ حين تنهي خدمتها. إنها ولا شك، أرملة أو عانس وحيدة مثل أغلب سجَّاناتنا، تمضي وقت راحتها القليل في إعادة ترتيب غرف منـزلها البسيط التي لا يدخلها أحد، وتكاد هي لا تستعملها إلا نادراً. لا علم لي بشيء محدَّد بالطبع، ولكن أصوات الطرق هذه تشعرني بالراحة. براحة مرتبطة بنظام ومحيط محدود قليلاً. وفي نفس الوقت، أغتمّ لفكرة الأفق الضيِّق والوجود الوضيع البائس: خزانة “مرتيكو”، صور فوتوغرافيَّة علاها الاصفرار، زهور اصطناعيَّة، ديوان قليل الطراوة.. أتعرف ذلك الانطباع الناجم عن أصوات نجهل مصدرها؟
مررت بهذه التجربة في كلّ السجون. في “زويكاو” مثلاً، كانت بطَّتان تعيشان في مستنقع قريب توقظاني في الثانية بعد منتصف الليل تماماً، على صوت نداء: “كوان، كوان، كوان، كوان”. كان أول الأصوات الأربعة عالي الوتيرة، فيه إصرار وقناعة تامَّان. ثم ينخفض الصوت على إيقاعٍ منتظم، ليتلاشى إلى وشوشة جهيرة خافتة. كان هذا الصراخ يوقظني، فأحتاج دوماً لعدة ثوان في الظلام، لأتلمَّس اتِّجاهي على الفراش القاسي كالحجر، ولأتذكَّر أين أنا. كان الإحساس الدائم ببعض الضيق في الزنازين، والتدرُّج الخاص لأصوات “الكوان كوان”، وواقع جهلي التامّ بمكان وجود البط، إذ لا أسمعها إلا في الظلمة، هذا كلّه كان يمنح ذلك الصراخ، شيئاً من الغموض والدلالة الخاصَّة. كنت أظن نفسي أستمع إلى حكمة كونيَّة، يجعلها التكرار المنتظم كلّ ليلة، ذات طبيعة مؤكَّدة وصحيحة منذ بدء الخليقة، مثل قاعدة الحياة القبطيَّة هذه:
“في أعالي السماوات الهنديَّة
وفي أعماق السراديب المصريَّة
لم أفعل غير الإنصات إلى القول المقدَّس”
إنَّ جهلي بمعنى حكمة البط هذه، وكوني لم أكن أمتلك إلا حدساً مبهماً حيالها، كان يغرق قلبي بقلق غريب. واعتدت في كلّ مرَّة، أن أظلَّ بعد ذلك مستيقظةً لوقتٍ طويل، مكتئبة.
كان الأمر في “برمستراس”مختلفاً تماماً. كنت آوي إلى فراشي مرغمة، في التاسعة ـ لأنَّ الضوء كان يطفأ ـ ولكن طبعاً لم أكن أغفو. بعد التاسعة بقليل، ووسط السكون الليليّ، كان يرتفع مِنْ أحد تلك الأبنية الكبيرة المواجهة، الشبيهة بالثكنات، بكاء صبيّ صغير في الثانية أو الثالثة. كان ذلك يبدأ دوماً ببعض أصوات الأنين المتقطع المنتزع من النوم ثم يتحوَّل الأنين إلى نحيب. كان الصبيّ الصغير يبكي بطريقة مؤثِّرة ولكن بلا أيّ حدَّة، بلا أيّ تعبير عن ألم أو رغبة محدَّدة وكأنَّ بكاءه انزعاج عامّ من الوجود وعجز عن مواجهة الحياة ومشاكلها وخصوصاً افتقاده للماما البعيدة على ما يبدو، عن متناول يده، وكانت هذه الدموع العاجزة تستمرّ ثلاثة أرباع الساعة بالضبط. في العاشرة تماماً كنت أسمع صوت الباب يفتح بقوة ووقع أقدام سريعة وخفيفة تملأ الغرفة الصغيرة برنينها، وصوت امرأة واضح النبرة، فتيّ، ما زال يعبق بهواء الشارع المنعش، و ـ “لماذا لا تنام”، “لماذا لا تنام” ثم صوت ثلاث صفعات محكمة التسديد تذكِّر بهذه المنطقة من الجسم الصغيرة اللذيذة المستديرة، المحتفظة بكلّ حرارة السرير. ويا للعجب كانت الصفعات الثلاث، كأنها تحلّ بنفس بساطة خروجها، كلَّ المشاكل المعقَّدة في الدنيا. فيتوقَّف البكاء وينام الصبيّ الصغير فوراً ويسود في الباحة مِنْ جديد، صمت مريح .
(……) لم أدرِ أبداً مِنْ أيِّ شـباك محاط “بالجيرانيوم” مِنْ أيِّ سقيفة كانت هذه الشبكة تنسج باتجاهي. كانت كل المنازل التي يمكن رؤيتها في ضوء النهار الساطع، تبدو رماديَّة، باردة، مغلقة بلا رحمة، وكأنَّها تقول “لا أعرف شيئاً” .
فقط في ظلمة الليل، مع تلك النسمات الصيفيَّة الدافئة، تنسج هذه العلاقات الغامضة بين كائنات لم تتعارف ولم تلتقِ مِنْ قبل. آه! ما زلت أذكر قصّةً حلوة مِنْ أيَّام “الإسكندر بلاتر”. أنَّ إقامتي لمدة ستة أسابيع هناك قد شيَّبت بعض شعري وأحدثت في أعصابي تصدُّعاً لن يشفى، ورغم ذلك تبقى لي ذكرى صغيرة تتألَّق في ذاكرتي كالوردة. هناك، كان الليل يهبط من الخامسة أو السادسة، إذ كنا على مشارف نهاية الخريف، في تشرين الأوَّل، وكانت زنزانتي خالية مِنْ أيِّ إنارة. ولم يكن بمقدوري أن أفعل في زنزانة ال11 متراً مكعباً تلك غير أن أتمدَّد على جنبي محشورة بين مفروشات لا توصف، منشدة بصوتٍ خفيض أشعار “موريك” العزيزة عليَّ، وسط الزمجرة الجهنَّميَّة للمترو المار باستمرار هازّاً الزنزانة بعنف، ملقياً أضواء حمراء على الزجاج المرتجف. ولكن بدءاً مِنْ العاشرة، كانت الموسيقى الجهنَّميَّة للقطارات، تنخفض رويداً رويداً، وتبدأ أصوات حادثة صغيرة تجري في الشارع، تصل إلى الأسماع: أولاً صوت فتاة صغيرة في حوالي الثامنة، تجري وتقفز وهي تغنِّي “لازمة” ما، وتنفجر ضاحكة، ضحكةً فضيَّة وصافية مثل رنين جرس. ربما كان الرجل أحد البوَّابين، متعب ومتذمِّر، يصرخ على ابنته الصغيرة أن تأوي إلى المنـزل للنوم. كانت العفريتة الصغيرة ترفض أن تطيع، تاركة نفسها تنادى وتلاحق بالصوت الجهير للأب الملتحي. كانت تمرح في الشارع مثل فراشة وتشاكس والدها الذي يحاول الظهور بمظهر صارم بينما هو يغنِّي لحناً مرحاً. وكنت كأنك ترى بالفعل، التنانير القصيرة تتمايل والسيقان النحيلة تطير في خطوات راقصة. وكان يشع من الإيقاع الراقص للأغنية، من الضحكة اللؤلؤيَّة، فرحٌ بالحياة عابث وظافر إلى حد أنَّ مباني إدارة البوليس القاتمة، كانت تبدو مغلَّفة برداء من الضباب الفضيّ وأنَّ زنزانتي الكريهة الرائحة، كانت تمتلئ بما يشـبه رائحة الورد الجوريّ حين يُنثر على الأرض.. هكذا يمكن أن تلتقط في الشارع، في أيِّ مكان، بعض السعادة فتتذكَّر على الدوام أنَّ الحياة جميلة وغنيَّة.
سنونو
هانزهن. لا يمكنك تصوُّر الزرقة التي كانت عليها السماء اليوم. أم أنَّها كانت كذلك في ليسا؟ أنا معتادة على الخروج مساءً قبل إغلاق الأبواب، لمدَّة نصف ساعة أروي مسطبة نباتاتي (بنفسج، وأذن الفأر وفلوكس) بمرشاش أملكه، وأتنـزَّه قليلاً في الحديقة. إنَّ لساعة الغروب هذه سحر خاص. تكون الشمس ما زالت محرقة ولكن المرء، بكلّ طيبة خاطر، يترك وجنتيه ورقبته تُلذع بأشعتها المائلة، كما قُبلة.
كانت نسمة خفيفة تحرِّك الشجيرات وتبدو كأنَّها تعد موشوشة أنَّ برودة المساء ستعقب قريباً حرَّ النهار. وفي السماء المشرقة الزرقة كانت تتجمَّع عالياً بعض الأبخرة مثل شبحٍ أو حلمٍ. وكانت السنونو قد بدأت بطيرانها الغروبيّ، جماعاتٍ، تمزِّق بأجنحتها الصغيرة حرير الفضاء الأزرق، تروح من هنا وهناك وتندفع إلى ارتفاعاتٍ شاهقة مطلقةً زقزقة حادَّة.
كنت أقف هنا، مرشاشي المبتلّ في يدي، أحسُّ بحنين ورغبة لا تقاوم في الغوص في الأعالي، في ذلك الأزرق الرطب المشع، أستحمُّ فيه وأتخبَّط وأتحلَّل نهائيّاً في الزبد وأختفي.
الأزرق والرماديّ
مرَّ علينا هنا، اليوم أيضاً، نهار، جماله لا يعقل ولا يوصف. أعود عادة إلى غرفتي في العاشرة، للعمل. لم أستطع. كنت ممدَّدة في كنبة الخيزران رأسي ملقى، بلا حراك. كانت غيوم هائلة، خارقة الأشكال، موضوعة في كلّ مكان على الأزرق الصافي، وكنت ترى التماع السماء عند محيطها المخرَّم. وكان ضوء الشمس كأنَّه حاشية تزيِّنها من كلّ الجوانب. كانت ناصعة البياض ولكنَّها في الوسط، كانت تتلوَّن بلون رماديّ يتدرَّج من الفضيّ الشفاف إلى اللون القاتم للعواطف. ألاحظتَ مدى جمال وغنى اللون الرماديّ. إنَّ فيه نبل وهيبة ما، وكثير من الإمكانات.
وكم أنَّ هذه التلوينات الرماديَّة جميلة، حينما تبرز على الخلفيَّة الزرقاء الصافية للسماء. تماماً كما يلائم ثوب رماديّ، عيوناً زرقاء غامقة. في الوقت نفسه كانت شجرة الحور الكبيرة في حديقتي تصدر حفيفاً. كانت أوراقها ترتجف كما في رعشة لذيذة وتلتمع في الشمس. خيَّل لي، خلال هذه الساعات الطويلة التي غرقت فيها في أحلام رماديَّة وزرقاء، بأنِّي عشت آلاف السنين.
نحل
منذ أيَّام تجتاح زنزانتي أفواج من النحل، تدخل إليها وهي تطلق أزيزها، المعروف. (وأنا بالطبع أترك نافذتي مفتوحة ليل نهار) إنَّها تبحث عن الغنائم وأنا في هذا المجال، كما تعلم، مضيافة. لقد وضعت لها قصعة صغيرة تحوي كلَّ أنواع السكاكر. وهي تستولي عليها بحماس. من المفرح رؤية كيف أنَّ هذه المخلوقات الصغيرة تختفي خلف النافذة كلَّ دقيقتين، ناقلةً حمولةً جديدة إلى حديقةٍ قريبة لا أرى منها إلا الأوراق الخضراء.
غناء عصفور
إنَّ قلبي يرتعش إثارةً ومعاناةً، لدى سماعي هذا الغناء، فأرى وجهاً جديداً لحياتي وللعالم، كما لو كانت الغيوم تتبدَّد، ويسطع على الأرض شعاع شمس برَّاق. واليوم، فإنَّ هذا الغناء الرقيق على الحائط، والذي لم يستمر أكثر من نصف دقيقة، قد ملأ صدري بفيضٍ من الحلاوة والحنان. وندمت فوراً على كلِّ أذىً أوقعته يوماً ببشر، على كلِّ قسوة أحاسيس أو خاطر مارستها. وقرَّرت مرَّةً أخرى من جديد أن أكون طيِّبة، طيِّبة بكلِّ بساطة بأيِّ ثمن. هذا أفضل من أن أكون “على حق”، وأن أحاسب بدقَّة على كلِّ إزعاج صغير.
انتصارات ناعمة
متى ستنهون أخيراً هذه الحرب، لنتمكَّن من جديد من الاستماع إلى فيغارو. مع الأسف! أشك في أنَّك تتخلَّى لآخرين سواك عن الانتصارات على الفرنسيّين، وتكتفي بانتصارات أكثر سلماً وسكوناً على الفرنسيَّات، أيُّها “السافل” الصغير! لذا الحرب لا تتقدَّم! ولكنِّي أمنعك من جميع “الالحاقات” أتسمع؟ وإنِّي أصرُّ قبل كلِّ شيء على الحصول على تقرير مفصَّل وعلى “اعتراف كامل، مليء بالتوبة”.
قانون أساسيّ
القانون الأساسيّ الذي حدَّدته كقاعدة للحياة: أن نكون طيِّبين هذا هو الأساس؛ طيِّبين بكلِّ بساطة. هذا ما يشمل كلَّ شيء ويساوي أكثر من كلِّ الذكاء ومن كلِّ ادِّعاءاتنا أنَّنا على حقّ.
زيارة
هانزهن!
كم أفرح لزيارتك! فقط لا تفاجئني. أرسل عند الاقتضاء، برقيَّةً بالموعد. ويوجد أيضاً شيء:
1.  تعال باللباس العسكريّ.
2.  كن هنا طبيعيّاً تماماً، كما لو كنَّا في المنـزل. إنِّي أصرُّ على قبلة الوداع المعتادة. وإلا، إذا بدوت جامداً وخجلاً، سأكون كذلك أيضاً وأكثر. وعندها لن يستمتع كلانا بأيِّ شيء. لكنِّي أنتظرك بفارغ الصبر.
لمن هذا الفم؟
هانزهن! أنائم أنت؟ جئت أدغدغ أذنك بقشَّة طويلة. أحتاج للصحبة، فأنا حزينة وأريد أن أفضي باعتراف. كنت في الأيَّام الماضية شرِّيرة، ولذا تعيسة ومريضة. أو إذا اتَّبعنا الاتجاه المعاكس، كنت مريضة لذلك تعيسة وشرِّيرة.
()
هانزهن، أُسعدتَ صباحاً. هاأنذا، من جديد، أحسُّ اليوم أنِّي وحيدة للغاية، ويجب أن أتعزَّى قليلاً بالثرثرة معك. كنت بعد ظهر اليوم، ممدَّدة على الكنبة للقيلولة كما وصف لي الطبيب، وكنت أقرأ الجرائد. وبما أنَّ الساعة كانت تشير إلى الثانية والنصف، قرَّرت أنَّ وقت نهوضي قد حان. ولكنِّي بعد لحظة، نمت سهواً وحلمت حلماً رائعاً، دافقاً ولكن مبهماً. أذكر فقط أنَّ شخصاً عزيزاً كان بقربي، أنِّي كنت ألمس شفتيه بإصبعي وأسأل: “لمن هذا الفم؟” وكان الشخص المعني يجيب “إنَّه لي” “كلاّ ـ كنت أصيح ضاحكةً ـ هذا الفم ملكي أنا”. واستفقت وأنا أضحك لهذا الهذر.
إنَّ هذا الحلم الطويل قد دام لمدَّة ثانية واحدة، ولكنَّه ترك لي الإحساس بتجربة لذيذة فعدت إلى الحديقة راضية.
خاتمة قصَّة روزا نفسها
انتهت قصَّة روزا وحبيبها هانز نهاية مأساوية تماماً؛ فقد قتل هانز في الحرب عام 1917، وهي ما تزال في السجن. ولم يكن مصيرها بأفضل من مصيره، إذ خرجت من السجن في انتفاضة 1918، ووقفت وقفتها الشهيرة مع كارل ليبنخت على شرفة القصر الإمبراطوريّ؛ ولكن ما لبثت الانتفاضة أن أُخمدت عام 1919، وأعيد اعتقالها هي وليبنخت، وقُتلا بدون محاكمة على أيدي حرَّاس السجن.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *