بعدما خسرت الرياض ذراع بغداد ولسان دمشق

بعدما خسرت الرياض ذراع بغداد ولسان دمشق

// أنطون كاساتكين //

 

 

اعتادت السعودية على ممارسة نفوذها وفق مبدأ «القيادة من الخلف»؛ وهي في هذا كانت تحرص من جهة على وجود واجهة عربية غير خليجية في المقدمة، تتكون من دول على تماس مع قضايا «الشرق الأوسط» الشائكة، ومن أبرزها بالطبع الصراع العربي الإسرائيلي. وفي وقت ما، كانت هذه الدول تضم مصر والأردن. أو ما سمي بـ«محور الاعتدال»، الذي انتهى مع بدء «الربيع العربي».

 

ومن جهة ثانية، كانت الرياض تحرص على الاحتفاظ بعلاقات وطيدة وراء الكواليس، وأمامها في كثير من الأحيان، مع الرقم السوري الصعب في المعادلة العربية. كما كانت تحرص، لهذه الغاية، على الإحتفاظ بسلة مغريات ومفاتيح لملفات تقايض بها دمشق، عند اللزوم. وهنا، كانت مغاليق الملف اللبناني، وتعقيداته، وأزماته، طعماً فعالاً بما يكفي لجر دمشق إلى تفاهمات مرحلية، أو إزعاجها وإشغالها حينما يتعذر التفاهم معها.

 

ومن يرصد الإنشغالات السورية الملحة، ويتتبع المرات التي كان فيها الملف اللبناني شغل دمشق الشاغل، أو سبب لها الصداع خلال عشر سنوات سبقت «الربيع العربي»؛ بدءاً من الأزمات المتعلقة برئاسة الجمهورية والحكومة والانتخابات، وليس انتهاء بملف اغتيال الحريري وسواه مِنْ ضحايا شهية اصطياد سوريا في لبنان، يدرك حجم ما تحويه الخفايا والكواليس من محاولات ترغيب وترهيب وإشغال، وما فيها من ممارسة للنفوذ وفق مبدأ «القيادة من الخلف».

 

عملياً، لم يكن سهلاً على السعودية أن تبقى في الظل، وأن «تقود من الخلف»؛ خصوصاً، في السنوات التي خرجت فيها مصر من المعادلة العربية، وبعد تداعي دورها الإقليمي في عهد حسني مبارك، وفي الفترة التي أعقبت غرق العراق في الحصار الدولي، ثم انهيار نظامه البعثي. ولكن الرياض تدرك إن الانفاذ العلني للسياسات، التي تمررها في الخفاء وفق مبدأ «القيادة من الخلف»، يلحق ضرراً بالغاً بصورتها في العالم العربي على نحو فادح، ناهيك عن أنه يكشف مسؤوليتها عن جملة الانتكاسات العربية، سواء في السياسة، أم في انهيار الحياة العامة داخل الدول العربية، وتعطيل التنمية فيها.

 

ولهذا، حرصت الرياض على أن تبقى، مع بقية الدول الخليجية، في خلفية المشهد، تلعب دور لوم «الأنظمة الجمهورية»، بينما يغرد إعلامها مردداً وراء وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم متهماً القوى «القومجية والثورجية التي أشبعتنا شعارات جوفاء» بكل ما حاق بالبلدان العربية، بدءاً من إنشاء إسرائيل، وخسارة العرب لحرب 1948؛ ولن يتذكر أحد، بالطبع، أن الأنظمة العربية الرئيسة والمؤثرة في ذلك الوقت كانت أنظمة ملكية، وهي بالذات من يتحمل المسؤولية عما حدث.

 

ومع بدء «الربيع العربي»، تغير الموقف. لم تلبث السعودية، التي أصيبت بالذعر أول الأمر مع وصول الموجة العاتية الأولى من «الربيع العربي» إلى مصر ونظام حسني مبارك، أن اندفعت تؤيد حقن الوريد السوري بالمزيد من الإرهابيين، تحت شعار دعم «ثورة الشعب السوري»، وتسليحها لـ«الدفاع عن نفسها». وبدا للرياض أن الخلاص من نظام بشار الأسد أهم من ملاحظة الدور القطري الذي بدأ يتخطى جدياً مبدأ «القيادة من الخلف»؛ فلعبت دوراً حاسماً في تمرير الأفكار القطرية التي جمدت عضوية دمشق في جامعة الدول العربية، وفرضت اجراءات قاسية طالت المجالات الدبلوماسية والإعلامية ووقف الرحلات الجوية، وخلافه. والأهم، أنها ألقت بثقلها وراء الأفكار القطرية التي تقول بأنه آن لدول الخليج أن تقود العالم العربي، باعتبار أنظمتها «صاحبة سياسات أنتجت ازدهاراً، لا دماراً».

 

وبالفعل، لم يمض وقت طويل، حتى كانت مؤسسة العمل العربي المشترك الأولى، الجامعة العربية، رهناً بيد الرياض، التي تركت للدوحة إدارة الأمور. بل لم تجد الدولتان غضاضة في أن تجتمع مؤسسات مجلس التعاون الخليجي قبيل انعقاد إحدى القمم العربية مباشرة، لسبب معلن هو الاتفاق في «البيت الخليجي الموحد» على المقررات التي يجب أن تخرج عن تلك القمة!

 

وهذا شيء لم يتوقف عنده أحد، كما لم يعاند أحد في الاجتماعات العربية حينها، الطريقة الفظة المتعجرفة والاستعلائية التي أدار بها حمد بن جاسم مجريات تلك اللقاءات. ويتذكر سياسيون ودبلوماسيون شهدوا تلك المرحلة أن فظاظة «بن جاسم» بلغت حد الإهانة الشخصية، التي تم توجيهها في بعض الحالات مباشرة لبعض من زملائه الوزراء العرب لمجرد محاولتهم التذكير بـ«نقاط نظام» لا بد منها، ولا تعيق مساعيه. وكان تعساء الحظ هؤلاء مضطرين لابتلاع ألسنتهم، وطأطأة رؤوسهم أمام الوزير القطري، الذي تصرف باعتبار أن ليس لديه وقت يضيعه مع أشخاص يمكن أن يشتريهم مدير مكتبه جملةً، بمال جيبه الخاص!

 

ويذكر شهود تلك المرحلة حالة واحدة، لم تواجه بها إهانات «بن جاسم» بالاستكانة؛ تلك حالة وزير الخارجية الجزائري، الذي لم ينس أنه يمثل بلاده، ويساوي مقدار ما لبلاده من قيمة وأهمية، وعدد شهداء الجزائر الذي يفوق عدد رعايا الدوحة، لا بمقدار ما في جيبه من مال. ولكن يلفت الانتباه أنه سوى هذه الحالة، لا داخل الغرف المغلقة، ولا خارجها، لم تواجه الاستعلائية القطرية، واستئثار الدوحة بقيادة العالم العربي في تلك المرحلة، بحالة احتجاج واحدة، لا من السياسيين، ولا من دولهم!

 

 ومع ذلك، وبمرور الوقت، ومع إذاعة تسجيلات بن جاسم مع الزعيم الليبي الراحل، التي فضخت النوايا القطرية تجاه السعودية، اندفعت الرياض لتجريد الدوحة من «قيادتها» للعالم العربي، وأخذت المسؤولية على عاتقها. فما الذي حدث؟

 

تماماً كما في المرحلة الأولى التي تم فيها تسويق فكرة أنه «آن لدول الخليج أن تقود العالم العربي»، والمرحلة اللاحقة التي استأثرت فيها قطر بقيادة العالم العربي، سجلت الرياض إخفاقاً مكلفاً في التصدي لهذه القيادة، التي لم ينازعها عليها أحد. ومسلسل الأزمات التي تلت ذلك، وآخرها الأزمة الخليجية مع الدوحة نفسها، دليل على أن فكرة قيادة الخليج للعالم العربي «من المقدمة» ليست سديدة، ولا تتوافر لها الظروف، طالما أن الوازن في عالم السياسة الدولية هو الثقل الجيوسياسي، وليس الثروة وآليات الصرف المالي على السياسات. كما أن «القيادة من الخلف» نفسها غير ممكنة مِنْ دون دول وازنة، لها ثقل جيوسياسي حقيقي، وتمتلك إرثاً في إدارة السياسة، لا في الإنفاق عليها.

 

في هذا الموضع بالذات، يبرز الملف النووي الإيراني؛ لقد ضغطت دول الخليج على الولايات المتحدة للتصدي لإيران. هذا الالحاح قاد الأميركيين للانشغال بهذا الملف. وهذا الانشغال قاد إلى لقاءات مع الإيرانيين. وبطبيعة الحال، فإن هذه اللقاءات أدت في النهاية إلى الاتفاق الشهير، الذي حول طهران إلى قبلة لزيارات السياسيين الأوروبيين. ولا يهم أن الإدارة الأميركية الحالية ترغي وتزبد وتصرخ في وجه إيران اليوم، فأولويات الولايات المتحدة أعلى صوتاً.

 

في زمن، ما، من عهد «القيادة من الخلف»، كانت دول الخليج تتعامل مع إيران بأسلوبين: في الشدة كانت تلجأ لرفع الذراع العراقية بوجه طهران، وفي الدبلوماسية كانت تلجأ إلى دمشق ولسانها العذب تتحدث به إلى إيران. وكان ذلك ناجحاً وفعالاً، إلى أن قررت الرياض أنها بوجود الأميركيين ليست بحاجة إلى بغداد، فخسرت الشدة. وبالأمس القريب رأت أنها ليست بحاجة إلى لسان دمشق، فخسرت سوريا. وبالمقابل، يتفاقم الهاجس الإيراني ودواعيه لديها بتسارع مضاعف منذ أن قررت الاعتماد على واشنطن في هذا الملف.

 

وعملياً، تبدو الرياض اليوم، من موقعها، ضحية سوء التقدير والحسابات الخاطئة، التي دفعتها باتجاه «القيادة من المقدمة» في «مغامرة غير محسوبة»؛ بينما الأزمة مع قطر تهدد بتحملها وزر تصدع «البيت الخليجي الموحد»؛ والأسوأ، أنها بغياب العراق وبخسارتها سوريا، لن تستطيع ممارسة نفوذها عبر «القيادة من الخلف»، بينما محاولة التعويض بمصر تبدو متأخرة، وخارج سياق الأحداث الجارية.

 

ومن سخربة القدر، أن «القومجيين» و«الثورجيين» العرب، الذين شبع حمد بن جاسم من «قومجيتهم وشعاراتهم الجوفاء، وسياسات أنظمتهم المدمرة»، يستطيعون اليوم أن ينبهوه إلى نوعية الشعارات «المليئة»، التي تحيط بحال بلده قطر مع شقيقاتها في الخليج. ويمكنهم، كذلك، ان يسألوه إن كان يروقه كفاية هذا النوع من «النجاح» و«الإزدهار»، الذي جاءت به «قيادة» دوله الخليجية للعالم العربي!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *