حقائق غير معروفة عن صعود ألمانيا الشرقيَّة وانهيارها

حقائق غير معروفة عن صعود ألمانيا الشرقيَّة وانهيارها

الكسندر إليسييف*

ترجمه عن الروسية: ياسر قبيلات
يواصل المؤرِّخ الروسيّ ألكسندر إليسييف في هذا الجزء (الثاني) مِنْ مقاله (هل كان انهيار ألمانيا الشرقيَّة حتمياًّ؟) فتح ملفّ هذا البلد الذي غاب عن الخريطة، ويعرض رؤية جديدة لصفحاتٍ غير معروفة مِنْ سفر تجربته؛ خصوصاً ما يتعلَّق منها بالنموذج الاقتصاديّ الاجتماعيّ الذي ميَّز التجربة الاشتراكيَّة في ألمانيا الشرقيَّة، إلى جانب الإضاءة على حيثيَّات انهيار هذه التجربة..
ركود غريب
إيريش هونيكر

بالتأكيد، بالنسبة لنموذج اجتماعيّ واقتصاديّ مثل جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة، فإنَّه من المسلم به أنَّه كانت فيه تلك السلبيات المتأصِّلة، وكلّ العوارض المعروفة عن «نظام الأوامر الإدارية»، واشتراكيَّة الدولة.

ولكن هناك، كما هو الحال في بلدان أخرى، محاولات لإصلاح النظام..
في ستينيَّات القرن الماضي، بدأت ألمانيا الشرقيَّة اصلاحات اقتصاديَّة واسعة النطاق لتحسين استقلاليَّة المؤسَّسات وتحويلها إلى نظام محاسبي منظَّم. كما بُذلت الجهود والتدابير لتعزيز «الديمقراطيَّة الاقتصاديَّة». وتمَّ انشاء لجان إنتاجيَّة في الشركات الكبيرة، وأدخلت ممارسة الاجتماعات المنتظمة إلى نظام التعاونيَّات العماليَّة..
ولكن حركة الإصلاح سرعان ما توقَّفت، كما الإصلاحات الأخرى في بقيَّة البلدان الاشتراكيَّة.
ومن المتعارف عليه أنَّ البلاد دخلت مرحلة من الركود، ممّا قادها إلى أزمة. وهنا عادة يجري لفت الانتباه إلى حقيقة أنَّ خطط الدولة لم يجرِ تنفيذها في الثمانينيَّات، وأنَّ عمليَّة تطوير الاقتصاد، حينها، عانت من اختلالات كبيرة، إضافة إلى أنَّ العجز الحكوميّ زاد وارتفعت الديون الخارجيَّة (26 مليار دولار). وهاجرت أعداد كبيرة من الناس إلى الغرب، وهو ما مثَّل بدوره كذلك ضربة قويَّة للاقتصاد، ففي كانون الثاني/يناير 1989، لوحده، كان هناك 400 ألف طلب خروج من البلاد مقدَّم للسلطات المختصَّة.
لقد عانت ألمانيا الشرقيَّة بقوَّة مِنْ «صداقة» المجر التي فتحت حدودها مع النمسا. الأمر الذي على إثره هرع إلى هناك عشرات الآلاف من «السيّاح» الألمان الشرقيين الذين عبروا مباشرة من المجر إلى النمسا، وبعد ذلك توجَّهوا إلى جمهوريَّة ألمانيا الاتحاديَّة.
نعم، لم يمرّ الأمر بدون علامات ومؤشّرات على الأزمة. ولكن يجب الانتباه بالمقابل إلى أنَّ ألمانيا الشرقيَّة كانت، مع ذلك، لا تزال في موقف أفضل بكثير من البلدان الأخرى، بما في ذلك الاتّحاد السوفياتيّ نفسه.
الأمر الغريب هو أنَّ «الركود»، على نحوٍ ما، لم يمنع ألمانيا الشرقيَّة من القيام بثورة في عالم المعلوماتيَّة وتكنولوجيا المعلومات (IT)، التي أصبحت في الواقع، نمطاً ثانياً من التصنيع. إلى درجة أنَّها أنشات في دريسدن نوعاً من «وادي سليكون» خاصّ بها، وكان يتمّ تمويله مِنْ قبل الدولة بسخاء.
لقد شهد الاتّحاد السوفياتيّ، كذلك، مثل هذه الثورة، وجرى تحقيق العديد من الإنجازات البارزة في مجال الالكترونيَّات الدقيقة، لكن الكثير منها تمَّ وضعه على الرف.
في ألمانيا الشرقيَّة كان هناك نموّ اقتصاديّ، بل أسرع ممّا كان عليه في ألمانيا الغربيَّة؛ فقد بلغ في هذه الأخيرة 117.7% (في سنوات 1980-1989)، في حين بلغ في ألمانيا الشرقيَّة، التي كانت تعاني من «الركود»، ما نسبته 127.7%. وفي العام 1984، كان الناتج المحليّ الإجماليّ لألمانيا الشرقيَّة 164 مليار دولار، ووصل في العام 1988 إلى مستوى 207،2مليار دولار.
بالطبع، كانت هناك صعوبات. بل وصعوبات خطيرة؛ فقد تردَّد صدى «إصلاحات السوق» في كامل بلدان المجموعة الاشتراكيَّة التي كانت تشظَّت وتشرذمت. والأمر يعود إلى أنَّ اقتصاد ألمانيا الشرقيَّة كان لا يزال مرتبطاً ببلدان مجلس التعاضد الاقتصاديّ، التي كانت تستقبل 70% من الصادرات الألمانيَّة الشرقيَّة. وحينما بدأت بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر والاتّحاد السوفياتيّ باجراء إصلاحات السوق الجذريَّة، بدأ الاقتصاد في تلك البلدان ينهار واحداً تلو الآخر.
وهكذا بدأت ألمانيا الشرقيَّة تعاني بشدَّة، بينما كانت تفقد أسواقها واحداً بعد الآخر!
وعلى سبيل المثال، فإنَّ الصادرات الألمانيَّة الشرقيَّة، التي كانت تبلغ في العام 1988 ما مقداره 30672 مليون دولار، تراجعت في العام 1989 إلى 22200 مليون دولار. وفي العام 1990، هوت إلى مستوى 10876 مليون دولار. (وبالمناسبة، شيء مِنْ هذا القبيل حدث على إثر انهيار الاتّحاد السوفيتيّ مع فنلندا).
وتبع الأزمة الاقتصاديَّة بالطبع انهيار سياسيّ، وبعد ذلك تمَّت عمليَّة الضمّ!
انهيار ألمانيا الديمقراطية
يتَّضح أنَّ ألمانيا الديمقراطيَّة كانت مرَّة أخرى ضحيَّة للظروف الخارجيَّة؛ فإذا كانت في أعوام الستينيَّات قد تعرَّضت لضربة جيواستراتيجيَّة قاسية من الغرب، فإنَّ الغرب وجَّه لها في الثمانينيَّات «ضربة» قاصمة من الشرق، حيث تمَّ تفكيك الاشتراكيَّة، في عمليَّة جرى ترويجها باسم «البيريسترويكا».
لقد حاولت قيادة ألمانيا الشرقيَّة كلَّ ما هو ممكن لمقاومة هذه العمليَّة التفكيكيَّة؛ بل إنَّ زعيم ألمانيا الشرقيَّة إريك هونيكر كان واحداً مِنْ أشرس معارضي «البيريسترويكا».
هنا، لا بد لنا مِنْ بعض الاستطراد، وملامسة تاريخ العلاقات بين الاتّحاد السوفياتيّ وألمانيا الشرقيَّة. لقد كانت دائماً دافئة جداً جدّاً. ولكن في الواقع، كما هو معروف، هناك بقع حتَّى على سطح الشمس. ولهذا يجب القول إنَّ بعض الاحتكاكات كانت تحصل بين قادة الاتحاد السوفياتيّ وألمانيا الشرقيَّة حتَّى في فترة ما قبل البيريسترويكا.
حتَّى ستالين نفسه اضطرَّ إلى «التصحيح» للرفاق الألمان، والطلب منهم ابداء المزيد من المرونة في مسألة الوحدة الألمانيَّة. كما وجد نفسه مضطرّاً إلى نصحهم بإلحاح بعدم الغرق في الادارة في مسعاهم لتحقيق الاشتراكيّة، داعياً على النقيض من ذلك، إلى إيلاء المزيد من الاهتمام بأساليب الإقناع (التحريض والدعاية).
وقد اتَّضح في وقتٍ لاحق، بعد أشهر معدودة مِنْ وفاة الزعيم السوفيتيّ، أنَّه كان على حقّ تماماً؛ ففي حزيران/يونيو 1953 اندلعت في البلاد ثورة ضدَّ السوفييت ومناهضة للشيوعيَّة. وحينها اعترف القادة الألمان بأخطائهم، وخلصوا إلى الاستنتاجات الصحيحة.
لقد قرَّروا خفض معدَّل النموّ في بعض قطاعات الصناعات الثقيلة بهدف توجيه الأموال المفرج عنها لإنتاج السلع الاستهلاكيَّة والإسكان. وبالإضافة إلى ذلك، قامت الإدارة بتخفيض الضرائب على المزارع، وسمح للفلاحين الهاربين بالعودة إلى أراضيهم واستعادة ممتلكاتهم. وتم وقف «الضغط» على أصحاب المشاريع الخاصَّة والحرفيين.
هذه والعديد غيرها من التدابير (التي أشرنا إليها أعلاه) جعلت مِنْ ألمانيا الشرقيَّة «فاترينة للاشتراكيَّة»، وفخراً للسكرتير الأوَّل للجنة المركزيَّة للحزب الاشتراكيّ الألمانيّ الموحَّد ورئيس مجلس الدولة لجمهوريَّة ألمانيا الديمقراطيَّة والتر أولبريخت.
لقد كان أولبريخت رجلاً يطمح إلى تقديم مساهمته الخاصَّة في تطوير النظريَّة الماركسيَّة اللينينيَّة. ووفقاً له، كانت الاشتراكيَّة تمثِّل نوعاً من النظام الاجتماعيّ المستقلّ (إلى جانب الرأسماليّة والشيوعيَّة)، وليست مجرَّد نوع من الفترة الانتقاليَّة القصيرة على الطريق إلى الشيوعيَّة.
ومن الغريب أنَّ أولبريخت هو مَنْ صاغ مصطلح «الاشتراكيَّة المتقدِّمة»، الذي استعارته القيادة السوفيتيَّة في السبعينيَّات، مِنْ دون أنْ تشير إلى واضعه.
لقد كان العقائديون السوفييت مِنْ «خلطة سوسلوف»** يدخلون في حالة تأهّب، كلَّما شمّوا رائحة «التحريفيَّة». وقد كان أولبريخت يثير بشدَّة غضب الكرملين، الذي أيَّد في نهاية المطاف خصوم الزعيم الألمانيّ الداخليين، حاسماً بذلك، وعلى نحوٍ مسبق، نتيجة الصراع على السلطة.
وهكذا، جاء إريك هونيكر بديلاً عن أولبريخت..
لم يكن هونيكر رجلاً بطموحات نظريَّة. وكان موالياً تماماً لـ«الأخ الأكبر». ولكن حتَّى بالنسبة له ظهرت الأسئلة، لا سيّما في السبعينيَّات، حينما كانت العلاقات بين الألمانيتين (الشرقيَّة والغربيَّة) تشهد حالة مِنْ تطبيع العلاقات الثنائيَّة، وحتَّى يمكن الحديث عن ظهور تقارب بين البلدين.
لقد بدا وقتها أنَّ ألمانيا الشرقيَّة، في ظلّ هذا التقارب، وعلى نحوٍ عاديّ وطبيعيّ، تسعى لتسريع العلاقات مع جارتها الغربيَّة، بالرغم مِنْ أنَّ برلين كانت تسجِّل مِنْ وقتٍ لآخر بعض الاندفاعات ضدَّ بون.
وفي الواقع، كان مفهوماً بالمقابل أنَّ برلين لم تكن تسعى أبداً لتأجيج حالة المواجهة والتصعيد. حتَّى أنَّ هونيكر ألمح إلى أنَّ الألمان الشرقيين ليسوا متحمِّسين لنصب الصواريخ السوفيتيَّة في بلادهم، حتَّى برغم أنَّهم يفهمون أنَّ ذلك يأتي مِنْ باب الرد على نصب صواريخ «بيرشينج» في المنطقة. ومع ذلك، فإنَّ ذلك لم يمنعه في وقتٍ لاحق، مِنْ وضع عدد من الشروط أمام الجارة الألمانيَّة الغربيَّة لتحقيق «التوازن» (مِنْ بينها الاعتراف بمواطنة ألمانيا الديمقراطيَّة وغير ذلك).
وبعد حين عادت العلاقات إلى البرود مرَّةً أخرى.
((تمَّتْ ترجمة الاستقرار في العلاقات الثنائيَّة مِنْ خلال زيارة مستشار ألمانيا الغربيَّة شميث لبرلين في كانون الأوَّل/ديسمبر عام 1981. –يكتب المؤرِّخ ألكسندر فاتالين***- وخلال المفاوضات أبدى هونيكر استعداده للذهاب إلى حلٍّ وسط.. وعلى الرغم مِنْ أنَّ الأمور لم تصل إلى مناقشة التفاصيل، إلا أنَّ حقيقة العودة إلى الحوار الألمانيّ – الألمانيّ على أعلى مستوى، تسبَّبت في ارتباك مزدوج، في واشنطن وموسكو على حدٍّ سواء..
لقد بدأت الصحافة الأميركيَّة تطلق التكهّنات حول احتماليَّة «فنلندنة»**** ألمانيا الغربيَّة، وتعرَّض المستشار الألمانيّ لهجومٍ قاسٍ وشرس مِنْ قبل المعارضة البرلمانيَّة. وفي الجهة الشرقيَّة من «الستار الحديديّ»، فإنَّ ردَّة الفعل على الزيارة، التي حظيت بتغطية إعلاميَّة واسعة، بدت مختلفة بعض الشيء؛ لقد دقَّ منافسو هونيكر في المكتب السياسيّ للحزب الاشتراكيّ الألمانيّ الموحَّد ناقوس الخطر، وعبَّروا عن قلقهم لموسكو متّهمين الرجل بإدارة لعبة مزدوجة، وربَّما بالانسياق وراء الإمبرياليين.
وهكذا، في حزيران/يونيو عام 1984، طالب قسطنطين تشيرنينكو في المباحثات مع هونيكر بردٍّ أكثر حزماً وصرامة على ضغوط سياسيّي ألمانيا الغربيَّة: «كيف يمكن تفسير صبر جمهوريَّة ألمانيا الديمقراطيَّة إزاء مثل هذه الهجمات. يا ترى هل يخدم ذلك قضيَّة الاشتراكيَّة؟.. لا يمكن السماح لألمانيا الغربيَّة بخلق انطباع بأنَّ العلاقات بين الدولتين الألمانيتين تتطوّر بشكلٍ مستقلّ عن الوضع الدوليّ بشكلٍ عامّ». («تاريخ ألمانيا في القرن العشرين»).
من الواضح أنَّ هذه الاختلافات لم تكن ذات طبيعة جوهريَّة، وكانت مظهراً مِنْ مظاهر التناقضات المعتادة التي لا مفر منها في أيّ علاقات تحالف. ولكن في فترة «البيريسترويكا» اختلف الأمر، فقد كان الحديث يدور حول مصير النظام الاشتراكيّ نفسه – في ألمانيا الشرقيَّة والاتّحاد السوفياتيّ ودول أوروبا الشرقيَّة الأخرى.
وهنا، أبدى هونيكر عناداً صاخباً ترجمه برفض إجراء أيّ «بيريسترويكا» في جمهوريَّة ألمانيا الديمقراطيَّة، متنبِّئاً بأنْ تنتهي بيريسترويكا غورباتشوف بانهيار الاشتراكيَّة في الاتّحاد السوفييتيّ.
وهذا بالطبع أثار استياءً شديداً في موسكو، التي أعطت على إثر ذلك الضوء الاخضر للإطاحة بـ«الأرثوذكسيّ» العنيد. ومع ذلك، كان زعيم ألمانيا الشرقيَّة يستطيع البقاء رغم الإستياء الداخليّ واسع النطاق، وبغضّ النظر عن الهياج الثائر في الكرملين ضدّه.
والسبب يكمن في أنَّ واشنطن ولندن وباريس، على كلّ ما تكنّه مِنْ عداء للشيوعيَّة، كانت حذرة جدّاً إزاء فكرة إعادة بناء ألمانيا الموحَّدة، التي هي أمر لا مفرَّ منه في حال أصاب الضعف النظام الشيوعيّ في ألمانيا الشرقيَّة وانهار.
قبل وقتٍ قصير من الاطاحة بالسكرتير العامّ الألمانيّ العنيد، قالت مارجريت تاتشر خلال محادثة مع ميخائيل غورباتشوف: «نحن قلقون للغاية بشأن ما يجري في ألمانيا الشرقيَّة. هناك تنضج تغييرات كبيرة، ناجمة عن حالة المجتمع، وإلى حدٍّ ما عن مرض إريك هونيكر. مثال على ذلك نزوح آلاف الأشخاص مِنْ ألمانيا الشرقيَّة إلى ألمانيا الغربيَّة. هذا كلّه جانب خارجيّ، ولكنَّه يهمّنا جدّاً، بل هو أهمّ مِنْ سواه. إنجلترا وأوروبا الغربيَّة ليست معنيَّة بتوحيد ألمانيا.. نحن لا نريد توحيد ألمانيا. ذلك سيؤدِّي إلى تغييرٍ في حدود ما بعد الحرب، ونحن لا نستطيع السماح بذلك، فمثل هذا التطور مِنْ شأنه أنْ يقوِّض استقرار الوضع الدوليّ برمَّته ويمكن أنْ يتسبَّب بخطرٍ كبير على أمننا».
وبعبارة أخرى، كان يمكن لهونيكر اللعب بسهولة على الخوف الغربيّ من «الانتقاميَّة» الألمانيَّة. وكان يمكنه أنْ يتَّكئ على زعماء أوروبا الشرقيَّة، الساخطين على غورباتشوف. لا سيّما أنَّ الزعيم الألمانيّ كان هو والرئيس التشيكوسلوفاكيّ ميلوش ياكيش قد تقاربا مع الرئيس الرومانيّ نيكولاي تشاوشيسكو، الذي كان يضع الخطط لإنشاء اتّحاد اقتصاديّ قويّ من الدول الاشتراكيَّة، التي لا تريد الذهاب وراء الكرملين الذي امتلأ بمهووسي البريسترويكا.
وأضف إلى ذلك، أنَّ العديد من الألمان الشرقيين لم يكونوا يريدون تفكيك الاشتراكيَّة، ويرفض كثير منهم ترك بلدهم لقمة سائغة لألمانيا الغربيَّة تمتصّه لتجديد دمائها، على حسابهم. وقد ظهر ذلك مِنْ خلال المظاهرات اليساريَّة الهائلة التي جرت على إثر استقالة القيادة التي كان يترأسها هونيكر.
ويكفي هنا أنْ نتذكَّر أنَّ برلين شهدت في 19 كانون الأوَّل/ديسمبر (1989) حادثة غير مسبوقة حينما خرج 50 ألف متظاهر تحت شعار «مِنْ أجل ألمانيا الديمقراطيَّة بلداً مستقلاً، وضدّ إعادة الوحدة وبيع البلاد».
وكانت استطلاعات الرأي التي أجريت في كانون الأوَّل/ديسمبر مِنْ ذلك العام قد أظهرت النتائج التالية: 73% لصالح ألمانيا الشرقيَّة المستقلَّة، 71% أيَّدوا فكرة الاشتراكيَّة، وقال 39% فقط أنَّهم يفضِّلون النظام الاقتصاديّ لألمانيا الغربيَّة.
لقد وجد هونيكر نفسه أمام خيار صعب..
كان يمكنه خوض «المعركة» بالاعتماد على أنصار اشتراكيَّة في بلاده، ولكن كان يلزمه ليفعل ذلك، وعلى نحوٍ حتميّ وضروريّ، أنْ يدخل بمواجهة علنيَّة وقاسية ضدَّ غورباتشوف ومهووسي البيريسترويكا في الكرملين. إلا أنَّه لم يكن يريد ذلك، على أمل أنْ يتمَّ تجاوز الأزمة مِنْ دون الدخول بمواجهة مع الاتحاد السوفياتيّ..
لم يكن يقبل الذهاب إلى أيّ خيار ينطوي على احتمال المواجهة مع الاتّحاد السوفييتيّ، حتَّى لو تخلَّى هذا الأخير عن النظام الاشتراكيّ.
بالتأكيد، كان يأمل وراهن على أنَّ الإطاحة بغورباتشوف حتميَّة ولن تنتظر وقتاً طويلاً، وأنَّ السلطة ستنتقل إلى خصوم رجل البريسترويكا (كشف المستقبل ضعفهم). وبالنتيجة، راح زعيم ألمانيا الشرقيَّة ضحية لمؤامرة الأجهزة (الحزبيَّة – م) التي هي دائماً فعَّالة في ظروف تتراجع فيها المشاكل الهامَّة والجوهريَّة، التي تتطلَّب مناقشة وطنيَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش المترجم:
* ألكسندر إليسييف: مؤرِّخ، وناشط  سياسيّ في الثمانينيَّات وحتَّى بداية التسعينيَّات. يكتب في مجالات الفلسفة وتاريخ الأديان والأساطير والاقتصاد. مِنْ مؤلَّفاته: «الاشتراكيَّة بوجه روسيّ» و«الحقيقة حول العام 1937».
المقال نشر بتاريخ 25 أكتوبر 2014  في موقع: http://www.vremia-vpered.org
**ميخائيل سوسلوڤ (1902 – 1982): مِنْ قيادات الحزب الشيوعيّ السوفييتيّ. عضو اللجنة المركزيَّة للحزب منذ العام 1941، والمكتب السياسيّ منذ العام 1952. وأحد أهمّ قيادات الدولة والحزب في عهد بريجنيف. وعرف على نطاقٍ واسع بأنَّه مسؤول الدائرة الأيديولوجيَّة في الحزب.وإليه تُعزى مظاهر الجمود الأيديولوجيّ.
***ألكسندر فاتالين: مؤرِّخ روسيّ. مختصّ بتاريخ أوروبا الشرقيَّة والحركة الشيوعيَّة. ومؤسِّس مجموعة العمل العلميَّة الروسيَّة الألمانيَّة لدراسة تاريخ ألمانيا الحديث. ومؤلِّف لعددٍ من الكتب حول ألمانيا والكومنتيرن والحزب الشيوعيّ البلشفيّ.
****الفنلندنة: تعبير نشأ خلال الجدل السياسيّ في ألمانيا الغربيَّة أواخر الستينيَّات والسبعينيَّات. اُستخدم هذا المصطلح في ألمانيا ودول حلف شمال الأطلسيّ للإشارة إلى مجاراة دولة، في السياسة الخارجيَّة، لجارٍ أقوى منها، مقابل الحفاظ على سيادتها الوطنيَّة. وقد نشأ هذا التعبير في الأصل من الإشارة إلى سياسات فنلندا حيال الاتحاد السوفياتيّ خلال الحرب الباردة.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *