الوقف الأرثوذكسيّ في فلسطين قضيّة وطنيّة وليست طائفيّة

الوقف الأرثوذكسيّ في فلسطين قضيّة وطنيّة وليست طائفيّة

// نعيم الاشهب //

 

 

يلاحظ، منذ وقت مبكر على قيام «دولة إسرائيلْ»، وتحديداً منذ العام 1950، أنَّ الرئاسة اليونانية للكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين الانتدابية غدت أحد المصادر المهمّة لعملية سرقة الأرض الفلسطينية لصالح المؤسسات الاستيطانية الصهيونية، تحت مختلف أساليب التحايل، وخصوصاً تحت مسمَّى «التأجير» لمدة 99 سنة، وسوى ذلك.

 

وخطورة الصفقات التي قام ويقوم بها البطاركة اليونان المتعاقبون لنقل ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية العربية الى المؤسسات الصهيونية ليست فقط في حجومها بل أيضاً في نوعيتها؛ أي طبيعة وأهميّة الأرض أو العقار الذي تطاله هذه الصفقات. فمن أرض سوق الدير المركزي بجانب دوّار الساعة في يافا، الى أرض الطائفة الأرثوذكسية كاملةً في قيسارية وما تحويه من كنوز تاريخية، الى الأراضي المقام عليها الكنيست الإسرائيلي في القدس الغربية، إلى أراضي دير الرسل في طبريا، إلى غيرها في رحافيا والطالبية والمصلبة وتلبيوت ودير مار يوحنا، وأراض في سلوان، وبناية مركزية في الدباغة داخل البلدة القديمة، وغيرها.. وغيرها. ومن أواخر هذه الصفقات اللصوصية، صفقة فندقي البتراء والإمبريال بباب الخليل الى جانب مبنى بشارع المعظمية – باب حطة. وفي ما يتعلق بالفندقين السالفي الذكر، فان تهويدهما يعني تهويد أهم أبواب مدينة القدس العربية القديمة وساحة عمر بن الخطاب التاريخية.

 

إن استمرار، بل وتفاقم هذه العملية اللصوصية لسرقة الأرض والعقارات الفلسطينية وتحويلها إلى العدوّ، على أيدي رجال الدين اليونان المهيمنين على الكنيسة الأرثوذكسية العربية منذ أن فرضهم الاحتلال العثماني البغيض في العام 1534 أوصياء على الطائفة الأرثوذكسية العربية وممتلكاتها، على غرار انكشاريته، حين كانت اليونان جزءاً من إمبراطوريته، وذلك في سياق تعزيز سيطرته على الطوائف العربية.

 

إنَّ استمرار هذا النزيف الخطير وتفاقمه يؤكّدان، بما لا يدع مجالا للشك، بأن التصدي له ومعالجته جذرياً، لم يعد من الممكن أن يتحققا بإبعاد هذا البطريرك اليوناني المرتشي أو ذاك. فهذا النزيف المتواصل، منذ بداية خمسينيّات القرن الماضي وحتى اليوم للأرض والعقارات الفلسطينية لصالح أعدائها، ليس من صناعة أفراد فاسدين محدودين، بل هو ناجم عن كون هؤلاء الغرباء المهيمنين على الكنيسة الأرثوذكسية لا تربطهم أية رابطة بهموم الشعب الفلسطيني الوطنية، وأن الأمر المهم بالنسبة لهم هو حجم الرشوة التي تدخل جيوبهم على حساب املاك غيرهم. وبالتالي، فالحل الجذري لهذا المرض العضال هو بتعريب الكنيسة الأرثوذكسية، على غرار ما فعلت الشقيقة سورية منذ عقود.

 

وما يعزز هذا الحل هو انعدام الخيارات الأخرى، خصوصاً في ضوء عجز وضعف مواقف الجانب العربي في هذه القضية، سواءً أكان الفلسطيني أم الأردني. على سبيل المثال: أصدرت الحكومة الفلسطينية، مؤخراً، بياناً حول الصفقة التي سميت بـ«صفقة رحافيا» وطالت مئات الدونمات، جاء فيه: «ان الصفقة التي تمّت بين بطريركية الروم الأرثوذكس وإحدى شركات الاستثمار الإسرائيلية المعروفة باسم – صفقة رحافيا – إذا صدقت الأنباء التي تحدثت عنها، فإنها مرفوضة وغير مقبولة»! فعدا عن ما في هذا البيان من ضحالة ولا مبالاة مزرية، حين يشكك في وقوع الصفقة بالقول: «اذا صدقت الأنباء التي تتحدث عنها»، فإن «رفض الصفقة وعدم قبولها»، كما ينص البيان المذكور، لا يقدم ولا يؤخر، وينطبق عليه القول المأثور: اشبعتهم شتماً ولاذوا بالابل!

 

اما نشاط «اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين» فلا يخرج عن هذا المستوى الهزيل ولا يتجاوز، حتى الأن، إصدار البيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وما لم تحقق هذه اللجنة انجازات حقيقية في استعادة ولو شيء من الأراضي والعقارات المسروقة وتتولَّى قيادة عملية تعريب الكنيسة الأرثوذكسية فإنَّ عملها لن يكون سوى ملهاة ووسيلة للتخدير. المطلوب، دون لفّ أو دوران، هو وضع حد نهائي لتصرف اليونانيين الغرباء بأراضي وعقارات الطائفة الأرثوذكسية العربية الأصيلة والعريقة في ولائها لوطنها.

 

أما النظام الأردني، فحين يعلن الالتزام بقانونه الخاص ببطريركية الروم الأرثوذكس، رقم 27 للعام 1958، ولا سيما المادة 4/ه، التي تنص على «أن الطائفة الأرثوذكسية يمثلها البطريرك في كافة الأمور المرتبطة بالحكومة»، فإنه يتجاهل، في الوقت ذاته، الالتزام بضرورة موافقة «المجمع المقدس» المشكل بموجب هذا القانون على قاعدة التساوي بين رجال الاكليروس، العرب واليونان في تكوينه، على أي إجراء يمسّ حقوق هذه الطائفة.

 

وأمام ضعف وتهاون الطرفين الفلسطيني والأردني، إزاء تصرف البطاركة اليونان بممتلكات الطائفة الأرثوذكسية العربية، فإن زمام الأمور غدا فعلياً بيد الطرف الإسرائيلي. وهذا ما يجعل البطاركة اليونانيين يعتقدون بأن إرضاء الطرف الإسرائيلي هو الأساس لضمان بقائهم وممارساتهم المشبوهة.

 

وفي إطار معركتنا الوطنية المحتدمة والمصيرية مع الاحتلال الإسرائيلي، والصراع المتصاعد على الأرض الفلسطينية وأهمية الصمود فيها، في وجه محاولات الاقتلاع والتهجير لشعبنا، بمسلميه ومسيحييه.. فان قضية ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية الفلسطينية، ليست بالقطع قضية طائفة دينية كريمة، كالروم الأرثوذكس العرب، ولا حتى قضية المكوّن المسيحي من شعبنا بمجمله، بل هي قضية وطنية فلسطينية بامتياز. وكل تلاعب فيها لصالح العدو الصهيوني يرقى الى مستوى الخيانة الوطنية. وبحق، يرى البطريرك الجليل المتقاعد لطائفة اللاتين، ميشيل الصباح، في مجريات هذه الأزمة نوعاً من الحرب على الشعب الفلسطيني. يقول سيادته في مقال له في صحيفة القدس، نشر مؤخراً: «والوقف (أي وقف الكنيسة) هنا في فلسطين؟ الوقف أرض. والأرض في فلسطين هي موضوع صراع. والوقف أرض فلسطينية. فتمريرها الى شعب آخر في حالة حرب، هو عمل حرب. هو خروج على الشعب، وعلى المؤمنين، وخروج على الكنيسة التي رسالتها رسالة عدل وسلام. تبديل ملكية الوقف، أي أرض الكنيسة، هو عمل حربي، هو تجريد الكنيسة، وتجريد المؤمنين، وتجريد فلسطين من جزء منها».

 

وجدير بالتنويه، في هذا السياق، أن الكنيسة اللاتينية، التي يقف على رأسها بطاركة عرب، استعادت عقارات نوعية كانت السلطات الإسرائيلية قد وضعت اليد عليها، منها مبنى كلية تراسنتا الاستراتيجي، الواقع في مركز شارع الملك جورج في القدس الغربية، ومبنى النوتردام المميز، مقابل الباب الجديد؛ في وقت كان البطاركة اليونان يسرّبون الممتلكات العربية الفلسطينية للإسرائيليين. إنَّ هذا النموذج الايجابي، إلى جانب التجربة السورية في تعريب الكنيسة الأرثوذكسية، وأخذاً في الحسبان تجربة شباب القدس البواسل في معركة المسجد الأقصى الأخيرة، تؤكد أن الطائفة الأرثوذكسية الفلسطينية، مدعومة بشعبنا الفلسطيني كله، قادرة، إذا وحّدت موقفها وحزمت أمرها، أن تحسم هذه المعركة لصالح القضية الوطنية الفلسطينية وصالح الطائفة ذاتها، وصولا الى تعريب هذه الكنيسة العربية.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *