رجل محترم على نطاق واسع!

رجل محترم على نطاق واسع!

سعود قبيلات
بثَّتْ وكالة «رويترز» للأنباء، مؤخَّراً، خبراً مفصَّلاً عن تصريحات روبرت ستيفن فورد، الأخيرة، التي انتقد فيها بشدّة موقف إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباماً من الصراع الدمويّ الدائر في سوريَّة، لأنَّها – برأيه – لا تقدِّم للمجموعات المسلَّحة في سوريَّة ما يكفي من الدعم! بيد أنَّ مستشارة مجلس الأمن القوميّ الأميركيّ، سوزان رايس، سرعان ما كشفتْ، في تصريحاتٍ أدلتْ بها لشبكة سي. إن. إن الأميركيَّة، يوم السبت الماضي، أنَّ كلام فورد هذا غير صحيح بالمرَّة؛ إذ قالت: «الولايات المتَّحدة كثَّفتْ دعمها للمعارضة المعتدلة والمؤكَّد أنَّها كذلك، مقدِّمةً لها مساعدةً فتَّاكة (سلاح) وغير فتَّاكة».
وأضافتْ رايس قائلةً: «نحن لسنا الآن في موقع يتيح تفصيل كلّ مساعدتنا، ولكن وكما قلنا بشكل واضح، فإنَّنا نقدم في الوقت نفسه مساعدة عسكريَّة وغير عسكريةَّ إلى المعارضة السوريَّة».
على أيَّة حال، ليس هذا هو موضوعنا؛ فاعتراف الولايات المتَّحدة أخيراً بتقديم مساعدات «فتَّاكة» (وغير فتَّاكة، بالطبع) إلى ما تسمِّيه المعارضة السوريَّة، لا يضيف جديداً إلى معلومات أيّ متابع موضوعيّ عاقل وواعٍ؛ موضوعنا، هنا، هو ما أسبغته رويترز على السيِّد روبرت ستيفن فورد مِنْ أوصاف باذخة في إيجابيَّتها؛ وكذلك، محاولتها تقديم تلك الأوصاف بقالب موضوعيّ زائف؛ إذ قالت، ببجاحة لا تُحسد عليها: «وفورد دبلوماسيّ مخضرم يحظى باحترام واسع…»!!
ولكنَّها، لم تقل لدى مَنْ؛ الأمر الذي يوحي، بشكلٍ مخاتل، أنَّ هذا الاحترام «الواسع» المزعوم لفورد متوفِّر لدى مختلف أوساط البشر! وهذا عدا عن أنَّها لم تراعِ حتَّى أدنى الأصول المهنيَّة عندما بذلتْ هذا المديح السخيّ للرجل في خبرٍ يُفترض أنَّه مخصَّص لنقل تصريحاته وليس لـ«تنوير» الناس بصفاته. من الواضح، أنَّ كلَّ ما كان يهمّها عند صياغة هذا الخبر هو أنْ تقول، بطريقة خبيثة وملتوية، إنَّ فورد رجل محترم جدّاً، ولذلك عليكم – يا متلقي أخبارنا – أنْ تثقوا به تماماً وتأخذوا كلّ ما قاله على محمل الجدّ والصدقيَّة.
طبعاً، لو كان موضوع هذا الخبر رجل له مشكلة مع الغرب (مهما كان موقفه فيها عادلاً، وحتَّى لو كان ثلاثة أرباع سكّان الكرة الأرضيَّة يحبَّونه ويحترمونه جدّاً)، لكانت الوكالة قد وصفته – كما هي عادة الإعلام الغربيّ – بأنَّه «رجل إشكاليّ»!
يجدر بنا، هنا، أنْ نذكِّر بأنَّ «المحترم على نطاق واسع» روبرت ستيفن فورد، هو – لمَنْ نسي أو لا يعرف – أحد أبرز رموز سياسة «فِرَق الموت» الإجراميَّة (أو ما يُعرَف بـ«سيناريو السلفادور»)، التي تمَّ تطبيقها في العراق بعد احتلاله وراح ضحيَّتها أكثر مِنْ مليون مواطن عراقيّ وأسَّستْ للفتنة المذهبيَّة والطائفيَّة هناك. فعندما اشتدَّتْ المقاومة الشعبيَّة العراقيَّة للاحتلال الأميركيّ، جيء بجون نيغروبونتي (مهندس «سيناريو السلفادور» الأصليّ، والذي أشرف على تنفيذه في السلفادور، في ثمانينيَّات القرن الماضي، بأقصى درجات القسوة والإجرام) إلى بغداد، وسُمِّي سفيراً للولايات المتَّحدة هناك ليطبِّق على أرض الرافدين أسلوبه الإجراميّ الشهير ذاك. وكان روبرت ستيفن فورد، هو ذراعه اليمين في تنفيذ فصول تلك الجريمة النكراء.
وبعد ذلك، تمَّ إرسال روبرت فورد إلى سوريَّة بمسمَّى سفير للولايات المتَّحدة فيها، قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الأحداث الدمويَّة الدائرة هناك منذ حوالي أربع سنوات. وهكذا، بقدرة قادر، سرعان ما تجمَّعتْ «فرق الموت» مِنْ حوالي ثلاثة وثمانين بلداً، لتحطَّ على أرض الشام وتعيث فيها تخريباً وتدميراً وقتلاً. وهنا، نذكِّر أصحاب الذاكرة القصيرة، كيف أنَّ فورد، هذا، تحرَّك علناً، منذ بداية الأحداث، متجاوزاً كلَّ الأصول والأعراف الدبلوماسيَّة المتَّبعة، وراح يتجوّل في بعض المحافظات السوريَّة، ليتدخَّل بنفسه بشكلٍ فظّ في سير الأحداث هناك، ويحرِّض بشكلٍ صريح ضدّ الدولة السوريَّة. وما لبثتْ واشنطن أنْ سحبته إلى المقرّ في العاصمة الأميركيَّة ليشرف مِنْ هناك على استمرار تطبيق «سيناريو السلفادور» في سوريَّة.
وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّه بعد انتفاضة الشعب المصريّ الكبرى في 30 حزيران (يونيو) 2013، التي أطاحت بحكم محمَّد مرسي و«الإخوان المسلمين» هناك، وما تلى ذلك مِنْ اشتغال ماكينة «فرق الموت» في سيناء وفي أنحاء أخرى مختلفة من الأرض المصريَّة، لتحصد أرواح ضبّاط الجيش المصريّ وجنوده ورجال الشرطة المصريَّة والمواطنين – بادرتْ واشنطن بتسمية روبرت ستيفن فورد، سفيراً لها في القاهرة؛ غير أنَّ هذا الاقتراح ووجه بحملةِ رفضٍ واسعة مِنْ مختلف الأوساط الشعبيَّة والسياسيَّة والإعلاميَّة المصريَّة. ومِنْ حُسن الحظّ أنَّ هذه الحملة تُوِّجتْ برفض السلطات المصريَّة الجديدة لاقتراح واشنطن ذاك.


حقّاً، إنَّه رجل «يحظى باحترامٍ واسع»!

ولكن – للأمانة – ليس هو وحده مَنْ «يحظى بـاحترامٍ واسع»؛ فهناك الكثير من «المحترمين»، أمثاله، في السلك الأمنيّ والدبلوماسيّ والسياسيّ الغربيّ؛ وكذلك في السلك الإعلاميّ الغربيّ، أيضاً، (مِنْ شاكلة وكالة رويترز المحترمة، مثلاً). وإلى جانب هؤلاء يكثر أيضاً «المفكِّرون» و«الفلاسفة» النشيطون، مِنْ طراز برنار هنري ليفي الصهيونيّ، الذي أصبح مشهوراً بـ«فيلسوف» ما يُسمَّى «الربيع العربيّ».. هذا «الربيع» الذي يتعمَّدون، بخبثٍ ودهاء، الخلط بينه وبين الانتفاضات الشعبيَّة العربيَّة الثوريَّة ضدّ النُّظُم التابعة.


باختصار، كلّ الشرائح البورجوازيَّة الحاكمة في الغرب، وأدواتها وإكسسواراتها وملحقاتها، «تحظى باحترامٍ واسع». وبالمقابل، سيمتلئ العالم، في المرحلة المقبلة، بالرجال «الإشكاليين».

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *