حسن نصر الله وقضايا التحرر الوطني*1 بعينيْ ناهض حتر

حسن نصر الله وقضايا التحرر الوطني*1 بعينيْ ناهض حتر

// أحمد جرادات //

 

 

أُطروحة ناهض حتر الرئيسية وسؤاله الكبير

تمهيد

لعل من أهم ما يميز الكاتب والمناضل السياسي اليساري البارز الشهيد ناهض حتر هو الجرأة على اجتراح الأفكار والحلول للمشكلات بل المعضلات، المزمن منها والمباغت، وبناء المشاريع الفكرية والحركية، وسبر حركة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والتقاط الظواهر الأكثر أهمية وإضاءة الجوهري منها، ثم طرح القضية التي يبلورها على الملأ كتابةً أو قولاً أو عملاً على شكل مشروع متكامل. هذا هو ديدنه، ولا يهمه أو يحبطه أو يثنيه عن عزمه شيئ إذا ما اكتشف أن فكرته أو مشروعه أو موقفه لم يصادف نجاحاً. لا بأس، سيعدِّل أو يبدِّل، ثم يمضي في طريقه الوعر الذي يعشق السير فيه.

في هذا الكتاب على وجه الخصوص يستطيع القارئ أن يضع أصبعه على ما قصدتُ في التمهيد. هنا يمكنه التعرف على تفكير ناهض وهو يعمل: يعيش، يعاين، يسبر الأغوار، يلتقط كنوز الظواهر، يبني قضية كبرى، وينطلق بها إلى الآفاق الممكنة. وهنا مثال واضح على “المسبار” الفكري لناهض حتر، حيث يلتقط بألمعية لافتة ظاهرة جنينية تضاهي أهم الظواهر الإشكالية في التاريخ السياسي الاجتماعي الحديث في العالم العربي أثناء ولادتها ونشوئها وارتقائها، ويبلورها في أفكار واضحة وبسيطة وعميقة، محفوفةً بالأسئلة الضرورية، ثم يطرحها بجرأة وبلا تلعثم أو رطانة فكرية أو سياسية.

أما القضية الكبرى/السؤال الكبير الذي يطرحه الكاتب فهو: هل حزب الله “مجرد” حركة مقاومة إسلامية محدودة الأفق، أم حركة تحرر وطني مفتوحة الآفاق على الجهات الأربع؟ (التجريد هنا ليس للتقليل من شأنها) ثم يستفيض في طرح الأفكار والأسئلة الفرعية الممهِّدة والداعمة لأطروحته.

يبدأ الكاتب بتحديد الفرق الجوهري حتى تخوم الانفصال في بعض الحالات بين حركة المقاومة وحركة التحرر الوطني؛ فالأخيرة تتضمن مفهوم المقاومة ضد الاحتلال ولكنها تتخطاه لتشمل مفاهيم أبعد من ذلك، من قبيل مقارعة مختلف أشكال الاستعمار وصون الاستقلال الوطني وبناء الدولة الوطنية والتنمية المستدامة وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية وإطلاق الحريات العامة والشخصية واحترام حقوق الإنسان، في حين أن حركة المقاومة قد لا تشمل المفاهيم آنفة الذكر، بعضها أو جميعها.

وفي هذا السياق يعطي الكاتب مثاليْن حديثيْن من بلادنا: المقاومة العراقية والمقاومة الإسلامية “حماس”: اللتين لم ترقيا إلى مستوى حركات التحرر، بل غرقتا في وحل الطائفية والمذهبية والإثنية. ويشير إلى أن حركات الإسلام السياسي عموماً اتسمت بالعداء للقومية العربية التحررية- ولا سيما في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر- وللشيوعية والاتحاد السوفييتي تحت راية محاربة الإلحاد، فضلاً عن تطابقها مع الاقتصاد الليبرالي والنيوليبرالية. ولهذا لم تعرف هذه الحركات في بلادنا ما عرفته القارة الأمريكية اللاتينية من “لاهوت التحرير”. وبدلاً من ذلك، انحازت إلى جبهة الإمبريالية وانخرطت كفيلق محمول متقدم في صفوف جيشها– بلاك ووتر إسلامية- طوال فترة الحرب الباردة وحتى اليوم، من أيام تنظيم القاعدة في “الجهاد الأفغاني”، الذي انطلق بتوجيه من بريجنسكي وأدى إلى هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، إلى “الجهاد البوسني” الذي مزَّق يوغسلافيا دولةً وشعوباً، إلى داعش والنصرة وأخواتهما ودولة الخلافة إلى “الجهاد السوري” في الحرب العالمية الوحشية على سوريا والمستمرة منذ نحو سبع سنوات والتي لا نظير له منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، من حيث حجم العدوان وقوته وعدد الدول والأطراف المشتركة فيه وطول مدته وطبيعة أهدافه الاستعمارية وخطورتها.

بيد أن ناهض حتر يرى أن حزب الله مختلف في الجوهر عن هذه الحركات الإسلامية ويمثل حالة فريدة في عالم الإسلام السياسي العربي. لماذا يعتقد حتر أن حزب الله يمثل حالة أو ظاهرة فريدة ودرَّة ثمينة تُغري بالتقاطها؟ لأن الحزب ولُد في بيت النار، أي في أتون مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وارتبط بثورة شعبية إسلامية معادية لإسرائيل، بل تدعو ليل نهار إلى زوالها، ومؤيدة للقضية الفلسطينية التي طالما قال العرب إنها قضيتهم الأولى فأصبحت ما بعد الأخيرة، وترفع شعار تحرير فلسطين، كل فلسطين أرضاً وبحراً وسماءً، ومناهِضة للإمبريالية الأميركية “الشيطان الأكبر”. كما ارتبط بمركز التحرر العربي الذي انتقل إلى دمشق بعد رحيل الرئيس عبد الناصر. خرج الحزب إذن من بيت النار متوهجاً قوي البنية والعزيمة، وبَردَ سيفه المقاوم على مهل في مراحل ثلاث مثَّلت سيرورته الكفاحية:

في المرحلة الأولى، ينشأ الحزب كحركة مقاومة وطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ليس لها بُعد قومي تحرري، وينجز مهمة تحرير الجنوب اللبناني في عام 2000. وفي الثانية يقدم نفسه كقوة ردع دفاعية لبنانية تذود عن استقلال لبنان علىى كامل ترابه الوطني بعد ملحمة الثلاثة وثلاثين يوما في عام 2006. أما المرحلة الثالثة الحالية، وهي بلا أدنى ريْب الأكثر أهمية وتأثيراً وإثارةً للجدل على المستويات اللبناني والعربي والاقليمي والدولي، فتتمثل في قراره التاريخي بالإقدام على المشاركة العسكرية العلنية في الدفاع عن سوريا في مواجهة العدوان الامبريالي الصهيوني الرجعي النيو- عثماني.

في هذه المرحلة التي لا تزال جارية، يصل حزب الله إلى مفترق طرق عويص ونقطة تحوُّل حاسمة. إذ أن انخراطه في الحرب السورية كتفاً إلى كتف مع جبهة المقاومة يضعه على أبواب مرحلة جديدة تماماً أو يُدخله فيها. كيف؟ بل كيف لا؟ إنه يقاتل ضد قوات إرهابية إسلامية ويدافع عن نظام قومي علماني؛ ويقف في خندق أممي متعدد الثقافات والطوائف والمذاهب والإثنيات يمتد من إيران إلى روسيا إلى الصين في مواجهة خندق عالمي تحتشد فيه جيوش إرهابية تكفيرية من ثمانين دولة؛ وفي الوقت الذي يناصبه الإسلاميون العداء ويكفِّرونه ويقاتلونه، فإنه يجد في العلمانيين والقوميين واليساريين التقدميين حلفاء له.

نصر الله وماركس وفيروز وجبران وسعادة

لست متأكداً مما إذا كان تضمين هذا الفصل في مقالي هذا في محله أم لا. غير أن ناهض حتر، وهو يخوض في الحديث عن حسن نصر الله، السيد الشيعي الوقور والقائد السياسي الفذ والمقاوم الباسل والزعيم بلا منازع، الجاد إلى أبعد حد والمشغول والمهموم إلى أقصى درجة، لا ينسى، في ثلاث مقالات من كتابه (ربما لأهميتها بالنسبة له)، أن يسلِّط بقعة ضوء على علاقة روحية “افتراضية” بين حسن نصر الله الإنسان، المحب للفن والخير والجمال، صاحب الروح الغنية والوجدان الشفاف والضمير الصافي، وبين السيدة فيروز وكارل ماركس وجبران خليل جبران وانطون سعادة. فيشير إلى مقابلة مع الفنان زياد الرحباني في موقع “العهد الإخباري” بتاريخ 16 كانون الأول 2013، يقول فيها زياد إن والدته تحب السيد حسن نصر الله. ويعلق الكاتب بالقول إن هذا “الحب” لا بد أن يكون متبادلاً، فمن غير الممكن ألا تكون هناك صلة روحية بين اثنين من أرقى الشخصيات التي انتجها المجتمع اللبناني. وإن كل ما جسدته فيروز من وقفات عز وطنية وإنسانية على المسرح جسّده نصر الله على مسرح الواقع، إلى حد يشعر معه بأن المقدمة الموسيقية لمسرحية “جبال الصوان” كُتبت لمقاومي حزب الله نشيداً.

ومن تراث كارل ماركس ينقل حتر من كتاب “نقد الحاجة الى ماركس” لسالم حميش نصاً قصيراً لاستمارة صحفية شخصية نُشرت في ستينيات القرن التاسع عشر، يقول فيها ماركس: “إن الصفة التي أحبذها أكثر من غيرها في الإنسان عموماً هي: البساطة، وعند الرجل: القوة، وعند المرأة: الضعف. فكرتي عن السعادة: الصراع، وعن الشقاء: الخضوع. لوني المفضل: الأحمر، طبقي المفضل: السمك. شعاري: يلزم الشك في كل شيء. حكمتي: لا شيء إنسانياً غريب عني.” ويقارن بين هذه المقابلة مع ماركس ومقابلة أخرى مع السيد حسن نصر الله أجرتها جريدة “الأخبار” اللبنانية في 14 آب 2014 على هذا النحو: صحيح أن السيد حسن لم يتحدث عن الحب والمرأة وماشابه كما في مقابلة ماركس، ولكن القدْر الممكن من الأقوال حول كرة القدم والأطعمة المفضلة والأماكن المفضلة في لبنان والفيس بوك والفضائيات والقراءات والتنقل السري وغيره يمثل إطلالة على دواخل السيد الإنسانية. غير أن الرابط المدهش بين كارل ماركس وحسن نصر الله يكمن في أن التعقيد الاستثنائي للمهمات الفكرية والسياسية والقدرة الفذة على تنفيذها لا يصيبان الوجدان الشخصي لكل منهما بتعقيد مماثل. فماركس يحب المرأة ونصر الله يحب كرة القدم، وكان يلعبها حتى بعد أن وضع العمامة على رأسه ويحرص على مشاركة نجله الصغير مشاهده المباراة النهائية للمونديال على الرغم من اكتظاظ أجندته الهائل وصرامتها الأمنية الفائقة.

ومع إعلان حسن نصر الله عن انطلاق مرحلة نوعية جديدة في الصراع الدموي المديد في المنطقة، وهي مرحلة صراع الوجود الذي يحتِّم على الحزب كسر فكيّ الكماشة اللذيْن يُطبقان على وجوده في لبنان – اسرائيل من الجنوب والإرهاب من الشمال- وانتقال الحزب كقوة مقاتلة من المحلي اللبناني إلى المشرقي ثم العربي والدولي، يرى الكاتب أن السيد حسن نصر الله، المسلم الشيعي المقاوم، الذي أعلن للإرهابيين التكفيريين، بوحي من ضميره ووطنيته، أن “لكم دينكم ولي دين”، إنما يستلهم جبران خليل جبران المسيحي المسالم، فيردد كلماته مخاطباً “الأفرقاء”- على حد تعبير اللبنانيين: “لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمَنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني.” مقتبساً من نص جميل بعنوان “لكم لبنانكم ولي لبناني”، لا أظن أن السيد حسن يأنف من تمثُّله:

“…لبنانكم مرافئ وبريد وتجارة، أما لبناني ففكرة بعيدة وعاطفة مشتعلة وكلمة علوية تهمسها الأرض في أذن الفضاء .

لبنانكم موظفون وعمال ومديرون، أما لبناني فتأهب الشباب وعزم وحكمة الشيخوخة .

لبنانكم وفود ولجان، أما لبناني فمجالس حول المواقد في ليال تغمرها هيبة العواصف ويجللها طهر الثلوج .

لبنانكم طوائف وأحزاب، أما لبناني فصِبية يتسلقون الصخور ويركضون مع الجداول ويقذفون الأكر في الساحات .

لبنانكم خُطب ومحاضرات ومناقشات، أما لبناني فتغريد الشحارير، وحفيف أغصان الحور والسنديان ، ورجع صدى النايات في المغاور والكهوف .

لبنانكم كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار، ورياء يختبئ في رداء من التقليد والتصنع، أما لبناني فحقيقة بسيطة عارية إذا نظرتْ في حوض ماء مارأتْ غير وجهها الهادئ وملامحها المنبسطة.

لكم لبنانكم وأبناء لبنانكم فاقتنعوا به وبهم إن استطعتم الاقتناع بالفقاقيع الفارغة، أما أنا فمقتنع بلبناني وأبنائه وفي اقتناعي عذوبة وسكينة وطمأنينة…”

وبالطبع، لا يمكن لناهض حتر، الذي تبنى مشروع المشرقية ونظَّر له وقاده وبدأ التحضير لإطلاق حركته رسمياً في مؤتمره التأسيسي الذي كان سيُعقد في عاصمة المشرق دمشق قبيل استشهاده، إلا أن يشيِّد جسراً بين الزعيمين حسن نصر الله وانطون سعادة. فيسارع إلى وضع قدميّ حسن نصرالله في ركاب المشرقية ويربطه بشكل ما بالمشرقية العروبية بالقول إن نصر الله يعبر عن حساسية مشرقية واضحة بإشارته الصريحة إلى أن التاريخ يُصنع اليوم في البلدان المشرقية (سوريا العراق ولبنان وفلسطين والأردن) التي بات السيد يراها في وعيه الاستراتيجي اليوم إقليماً واحداً، وبالتالي ميداناً واحداً للصراع مع العدوَّيْن اللدوديْن “الحليفيْن”: الكيان الصهيوني والقوى التكفيرية الإرهابية. ويذهب حتر إلى أبعد من ذلك فيرى أن حزب الله لم يعد حزباً لبنانياً وحسب وإنما يتحوّل، واقعياً وليس بالضرورة فكرياً، إلى حزب المشرق كله.

على أن مشرقية حسن نصرالله وحزبه التي يراها الكاتب لا تنتقص قيد شعرة من عروبتهما التي تنفيها ماكينة البروبغاندا النفطية الضخمة وتُلحق جميع الشيعة العرب بالشيعة “الفرس المجوس”. واللافت أن تلك الهجمة المنظمة والأوركسترالية لا تقتصر على السلفيين الجهاديين والتكفيريين وما لفَّ لفُهم من حركات الإسلام السياسي، بل شملت زمَّارين جدداً من اليساريين والقوميين والليبراليين والعلمانيين العرب.

مقاربة حسن نصر الله لخطاب التحرر الوطني

يشير الكاتب ناهض حتر إلى أن السيد حسن نصر الله الإسلامي يتمتع بما يسميه نزعة علمانية وطنية واقعية. ففي الوقت الذي تشهد حركات الإسلام السياسي صعوداً شعبياً في ظل “الثورات الملونة”، وتبرر حقها في الحكم باسم الله في الأعالي وتُلبسه ثوب القداسة (الخلافة الراشدة)، يقول السيد نصر الله إنه “لا يهم أميركا أن يحكم في العالم العربي حزب إسلامي أو قومي أو حتى شيوعي؛ ليس مهماً أن تطيل لحيتك أو تحلقها، أن تلبس كرافة أو لا تلبسها، المهم ما هي سياستك.” ويترجم الكاتب هذا الكلام بعباراته الخاصة ليقول إنه بالنسبة لنصر الله الإسلامي لا يهم أن تكون إسلامياً أو يسارياً أو قومياً، المهم ما هي سياستك تجاه الحلف الأميركي- الصهيوني، والمهم هو الموقع السياسي الذي تنطلق منه وتنتهي إليه. إذن هذا هو المعيار السليم، الذي لا ينطق عن هوى ويصدر عن ضمير شفاف، وهو معيار يقتضي توفر فضاء وطني وإقليمي ودولي لحوارات وتحالفات لا تقوم على الدين والطائفة، وإنما على الاصطفافات السياسية الفعلية. وهذا هو جوهر العلمانية بنظره؛ إذ أنه يعبِّر عن تحرر فكري وسياسي من الطائفية ( من دون التخلي عن الطائفة كواقع اجتماعي سياسي) وعن انعتاق من رباط الدين بالسياسة (من دون التخلي عن الخيار الإسلامي الذاتي والحزبي) ويفتح آفاقاً لتسويات وطنية واجتماعية خارج نطاق النظرة الأحادية الاستئصالية للإسلام السياسي التي تقوم على التعصب والتمييز والإقصاء وإلغاء كل آخر.

ويعتقد الكاتب حتر أن زعيم المقاومة سائر من ساحة المقاومة إلى فضاء التحرر الوطني. إذ يلحظ أنه في الوقت الذي تغادر فيه قوى إسلامية مواقع الليبرالية والأخونة إلى السلفية الإرهابية والمذهبية، ويسقط مفكرون إسلاميون قدَّموا أنفسهم كعقلانيين، ومثقفون قوميون قدموا أنفسهم كديمقراطيين، في مستنقع النصرة وداعش، وبينما يصمت يساريون أو يقفون على الحياد حيال الكارثة الثقافية والأخلاقية والإنسانية التي تحلُّ ببلاد العرب، وبينما تتمدد الظلامية ويسود الظلام، يدهشنا قائد المقاومة الإسلامية باختراقات فكرية سياسية تقدمية تمنحنا الأمل في تلاحم مشروع التحرر الوطني ومشروع المقاومة في مشروع موحد متكامل، وتكوين الكتلة الاجتماعية التاريخية القادرة على إنجاز مهمات التحرر الوطني العربي.

ففي جدل التحرير والتحرر، أي تحرير الأرض والتحرر الوطني، كما أسلفنا، لا ينطوي مفهوم المقاومة بحد ذاته على مضمون اجتماعي سياسي، حيث يقتصر هدف المقاومة عموماً على تحرير بلد محتل أو أراض محتله بدون أن تطرح بالضرورة هدف اليوم التالي. فحتى وقت قريب كان فكر حسن نصر الله وحزبه يركز على مفهوم المقاومة كحركة كفاح مسلح ضد الاحتلال الصهيوني لأراضٍ لبنانية وعلى مجتمع المقاومة كبنية حاضنة للحركة بدون طرح أية أفكار بشأن التحرر الوطني. غير أن التجربة البطولية المرة في سوريا وضعت الحزب وقائده في مواجهة استحقاق فكري رئيسي يتعلق بأولوية مفهوم الاستقلال السياسي والاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

وفيما يتعلق بما أسماه النزعة العلمانية الواقعية لدى الحزب، يقرر حتر أن ثمة “علمانيات” وليس علمانية واحدة، وأنها ليست كلها إلحادية وغربية. ويعرِّف العلمانية بأنها “صيغة فكرية سياسية يتحدد مضمونها وفقاً للضرورات القومية للمجتمعات. ففي المشرق، مثلاً، لا يشترط أن تقوم العلمانية على أساس الفصل الجذري والتام بين الدين والسياسة، وأنما على حيدة الدول الوطنية إزاء الطوائف والمذاهب والإثنيات، والقبول بالتعددية الدينية والمذهبية والثقافية على أساس حقوق المواطنة الفردية وحقوق الإنسان. وما انفكَّ نصر الله يبثُّ إشارات علمانية بإلحاحه على تقديم أولويات المقاومة على الولاءات الدينية والمذهبية والفكرية والثقافية. وبعد  اندلاع الأزمة السورية الطاحنة، انغمس الحزب ومقاتلوه بشكل مباشر وبكل قوة في معركة الدفاع عن الدولة السورية القومية العلمانية التعددية. ويضرب مثلاً على ذلك القتال المستميت الذي خاضته والتضحيات الجسام التي بذلتها المقاومة التابعة لحزب الله الشيعي اللبناني دفاعاً عن بلدة معلولا المسيحية السورية. وما زال مشهد التحية العسكرية التي أدَّاها أحد المقاومين أمام تمثال لمريم العذراء فيها شاهداً على تجذُّر روح التعددية في ثقافة المقاومة.

وهنا يلتقط حتر بعمق دلالات الفرق والمفارقة بين حدثيْن مهميْن في سيرورة حزب اللهوإن كانا متباعديْن زمنياً: الانتقال من القتال في البوسنة والهرسك، جنباً إلى جنب مع السلفيين الجهاديين والإرهابيين، إلى القتال في معلولا ضدهم، جنباً إلى جنب مع المسيحيين وجنود الدولة السورية العلمانية. تلك قفزة حملت حزب الله إلى موقع تقدمي آخر تجلى في إعادة الاعتبار إلى المقاومة اللبنانية العلمانية والإشادة بنضال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول” التي أطلقت شرارة المقاومة المجيدة ضد الاحتلال الإسرائيلي في عام 1982، الأمر الذي يستدعي إعادة كتابة تاريخ المقاومة في لبنان من منظور تعددي لا ديني، ويُعتبر ضرورياً لتلاحم القوى الوطنية على اختلاف مشاربها الأيديولوجية ومكوناتها الاجتماعية وكياناتها السياسية من أجل تجذير ثقافة المقاومة والمواطنة في لبنان. وهذا يقع في صلب مقتضيات حركة التحرر الوطني.

ويخلص الكاتب ناهض حتر إلى الجزم بأن السيد حسن نصر الله تبنى خطاب التحرر الوطني، مستنداً إلى الكلمة التي ألقاها في 5 تشرين الأول/نوفمبر 2015 وتضمنت عدداً من مفاهيم حركة التحرر الوطني العربية التي طالما استُخدمت في أدبيات الأحزاب الشيوعية العربية، ويتساءل: مَن كان يتوقع أن سيداً معمَّماً هو الذي سيوقظ الخطاب الشيوعي العربي من سباته؟ هذا يثبت أن العلاقة الجدلية بين الفكر الثوري والتاريخ الاجتماعي تسير حقاً في طرق متشعبة ووعرة، وأمكن في هذه الحالة العيانية أن يتجلى حضورها من خلال حدوث تحوُّل نوعي نتج عن تراكم كمي في فكر قائد مقاومة “إسلامية”، أبعد ما يكون عن الشيوعية كأيديولوجيا- وإن كان منهجه في التفكير أقرب إلى المادي الديالكتيكي.- فهل يا ترى خطر ببال ناهض حتر، على طريقته في هذا الكتاب، أن يمدَّ رابطاً فكرياً في موضوع حركة التحرر الوطني بالذات بين السيد حسن نصر الله ومواطنه المفكر الشيوعي الكبير الشهيد مهدي عامل؟ هو لم يقل ذلك صراحةً، ولا نعرف ما إذا كان قد فكَّر به أو عبَّر عنه بعد أن لقي المصير نفسه الذي لقيه الشهيد مهدي عامل برصاص الإرهاب الذي يُطلق على الفكر كي يطفئوا نوره.

وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن نصر الله لا يحدد خندقيْ المجابهة التاريخية على أساس فسطاطيْ الإيمان والكفر، بل من منظور الصراع بين الاستعمار والتحرر الوطني. كما أنه لا يدعو المؤمنين إلى النضال من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية بل من أجل حرية الأوطان والشعوب واستقلالها وامتلاك ثرواتها. ولا ينظر إلى الصراع التاريخي الراهن بوصفه صراع حضارات وأديان ومذاهب وعقائد كما تفعل حركات الإسلام السياسي، بل بوصفه صراعاً بين قوى الاستعمار العالمي والشعوب الطامحة إلى التحرر الوطني، ويعلم أن دوافع وأهداف القوى الاستعمارية ليست الحقد على الإسلام، فثمة “إسلام” سياسي ظهير وحليف ومسلمون أدوات ومطايا تستخدمهم لتدمير دولنا والسيطرة على شعوبنا ونهب ثرواتنا و”فتح” أسواقنا، بينما هم يتبجحون ، كذباً أو جهلاً، بأنهم يخوضون حروب “الفتح” الإسلامي وحروب الردة ويقيمون الإمارات الإسلامية ودولة الخلافة في دار الهجرة على أي شبر من أراضي “الكفار” الذين هم بنظرهم في جاهلية القرن الحادي والعشرين يعمهون.

وفي مسألة أخرى من مسائل حركة التحرر الوطني العربية، يتطابق موقف حسن نصر الله من إسرائيل مع المفهوم التحرري الذي يرى أن إسرائيل مجرد أداة استعمارية لتحقيق أهداف استعمارية، وأن المجابهة معها هي مجابهة شاملة مع الإمبريالية وتابعيها وأدواتها الأخرى من أنظمة رجعية وقوى طائفية وإسلامية تكفيرية. وبعبارة أخرى، يؤمن حسن نصر الله بأن إسرائيل جزء من منظومة استعمارية متكاملة، ويستحيل الانضواء تحت هذه المنظومة ومجابهة إسرائيل في الوقت نفسه مثلما يتظاهر البعض من باب التحايل أو الاحتيال.

وفي النهاية يخرج الكاتب ناهض حتر من هذا البحث بخلاصة مفادها أن حسن نصر الله وحزبه بعد الانخراط المبدأي المكثف حتى النهاية في المعركة المصيرية الضروس للدفاع عن سوريا ليسا كما كانا قبله. فالحرب السورية التي خاضها حزب الله في البداية دفاعاً عن المقاومة ولأغراض حماية مقامات ومقدسات شيعية، أخذته إلى فضاء آخر، بدون أن تكون لديه “عدة فكرية” لاستيعاب مستجدات وتعقيدات الصراع في سوريا وعليها. ولكن نصر الله بذكائه وقيادته الفذة، وفوق ذلك بإخلاصة لضالَّة المؤمن-الحقيقة- استوعبها بسرعة وعالجها بجرأة. هكذا يتوصل الكاتب إلى استنتاجه الرئيسي بشأن القفزة النوعية لانتقال حسن نصر الله إلى خطاب حركة التحرر الوطني في جملة قضايا أساسية أتى على ذكرها في سياق الكتاب (النظرة إلى الصراع العالمي كصراع بين قوى النهب والعدوان الاستعمارية وبين الدول المستقلة، وهي نظرة تحكم القضايا الأخرى كالصراع مع اسرائيل وطبيعة التحالفات المحلية والإقليمية والدولية، وأولوية الاستقلال والدولة الوطنية والتنمية وصولاً إلى القبول الواقعي بنوع خاص من العلمانية على حد تعبيره). ويتوقف الكاتب عند القول بأن حسن نصر الله وحزبه لم يتمكنا بعد من التوصل إلى الشق الثاني من أيديولوجية حركة التحرر الوطني، وهو الشق الاجتماعي.

ومن ناحيتي لا يمكنني أن أزعم بأن لديَّ جواباً على السؤال المهم والثمين الذي ينبثق من مقولة حتر في هذا الصدد: هل توصَّل السيد حسن نصر الله وحزبه الآن إلى الشق الثاني من أيديولوجية حركة التحرر الوطني أم لا، ولكنني أعتقد أنه لو كان ناهض بيننا اليوم لكان لديه جواب.

عمان/ 25 أيلول/سبتمبر 2017

[email protected]

[1]  حتر، ناهض، “حسن نصر الله وقضايا التحرر الوطني”، شركة ميسلون للدراسات والإعلام، بيروت، لبنان، كانون الثاني/يناير 2016

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *