ذاكرة ومكان: حلحول

ذاكرة ومكان: حلحول

// خالد إبراهيم الحطبة //

 

 

تقع مدينة حلحول في محافظة الخليل على الطريق الواصل بين الخليل وبيت لحم والقدس، وهي تشتهر بالزراعة.. خصوصاً زراعة العنب والتين. تعرضت مثل غيرها من المدن الفلسطينية للاحتلال الصهيوني في العام 1967. يعود تاريخ العمل الفدائي في حلحول إلى مرحلة باكرة من مراحل الثورة الفلسطينية، فقد استفاد المناضلون الفلسطينيون من موقعها على الطريق الرئيسي لاصطياد دوريات المستعمرين الإنجليز ثم الصهاينة، كما وقعت على ثراها معارك دار رحاها بين المناضلين من أبناء فلسطين وجنود الإحتلال.

 

ويسجل التاريخ في صفحاته اسم الشهيد محمد الحلحولي (محمد عبد الرحمن الحطبة) الذي التحق بمجموعة الثوار الذين رافقوا الشيخ عز الدين القسام عندما أعلن ثورته في شمال فلسطين. شارك الحلحولي في العمليات العسكرية التي بدأها الثوار في العام 1935، وعندما ضيق الإنجليز الخناق على الثوار خرجوا إلى أحراج بلدتي يعبد وأم الفحم، ودارت بينهم وبين الإنجليز عدة معارك، وفي واحدة منها اشتبكت دورية من الثوار مع كمين إنجليزي في منطقة كفر قود قرب مدينة جنين واستشهد في الإشتباك محمد الحلحولي بعد أن قتل جندياً إنجليزياً وجرح آخر.

 

 

معركة حلحول (بيت خيران):

أثناء الإضراب الفلسطيني (1936 – 1939) دار على أرض حلحول الكثير من المعارك والكمائن التي كانت تستهدف طريق القدس – الخليل؛ ففي العام 1936 تجمع الفدائيون الفلسطينيون في منطقة خربة خيران بقيادة المناضل عبد الحفيظ بركات واشتبكوا مع دوريّة للعدو الإنجليزي، ثم انسحبوا إلى الجبال بعد وصول النجدة إلى الدورية الإنجليزية ولم يُعرف حجم الخسائر الإنجليزية. وفي 24 أيلول من العام 1936 تجمع 450 مقاتلاً من رجال الثورة الفلسطينية ونصبوا كميناً لقافلة إنجليزية، واستمرت المعركة لعدة ساعات ووصل عدد الجنود الإنجليز الذين شاركوا فيها إلى 1500 جندي، ورغم ذلك هزمت القوة الإنجليزية وهرب جنودها باتجاه القدس وغنم الثوار كمية من الأسلحة والذخائر التي خلفها الأعداء.

 

على نفس الطريق الرئيسي ما بين بيت جبرين وبين الخليل كمن الفدائي عيسى البطاط، وهو من أهالي بلدة الظاهرية في قضاء الخليل، وأطلق النار على سيارة بريطانية فقتل أحد ركابها ويدعى السيد جيمس ليزلي ستاركي. جن جنون الإنجليز وجندوا حملة لمطاردة الفدائي البطاط بحجة أن القتيل كان عالم آثار ومدني. إختبأ المناضل البطاط في بلده حلحول حيث استضافه أحد سكانها. تمكنت السلطات الإنجليزية من معرفة مكان إختباء البطاط – ربما بتعاون أحد ضعاف النفوس – فحاصروا المنطقة وحاولوا اقتحامها. لكن المناضل أحس بالجنود الذين كانوا يتقدمون باتجاه المنزل فاشتبك معهم وألقى عليهم قنابل يدوية مما أجبرهم على التراجع فتمكن هو من الهرب لكن صاحب المنزل استشهد وهو يحاول إنقاذ عائلته من الموت، وتم إلقاء القبض على أحد رفاق البطاط (أحمد العجوري) وحوكم أمام محكمة الاستعمار الإنجليزي وحكم عليه بالإعدام. ولكي يغطي الانجليز فشلهم حركوا فورا قوة كبيرة من القدس لتقوم بعملية تفتيش دقيقة. وصلت القوة حوالي الساعة العاشرة صباحا، فهرب السكان من بيوتهم وبدأت القوة الإنجليزية بإطلاق النار بشكل عشوائي، وألقوا القبض على أحد المواطنين في كرم له وساقوه إلى القدس، حيث تمت محاكمته خلال ساعة والحكم عليه بالإعدام وأجاز القائد العام للجيش (ويفل) حكم الإعدام وفي السابعة من صباح اليوم التالي سيق الحلحولي البرئ إلى المشنقة وأعدم.

 

 

معركة جورة بحلص:

ذهب القائد عبد الحليم الجيلاني إلى قرية حلحول ليلاً، فكانت أول قرية يدخلها الجيلاني لتجنيد المجاهدين. وأمر مختاريها عبد الرحمن ملحم وعبد الهادي حنيحن، واتصلت القيادة بعموم قرى الخليل وطلب من كل حمولة تقديم عشرة شباب مع التسليح التام فاستجابت حمائل حلحول لطلب القائد الجيلاني وإخوانه. وتشكلت قيادة لقوات الجيلاني شارك فيها من أهالي حلحول محمد اسماعيل مرعب وابراهيم أبو دنهش ومحمد سليمان منصور وعمر التكروري الذي كان مدرسا في مدرسة حلحول الثانوية، وشكل مع زملائه هاشم التكروري واسماعيل حجازي جهاز استطلاع الثورة.

 

بتاريخ 11/10/1938م خطط الجيلاني وجماعته في شِعبْ الملح القيام بمعركة كبرى مع الإنجليز فكانت معركة جورة بحلص، استطاع الجيلاني مع إخوانه الثوار التصدي لقافلة إنجليزية مكونة من أربع سيارات فيها 70 جندياً بريطانياً في منطقة جورة بحلص بين حلحول والخليل، وبعد معركة ضارية قتل القائد الجيلاني وإخوانه الثوار سبعين جندياً واستولوا على كافة أسلحتهم بعد أن حرقوا سياراتهم. وقد اشترك في تلك المعركة أكثر من مائتي متطوع من أبناء القرى بالإضافة إلى المجاهدين المتفرغين الذين يزيد عددهم على خمسين مجاهداً وعلى رأسهم الجيلاني، واستطاع الجيلاني أن يسقط ثلاث طائرات إنجليزية في معركة جورة بحلص، علماً أنه لم يكن معه من الأسلحة إلا البنادق الخفيفة، أما القوات الإنجليزية فكانت مجهزة بالأسلحة الثقيلة كالمدافع والرشاشات والطائرات التي قصفت قرى المنطقة واستشهدت في حلحول سيدة من عائلة عقل داخل منزلها. سقطت إحدى الطائرات في جورة بحلص بين حلحول والخليل ونزل الطيار في مظلته على سقف محجر الحاج عثمان التكروري، وألقى التكروري القبض على الطيار الإنجليزي، وبدلاً من أن يقضي على الأسير، قام التكروري بالحفاظ عليه وألبسه اللباس العربي ولاحقا تم تسليمه إلى الجيش الإنجليزي خوفاً من تدمير الإنجليز لمدينة الخليل. ورغم ذلك فقد طيار آخر قفز في المظلة ويعتقد أن أهل المنطقة قتلوه وأخفوا جثمانه.

 

على إثر انتهاء المعركة – وكما هي حال الاستعمار – أوقع الانجليز على أهالي بلدة حلحول عقوبة جماعية، حيث جمعوا الرجال ووضعوهم داخل ساحة المدرسة ووضعوا حول الساحة سلك شائك وتركوا الناس دون طعام وشراب طالبين منهم بتسليم مالديهم من أسلحة. عندما اشتد العطش بأحد أبناء البلدة (من عائلة نوفل) قال للجنود أنا أدلكم على مخبأ للسلاح فأخرجوه وأخذهم إلى ساحة قريبة من المدرسة حيث يوجد بئر يملكه الحاج خالد أبو ريان فقام بفتح باب البئر وألقى بنفسه فيه وفارق الحياة.

 

 

معركة ظهر حجة:  

في 13/1/1948 انسحبت القوات البريطانية من مخافرها في مدينة الخليل وتمترس الصهاينة في مجموعة مستعمرات كفار عصيون التي تقع على تلة مشرفة على طريق الخليل القدس وأخذوا يطلقون النار على السيارات التي تعبر الطريق، فتجمع عدد كبير من سكان الخليل والقرى المجاورة وحاولوا اقتحام المستعمرة الحصينة، ورغم إطباقهم الحصار عليها إلا أنهم فشلوا في دخولها.

 

في 16/1/1948 تقدمت قوة من مستعمرة عرطوف لنجدة القوات المحاصرة في كفار عصيون. أحس سكان قرية صوريف الواقعة شمال غرب حلحول بتقدم قوات النجدة، فتصدوا لها بما يملكونه من سلاح، ما اضطر القوة للجوء إلى تلة ظهر حجة. حاصر ثوار صوريف بقيادة القائد الفلسطيني إبراهيم أبو دية التلة وخاضوا معركة أسفرت عن مقتل 35 صهيونيا واستشهاد 5 فلسطينيين، حاولت مجموعة أخرى من المستوطنين التقدم عن طريق قرية بيت نتيف لكن إبراهيم أبو دية ورفاقة تصدوا لها وقتلوا 13 من المهاجمين واستشهد 3 من الثوار. على إثر هذه المعركة قرر ابراهيم أبو دية بعد التشاور مع القائد عبد القادر الحسيني تشكيل سرية في بلدة حلحول لحماية الطريق، وقد شارك في هذه السرية بعض من أبناء حلحول، أذكر منهم أخي محمد إبراهيم الحطبة والاستاذ محمد منصور من بلدة يطا وكان استاذا في مدرسة حلحول. اتخذت السرية من مدرسة حلحول مقراً لهل وتبرع السيد محمد محمود أبو ريان ببيته القريب من المدرسة ليصبح غرفاً صفيّة، وقد كنت من الطلاب الذين درسوا في تلك الغرف وكنت يومها في الصف الثالث الإبتدائي. شاركت هذه السرية قوات الجيش العربي الأردني في المعركة التي خاضها مابين 10- 31/3/1948 واستولى خلالها على جميع المستعمرات الصهيونية في منطقة الخليل ودمرها تدميراً كاملا.

 

بعد انتهاء الحرب عام 1948 استمرت المجموعات الفدائية في مهاجمة القوات الصهيونية، ومنها مجموعة قادها المناضل بهجت أبو غربية تمركزت في محيط قرية صوريف لمنع الصهاينة من إحتلالها. يكتب أبو غربية عن تلك الفترة في مذكراته:

 

«لقد لفت نظري وجود عدد كبير من المسلحين العرب غير النظاميين (فزعات) من أبناء قرى الخليل وخصوصاً من أهالي حلحول لايقل عددهم عن خمسين رجلاً يتجولون في المنطقة أفراداً، وأوحى لي وجودهم فكرة شن هجوم معاكس لاسترداد قرية بيت نتيف التي تنتصب أمامنا على مرتفع حصين».

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *