جبران ونعيمة والنبوَّة

جبران ونعيمة والنبوَّة

// ياسر قبيلات //

سأظل أتساءل عما حدث بالضبط مع جبران خليل جبران في الولايات المتحدة الأميركية لكي يتحول إلى نبي ولا يغدو كاتباً أبداً، ويعيش منعزلاً عن الواقع.. داخل لواعج نفسه، في بلد يجعلك رغماً عنك – حتى لو كنت ناسكاً بوذياً – تغرق في الواقع.

كيف حصل معه ذلك؟ أو بالأحرى، لماذا أرادت له أميركا، هو بالذات، ذلك؟

أميركا التي تشبه الأجهزة الأمنية التي تشترط الكشف عن العورة الجسدية، والوقوع في هفوات أخلاقية، والقبول بالتورط المالي لتعترف بوجودك على قيد الحياة. ماذا دهاها أميركا، أو ما الذي حصل مع جبران خليل جبران، بالضبط!؟

في ذلك الزمن، واجه العالم العربي حملات تبشيرية كثيرة. وكانت مِنْ بينها رعيّة (وبعثة) «مسيحية» روسية. ولكن البعثة الروسية اختلفت عن غيرها من البعثات الغربية في أنها لم تكن تبشيرية تحاول تغيير إيمان مسيحيينا من مذهب مسيحي إلى آخر، بل كانت تعمل على إيجاد صلة ما بين المسيحية الروسية الفريدة والخاصة وبين مسيحية الأراضي المقدسة. ولهذا، سعت إلى فتح المدارس والتعليم. ومن هنا، فإن أفضل خريجي البعثة الروسية من مسيحيينا هم من أعاد إحياء اللغة العربية في المناهج التعليمية، بعد أن ماتت بالإرادة العثمانية، وجلهم أصبحوا من حفظة القرآن في سياق سعيهم إلى تركيز العربية على ركائز ثابتة، وأغلبهم كانوا فلسطينيين وكان بينهم أردني.

وفي تلك الفترة، عندما كانت روسيا لا تزال تعيش زمنها القيصري، تم ابتعاث ميخائيل نعيمة إلى روسيا، وكان صبياً، ليتعلم هناك. وأظنه قضى فيها نحو سبع سنوات مفعمة بالحياة، إن لم أكن نسيت وقادني النسيان إلى خيانة مذكراته. وبعدها عاد إلى لبنان، ثم قضى سنوات طويلة في الولايات المتحدة. وكان هناك مجرد مهجري، في صحافة مهجرية، وبين رجال أعمال يحسبون أنفسهم مثقفين، ولا يعتقدون أن صفتهم هذه أهم من أعمالهم. ولم يكن من الوارد أبداً أن يكرر تجربة «جبران خليل جبران»، ولا شيئاً شبيهاً..

فماذا حدث بالضبط مع جبران خليل جبران في الولايات المتحدة الأميركية، لكي يتحول إلى نبي!؟

بالمقارنة بين ميخائيل نعيمة وبين جبران خليل جبران، نجح الأول بثقافة روسية في التعرّف على الأنواع الأدبية، وتمكن من امتلاك ناصيتها، كما أنَّه امتلك القدرة على الانحراف عنها يميناً وشمالاً. وأغرب ما في هذا، أن الأنواع الأدبية في ذلك الوقت كانت حرفة أوروبية وغربية. ولكن جبران خليل جبران، في عز ظهيرة أميركا، وانعطافتها اللصوصية الهائلة نحو سرقة أوروبا، لم يخرج بشيء؛ فلا المطولات التي كتبها روايات، ولا قصار النصوص قصص، ولا المقتضبات قصص قصيرة، ولا قصائده شعراً. وحتى رسومه ليست لوحات. وكل ما تركه في عموم هذه المجالات أشبه بحكايات إيسوب. وهذا جدير بفتى تقمص شخصية نبي وراح يبحث في الأثناء عن نوع أدبي يحمل على متنه وصاياه العشرة أو السبعة، بالضرورة الدينية أو بتقاليد «الجاهلية» العربية. وهو علاوة على ذلك لم يكن الوحيد ولا أبرع مهجري كتب وترك آثاراً بلغة أخرى!

فماذا حدث بالضبط مع جبران خليل جبران لكي يتحول إلى نبي أخلاقي سامٍ محايد!؟

هل هي الولايات المتحدة؟ أم نحن؟ أم لأنه لم يحتك بالثقافة الروسية، التي عاصرها، ولم يعرف تولستوي الذي كانت له حكايته الخاصة المعروفة مع النبوة والأنبياء. ولقد أدرك تولستوي في النهاية أنه مشوش تماماً، ولكنّه لم يدرك أنه ذهب إلى النبوة من موقع قدرتها (سلطتها) وأن غريمه دستويفسكي طرقها زاهداً من موقع الألم والعذاب الإنساني الذي استوجب كل معاني الصليب والصلب، وعدم التفكير بـ«الإله» بمعزل عن ضرورته المتمثلة بالتبني والنصرة المفترضة لجموع المعذبين والمضطهدين.

وهذا فارق قائم، بحدة، بين «المسيح اليهودي» وبين المسيح الفلسطيني!

لن نذهب مع تولستوي خائب الأمل، الذي اندفع بفعل خيبة أمله بنفسه وإيمانه الذي أراد له أن يعزز معتقداته الإشتراكية الفطرية (نوع من الفابية مؤنبة الضمير) إلى تدبيج كتاب كامل يشكك فيه بأن يكون المسيح وجد يوماً ما. وبالمقابل، كان دستويفسكي يقدس المسيح، إله المعذبين والمضطهدين، ويقدم في حياته الشخصية سلوكاً مناقضاً، تصبح فيه مناصرة المعذبين والمضطهدين جزءاً من عبادة الإله الخالصة لوجهه ومرضاته وحسب.

بين دستويفسكي وبين تولستوي فارق آخر مهم؛ فالأول جاء من جموح المهمشين إلى التمرد، الذي أوصلنا بعد عقود إلى ثورة السابع عشر من تشرين الأوّل/أكتوبر، أما الثاني فجاء من النظام الإقطاعي المتخلف، الذي كان في جوهره لا يزال يحتفظ بعناصر من نظام القنانة. وهو فارق تميزه الماركسية بمفردتين: «الإنتماء» إلى الطبقة الثورية، و«الانسلاخ» عن الطبقة الرجعية!

وهذه معضلة لم يحلها أبداً تولستوي مع زوجته التملكية صعبة المراس. بالمقابل لم ينتبه إليها دستويفسكي مع زوجته المحبة المتفانية!

ولهذا، يقول شيلكوفسكي.. أحد أهم الشكلانيين الروس في نص يتحدث فيه عن الرجلين وزوجتيهما، نحن نعيش في مأزق ثقافي بين قطبين، في كل منهما موجب وسالب، وليس واحد منهما خالصاً. وعلينا أن نجد مكاناً للموصلات بينهما لكي يكون هناك نور، لا حريق!

في عالمنا العربي لن يكون هناك من نور أو حريق. لأن أحداً لا يقرأ مخيائيل نعيمة، ومن يمرون على جبران خليل جبران هم من يسمعون فيروز فقط. وليس هناك من يتأمل في ثقافتنا، ولا نقاد يمسكون مفاتيح كتابتنا. هناك فقط اقتباسات ومديح وتزلفات وهراء يشبه ليل مدينة مليء برائحة صهاريج النضح!

عليّ أن أقرّ هنا، من موقعي كسوفيتي عتيق، أن الدولة السوفيتية انحازت إلى تولستوي، ليس لشكوكه بإيمانه العميق، ولكن لالتفاتته الاجتماعية، ورفضت دستويفسكي، لأنه مثل حالة إصرار على أن الواقع الاجتماعي الظالم وغير السوي، تسبقه نوازع إنسانية مستدامة غير سوية، وهو موقف انسحب على علم النفس (دون تقييده)!

وهذا يعيدني لأسأل: هل كانت الولايات المتحدة تحتاج في لحظتها تلك إلى نبي، وكل نبي غريب، ليتحول جبران إلى نبي!؟

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *