حصان طروادة الثقافيّ

حصان طروادة الثقافيّ

// د. عماد الحطبة//

 

 

انفجرت، مؤخراً، موجة جديدة من الانتقادات والاحتجاجات في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، والمستهدف هو المخرج اللبناني زياد الدويري، لأنَّه صوَّر فيلمه «القضية 23» في تل أبيب. الدويري سبق له الوصول إلى الأخبار والاستحواذ على العناوين بتهمة تطبيعية أخرى عن فيلمه «الصدمة» المأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا (اسمه الحقيقي محمد مولسهول)، وهو رواية ذات نفس تطبيعي، ترجمتها نهلة بيضون، وأصدرتها دار الفارابي التي أصبحت تميل إلى نشر مثل هذه الكتب.. فقد نشرت، مثلاً، روايات الفلسطيني «ربعي المدهون» الفائز بجائزة البوكر للرواية العربية والمتهم بدوره بالتطبيع. وعن فيلم «الصدمة» ذاك، نفسه، فاز الممثل كمال باشا بجائزة أحسن ممثل في مهرجان فينيسيا. وكامل الباشا متزوج من الفنانة الفلسطينية ريم تلحمي، التي سبق لها في العام 2014 أن رحبت بوصول جرحى «الثورة السورية» إلى المشافي «الإسرائيلية»؛ إذ كتبت على صفحتها: «المشافي الإسرائيلية مليئة، وبكلّ فخر، بالطواقم الفلسطينية من كل أنحاء فلسطين، وأطباؤنا الفلسطينيين في المشافي الإسرائيلية لا يقلوا عن أي طبيب في العالم، سيجد الجرحى كل الاهتمام الإنساني والمهني ولن يشعروا بالغربة أبداً».

إنَّه مزيج من «ثقافة الخيانة وخيانة المثقفين»[1]، لم يكن زياد دويري رائده؛ فهذا المزج بدأ بعد أكذوبة السلام التي ترافقت مع الفيضان الإعلامي الذي قادته قناة «الجزيرة». جلسنا جميعاً مبهورين بسقف الحرية الإعلامية الذي جاء مع «الجزيرة»، كل المحرمات صارت مباحة، ومن ضمنها صورة شلومو غانور، الصحفي الصهيوني ورأيه في الأحداث الجارية في فلسطين، فندناه وأثبتنا خطأه إلا أننا قبلناه كرأي آخر. كما تعودنا على صور الفدائيين السابقيين يتبادلون النكات مع أعدائهم السابقين «الإسرائيليين»، تعودنا على صور وأخبار مثقفينا يهرعون إلى كوبنهاغن وأوسلو وستوكهولم وجنيف ليرسخوا «ثقافة» السلام. غضبنا، وعتبنا… لكنَّ هذا كلّه رُوِّجَ كرأي آخر، وقد يكون علينا احترامه.

لقد ارتكبت منظمة التحرير الفلسطينية جريمة لن يغفرها لها التاريخ، ليس بحق أرض فلسطين وشعبها حسب، ولكن بحق وعي كل عربي كانت قضية فلسطين بالنسبة له من المقدسات. حتى عندما تصور البعض أن «السلام» المنشود قد ضل سبيله، واندلعت الانتفاضة الثانية، فأن ذلك لم يخفف من غلواء المطبعين وهرولتهم نحو العدو والمؤسسات الدولية الداعمة له؛ بل، على العكس، استغل بعضهم أحداث تلك الانتفاضة ليدلل على ضرورة «السلام» والتعايش بين «الشعبين».

لقد بقينا أسرى الصورة التي قدمتها «الجزيرة»، ثم «العربية»، ولم يتخلص بعضنا من شباكها إلا بعد بدء الفصلين الليبي والسوري من «الربيع العربي». لكن هذا الربيع المزعوم حملت رياحه في ما حملت تغييراً لبوصلة العدوّ، فانتقلت من الغرب (فلسطين المحتلة) إلى الشرق (إيران)، واكتسب هذا الرأي دفعاً قوياً عندما تبناه معظم رجال الدين بما فيهم الأزهر، فأصبحت سفينة التطبيع جاهزة للإبحار بوجود رجال سياسة وثقافة ودين يقودون دفتها، وتولَّت المنظمات غير الحكومية وأموال النفط تمويل تلك السفينة وركّابها وربابنتها. وبدل أن يسعى المثقفون للقاء جيرانهم في العواصم الأوروبية كما كان يحدث خلال الفترة الأولى من «سلام الشجعان»، فُتحت أبواب العواصم العربية للصهاينة ومناصريهم يحضرون الحفلات ويشاركون في المهرجانات، وأصبحت الزيارات المتبادلة حدثاً بالكاد يثير غضب أحد. وحتى لو غضب هذا «الأحد» فالرد جاهز: «الزيارات هدفها استمرار التواصل مع أبناء فلسطين والحفاظ على هويتهم الثقافية العربية». طبعاً لم يتردد هؤلاء المثقفون في إدانة بعض الممارسات الصهيونية.. كإغلاق الطرق، أو عدم السماح للمرضى بالوصول إلى المستشفيات أو المصلين إلى الجوامع.. الخ؛ فالقضية إنسانية ثقافية يمكن حلها بمؤتمر هنا، ومائدة مستديرة هناك، وقد نتبادل بعض الأراضي والأنخاب في نهاية اللقاء أمام عدسات التلفاز.

أما القوى المقاومة للتطبيع، فقد شهدت إنطلاقة مشجعة مع البدء في تنفيذ الاتفاقيات العربية الإسرائيلية، وتشكلت لجان لمقاومة التطبيع في كل مدينة عربية تقريباً، لكن هذه اللجان والجمعيات سرعان ما أصابتها كل أمراض السياسة العربية، فتحولت إلى ظواهر صوتية، مِنْ دون فعالية حقيقية على الأرض، ونستطيع أن نعد من أمراضها:

  1. القطرية؛ إنَّ ما أصاب قضية فلسطين من ضياع البوصلة ناجم أساساً عن تحويلها إلى قضية قطرية (تخص الفلسطينيين وحدهم). وهذا ينطبق على قوى مقاومة التطبيع التي استسلمت للواقع القطري تماماً، فحاولت كل دولة – ولاحقاً كل جمعية – أن تصوغ تجربتها بصورة مستقلّة عن البقية، فاستسهلت الحكومات قمعها والتضييق عليها، وهي بدورها ضاقت آفاقها فتحولت مكاتبها إلى غرف تتوزع على العواصم ولا تختلف كثيراً عن غرف مكاتب أحزاب «الربيع العربي» التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
  2. الفصائلية؛ وكأن القطرية وحدها لا تكفي لتشتيت الجهود، فتسلطت الأحزاب والفصائل المعارضة – التي فشلت تماماً في مساعيها للوصول إلى السلطة بوسائل الديمقراطية الليبرالية – على جمعيات مقاومة التطبيع، وتنافست على مقاعد هيئاتها الإدارية، واستثنت بعضها البعض من هيئاتها العامة، بحيث أصبحت مقاومة التطبيع قضية ثانوية بالمقارنة مع قضية السعي للفوز بالأغلبيّة في الهيئات الإدارية ورئاسة الجمعيات. ولأن الأحزاب نفسها لا تتمتع بثقة الجماهير لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية، فإن ذلك انسحب على قضية مقاومة التطبيع التي أصبحت قضية نخبوية وتراجع اهتمام الناس بها تدريجياً واكتفوا بدور المراقب عن بعد.
  3. تحول نشاط هذه الجمعيات واللجان ليصبح موسمياً.. مرتبطاً بأحداث معينة، واختفت بالتدريج النشاطات الجماهيرية مثل إصدار القوائم السوداء، ومداهمة المحال والشركات المنخرطة في نشاطات تطبيعية، وتوزيع الملصقات على المحلات. لقد أصبح السلطات والمطبعون قادرين تماماً على توقع ردات فعل قوى مقاومة التطبيع المحدودة العدة والعدد. وعلى سبيل المثال، فهم يعرفون أن هذا الفيلم أو ذاك المهرجان أو تلك الرواية ستثير رد فعل يكاد يقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي. وبناء عليه، يصدر النائب العام العسكري اللبناني أمراً باحتجاز زياد دويري وتحويله إلى الاستخبارات العسكرية، أو تصدر هيئة المرئي والمسموع تصريحاً بأنها لم تسمح بعرض فيلم المرأة الخارقة.. الخ. بعد سويعات أو أيام، يُطلق سراح زياد دويري مِنْ دون توجيه اتهام له، فيخرج «غسيلاً» لملائكة حرية الرأي، فمهمته «لم ولن تكون التجسس العسكري، بل كسر التحصينات الثقافية والاستراتيجية بيننا وبين العدو الذي نخوض ضده صراعاً كيانياً، مهمتك أنسنة قاتلنا»[2]. وما هي إلا أيام وتعود دائرة المرئي والمسموع لتعلن أن فيلم «المرأة الخارقة» سيعرض لأن جنسية الممثلة (الإسرائيلية) لا تعتبر مخالفة للقانون. ستغني المجندة فازان نعوم في مهرجان طنجة، وهناك عرض في مهرجان قرطاج أو دبي أو القاهرة… لنركض هنا.. أو لنهرول إلى هناك، لقد أصبحت مقاومة التطبيع نشاطاً نضاليّاً «بالقطعة» وأصبح المناضلون عمال مياومة.

التطبيع خيانة؛ فكرة لا تقبل التفاصيل ولا النقاش… أما كيف نقاوم التطبيع، فهي قضية عربية أخرى شائكة ومعقدة، تنتظر حسم خلاف الأسبقية بين البيضة والدجاجة.. وكلّ هذا والقوم نيام في عسلهم يحققون الانتصارات في أحلامهم فيستيقظون مقبلين على الحياة تملؤهم النشوة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  «ثقافة الخيانة وخيانة المثقفين» – بيار أبي صعب – الأخبار اللبنانية العدد3272 – 12 أيلول 2017

[2]  المصدر نفسه

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

تعليقان

  • منى النشاشيبي Reply

    معك داءما دكتور

    18 سبتمبر، 2017 at 4:50 ص
  • عماد Reply

    عزيزي عماد،
    يرجى التدقيق ببعض المغلومات الواردة في المقال:
    ١- تم تصوير فيلم القضية ٢٣ في لبنان أما فيلم الصدمة فقد تم تصويره في الكيان الصهيوني وبمشاركة صهيونية في التمثيل والانتاج وغير ذلك. القضية المثارة على دويري تتعلق بفيلمه السابق الذي صوره في، وتعاون فيه، مع صهاينة. أما ما يثار حول فيلمه الجديد فهي تتعلق بمحتواه الذي، كما يقال حيث لم اشاهد الفيلم، يحاول تلميع صفحة ودور اليمين اللبناني في الحرب الأهلية في لبنان على حساب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية
    ٢- فاز الممثل كمال باشا بجائزة أحسن ممثل في مهرجان فينيسيا عن دوره في فيلم القضية ٢٣ وليس فيلم الصدمة.

    تحياتي لك

    18 سبتمبر، 2017 at 7:29 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *