خِلافٌ في مكانٍ آخر

خِلافٌ في مكانٍ آخر

// ياسر قبيلات //

 

 

من المعروف أن الكاتب النرويجي كنوت هامسون، صاحب رواية الجوع، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1920، وضع كل رهاناته السياسية والفكرية على ألمانيا النازية؛ وأيّد هتلر ونظامه باندفاع وحماس بالغين، بل وزاد على ذلك بالانضمام إلى الحزب الاشتراكي القومي النرويجي (النازي).

 

بعد انهيار النازية بقي كنوت هامسون على قناعاته، ورفض التنكر لها، أو التخلي عنها؛ بل إنه بعد انتحار هتلر، كتب نعياً له وصفه فيه بـ«المقاتل من أجل حقوق الشعوب»..!

 

باختصار، كان كنوت هامسون جزءاً من النظام النازي، وكان من المتوقع أن الدولة السوفيتية، التي دفعت غالياً ثمن العدوانية النازية، ستصرّ على محاكمته، وايقاع «أقصى عقوبة منظورة في القانون» به.

 

وبالفعل، لقد أُتُّخذ القرار في قضية هامسون في موسكو؛ ذلك أن جميع أعضاء الحكومة النرويجية التي تشكلت قبيل إعلان الحكم على هامسون في أواسط العام 1945، كانوا يعرفون ما قالته الحكومة السوفيتية بشأن الكاتب، ويدركون أن عليهم أن يأخذوا رأي موسكو بعين الاعتبار.

 

ما كان رأي موسكو؟

 

في نهاية الحرب العالمية الثانية، التقى وزير خارجية النرويج، تريوغوي ليي يرافقه زميله وزير العدل تيري فولد، مع وزير الخارجية والرجل الثاني في الدولة السوفيتية فيتشسلاف مولوتوف، الذي راح يشدد في اللقاء على ضرورة محاكمة جميع مجرمي الحرب الذين دعموا النظام النازي، وفقاً للقانون، وإيقاع أقص العقوبات بهم.

 

في الرد، ومن باب تأكيد جدية حكومتهما بمحاكمة مجرمي الحرب، راح الوزيران النرويجيّان يشرحان للمسؤول السوفيتي الإجراءات المتخذة في هذا الصدد، وفي السياق تم ذكر اسم الكاتب كنوت هامسون، فتساءل مولوتوف بحيرة:

 

ما شأن هامسون، هنا؟

 

فذكّره وزير العدل النرويجي، تيري فولد، بعلاقة هامسون بالنظام النازي..

 

ويتذكر وزير الحارجية النرويجي تريوغوي ليي، في وقت لاحق، أنه ما إن قال تيري فولد لمولوتوف أن هامسون يُعامل في النرويج على أنه نازي وأن الحكومة تنوي تقديمه للمحاكمة، حتى سيطر الوجوم على وجه المسؤول السوفيتي، وغرق في صمتٍ مطبق لبرهة بدت طويلة لا تنتهي، وقد بدا الانزعاج واضحاً على وجهه. ثم قال بحزم:

 

علينا أن نحفظ حياة هامسون!

 

كان من الواضح بالنسبة للوزيرين أن مولوتوف يوجه طلباً ملزماً؛ لذا، حاول وزير العدل «فولد» أن يطمئن مضيفه السوفيتي، فقال:

 

على الأغلب ستتجنب المحكمة إصدار حكم بالإعدام عليه. على الأقل لاعتبارات تتعلق بتقدمه في العمر.

 

ولكن هذا القول لم يرض مولوتوف، الذي قال بإصرار:

 

الكاتب الذي كتب «فيكتوريا» و«بان» هو فنان عظيم، ولا يجوز محاكمته كنازي.

 

فوجئ الوزيران، وبدت الدهشة على وجهيهما، فأضاف مولوتوف بذات النبرة، بضعة كلمات قررت مصير هامسون:

 

هذا الفنان العظيم يجب أن يعيش بقية حياته بسلام!

 

هنا، قال وزير العدل النرويجي العبارة التي اشتهرت وذاعت:

 

أنت ليِّن جداً، سيد مولوتوف!

 

وبالفعل، وجدت الحكومة النرويجية المخرج من المأزق، حيث أعفت المحكمة المختصة الكاتب من العقوبة بسبب «ضعف في الإدراك مرتبط بالتقدم بالعمر»، فقررت إحالته إلى مصح عقلي، ولكن تم تحويله بعض الوقت إلى دار للمسنين، قبل أن يترك ليعود إلى بيت أحلامه الذي شيده بعوائد كتبه التي تضاعفت بعد نيله نوبل..

 

لم تقبل موسكو السوفيتية التعامل مع كنوت هامسون بانتقامية، رغم أنها كانت تعلم أنه لم يضع نفسه بمواجهتها بتأييده للغزاة النازيين فقط، بل وكان عدواً صريحاً لها، ونشط في الدعاية النازية ضد الاتحاد السوفيتي.

 

الأمر الآخر الذي تتوجب ملاحظته أن موقف موسكو السوفيتية من انحيازات الكاتب السياسية، لم يسرِ على أدبه، وأنها لم تشطبه ولم تنتقص منه، وبقيت على تقديرها له، كأديب مرموق، تعترف بعبقرية أدبه، وبحقيقة أنه فنان عظيم..

 

من المفروغ منه أنَّه ليس كل الكتّاب كتّاب؛ تماماً كما أن ليس كل التقدميين تقدميين؛ وأن الكاتب يمكن أن يكون أي شيء، لكن الأدب الحقيقي هو تقدمي بالضرورة..

 

تذكرت ذلك، وعادت إلى ذاكرتي هذه الحادثة السوفيتية النرويجية، في سياق وضعني أمام ظاهرة الشطب والإلغاء الشائعة منذ بداية الإنهيار الشامل للحياة السياسية في عالمنا العربي، على المستويين الرسمي والشعبي، وما جر إليه ذلك من فقدان بوصلة، يدفع الكثيرين إلى الشطب الشامل القطعي على الشبهة، أو فلنقل.. على خطأ أو خطيئة واحدة محددة!

 

هنا، يحضر التعامل مع محمود درويش، بالشطب والإلغاء الشاملين، مثالاً صالحاً على ما أقصده؛ إذ أن رفض الشاعر نفسه، وبعض مواقفه وانحيازاته أو كلها، ممكن تماماً. ولكن شطب وإلغاء تراثه الأدبي والإبداعي، أو وضعه في مرمى الاتهامية والإدانة، ليس سوى مكابرة جاهلة، لا تدرك أن هذا المنجز، بالذات، هو نتاج وملك الظاهرة التقدمية في فضائنا العربي، إن جاز التعبير.

 

والمؤسف، أن هذا الرأي الذي أُدلي به، هنا، تسنده حقيقة العجز الشامل الذي يظهر لدى العامة والمختصين على حد سواء، عن قراءة نص الشاعر، بوعي وفهم حقيقيين. هذا برغم أن حظ الشاعر من التصفيق المدوي، في القاعات والتدبيجات النقدية، كبير وكثير.

 

أظن، وهذا رأيي، أن محمود درويش ليس أهم شاعر عربي فقط، بل هو أهم أديب عربي منذ المتنبي إلى اليوم، وعلى الإطلاق؛ وبالتالي، فإن التعامل معه، ومع تراثه الأدبي والإبداعي، بالشطب والإلغاء، هو ظاهرة خطيرة فعلاً، ولكنها ليست أخطر الظواهر التي نشهدها في «زماننا السعيد» هذا؛ بل هي مجرد جزء بسيط وصغير من ظاهرة أشمل تتركز في رغبة تدميرية، ذاتية وخارجية، تتناول بالشطب والإلغاء مجمل ثقافتنا ووجودنا نفسه.

 

وهنا، من المؤكد أن خلافنا المثمر، والمنتج، ليس هنا. بل هو في مكان آخر!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *