الماغوط رائد قصيدة “النثر” ومبدعها الأجمل

الماغوط رائد قصيدة “النثر” ومبدعها الأجمل

سعود قبيلات
 

تهجَّتْ ابنتي، ذات مرَّة ـ وكانت لا تزال طفلة صغيرة ـ بضعة أبيات مِنْ قصيدة لمحمَّد الماغوط؛ ثمَّ نظرتْ إليَّ مندهشةً، وقالت: بابا.. هذا شاعر مجنون!

ولكنَّها ظلَّت لسنوات بعد ذلك تطلب منِّي كلَّ ليلة أنْ أقرأ لها شيئاً مِنْ شعر الماغوط قبل أنْ تنام.
وبتقديري هكذا هو الشعر الحقيقيّ.. الشعر الجيِّد؛ يتذوَّقه الناس بعمق، ويدركوا أبعاده ومراميه، بغض النظر عن مستوياتهم الثقافيَّة والعمريَّة؛ ومِنْ دون حتَّى أنْ يفهموا معانيه. فالكلمة الحارَّة، الكلمة الصادقة، الكلمة المنبثقة مِنْ خبرة حياتيَّة غنيَّة وعميقة، تصل مباشرة إلى قلوب الناس؛ فيشعرون بها، ويتفاعلون معها، وينفعلون؛ كلٌّ بطريقته، وبما يتَّفق مع خبرته الحياتيَّة، ومع تكوينه الوجدانيّ والشعوريّ (واللاشعوريّ). لا يحتاج الناس إلى مَنْ يشرح لهم الشعر الحقيقيّ، أو مَنْ يقرِّبه منهم؛ فـ”الشعر” الذي يحتاج إلى مثل هذه “العوامل المساعدة” لا يكون شعراً، بل شيئاً آخر؛ قد يكون، أحياناً، أشبه بلعبة للكلمات المتقاطعة، أو بمعادلات رياضيَّة ذات تعقيد مجاني ولا معنى له، في أحيانٍ أخرى؛ أو باستعراض عبثيّ لمهارة لغويَّة فارغة، في أحيانٍ ثالثة.. الخ.
ولقد تميَّز محمَّد الماغوط بصدقه، وبشجاعته في التعبير عن أفكاره ومشاعره بأسلوب فنيّ جميل، وبكون حياته نفسها هي قصيدته الأساسيَّة، ولذلك فقد استحقَّ لقب الشاعر رغم تنكُّره للخليل بن أحمد (وأيضاً لمَنْ ثاروا على الخليل بن أحمد)؛ فالشعر ليس فقط تعبيراً صادقاً عن المشاعر، بل هو أيضاً نمط حياة يحياه الشاعر (الشاعر الحقيقيّ)، وطريقة خاصَّة للنظر في ما حوله والتعامل معه.
“محال.. محال
أنْ أتخيَّل نفسي
إلا نهراً في صحراء
أو سفينة في بحر
أو.. قرداً في غابة
يقطف الثمار الفجَّة
ويلقي بها على رؤوس المارَّة
وهو يقفز ضاحكاً مصفِّقاً
مِنْ غصنْ إلى غصن”.
ويقول أيضاً:
“سأموت وأنا أتثاءب
وأنا أشتم
وأنا أهرج
وأنا أبكي…”.
ولذلك، فبينما كان النقَّاد، والمهتمّون، والشعراء الآخرون، يغرقون في نقاش عقيم حول مدى شرعيَّة قصيدة “النثر”، كان الماغوط يصنع هذه القصيدة في أبهى نماذجها وأكملها. كان يصنعها بدمه وبأعصابه وبجميع حواسّه. وكانت قصيدته تصل إلى الناس بدون جواز للمرور وبدون “شرعيَّة” مِنْ أيِّ نوعٍ كان؛ تهدم كلّ الحواجز، وتمزِّق كلَّ الوثائق الرسميَّة، وتسخر مِنْ نزوع البشر لتثبيت لحظاتهم الفنيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة بقيود وهميَّة بليدة مِنْ خارجها يظنّونها تمنحهم “الشرعيَّة”.
ولكنَّه، مع ذلك، مثله مثل كلّ فنَّان حقيقيّ، لم يكن يشعر بالرضا عن مستوى انجازه الفنيّ:
“ولكنَّني حزين لأنَّ قصائدي غدت متشابهة،
وذات لحنٍ جريحٍ لا يتبدَّل
أريد أنْ أرفرف، أنْ أتسامى
كأمير أشقر الحاجبين
يطأ الحقول والبشريَّة”.
ولقد ذاق الماغوط في سبيل مبادئه وفي سبيل فنّه جميع المرارات؛ ابتداء بالتشرّد ومروراً بالجوع ثمَّ الملاحقة والمنفى والسجن.. الخ، إلا أنَّ نظرته للمعاناة كانت تختلف، مع ذلك، عن النظرة الماسوشيَّة السائدة التي ترى أنَّ المعاناة هي أساس الإبداع، وأنَّها هي الحافز المؤدِّي إليه؛ يقول:
“فأعطوني كفايتي من النبيذ والفوضى
وحريَّة التلصّص مِنْ شقوق الأبواب
وبنيَّة جميلة
تقدِّم لي الورد والقهوة عند الصباح
لأركض كالبنفسجة الصغيرة بين السطور
لأطلق نداءات العبيد مِنْ حناجر الفولاذ”.
ويقول أيضاً:
“وطني.. أيُّها الجرس المعلَّق في فمي
أيُّها البدويّ المشْعث الشعر
هذا الفم الذي يصنع الشعر واللذَّة
يجب أنْ يأكل يا وطني
هذه الأصابع النحيلة البيضاء
يجب أنْ ترتعش
أنْ تنسج حبالاً من الخبز والمطر”.
وقد تمرَّد الماغوط على جميع المؤسَّسات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والفنيَّة، بما فيها مؤسَّسة “شعر” التي خطا مِنْ خلالها خطوته الأولى إلى القرّاء. وكان دائماً كتلة مِنْ لهب تسير على قدمين باحثة عن طريقٍ ما، لا لتواصل سيرها فيه، ولا لتدعو الآخرين لإتِّباع خطواتها، ولكن لكي يوصلها الطريق إلى طريق آخر ثمَّ آخر. فالمشي هو الغاية، والطريق هو الوسيلة القابلة للاستعمال لمرَّة واحدة. وكلّ ذلك في فضاء مضمَّخ بمحبَّة الوطن والإنسان (الإنسان في بلاده وفي كلّ مكان)، وبتمجيد الكرامة الإنسانيَّة، والإعلاء مِنْ قيمة الإنسان.. حتَّى وهو يسخر منه ويسخط ويغضب؛ ذلك أنَّه لا يسخر من الإنسان بما هو إنسان؛ بل من استخذائه وقبوله بالذل والمهانة والخضوع. يسخر من الكذب والظلم والطمع، ويرفض الخيانة، بكلّ أنواعها، وخصوصاً خيانة الوطن وفقرائه ومظلوميه، والجبن بكل أنواعه، وخصوصاً الجبن عن قول كلمة الحق.
ولذلك فقد كانت لغة الماغوط دائماً لاذعة وحرّيفة، وخياله ينطلق بلا قيود. والحريَّة عنده ليست فقط قيمة يتغنَّى بها، بل هي تظهر، أيضاً، بوضوح في جرأة نقده السياسيّ والاجتماعيّ وفي تجاوز فنّه لكلّ القيود. إنَّه إنسان حرٌّ حقيقيّ، يمارس الحريَّة بكلّ اتِّجاهاتها وآفاقها وأشكالها، ويمضي بها حتَّى مداها الأقصى الممكن. أي إلى المدى الأخير الذي لا يفقد معه إنسانيَّته ونزوعه القويّ إلى الخير والحقّ والعدل والمحبَّة.
ومِنْ ناحية أخرى، فقد كانت كلماته بسيطة، وواضحة؛ لا تحتمل أيَّ لبس، ولكنَّها في الوقت نفسه عميقة، وصادقة، وتفيض بالأحاسيس. كما كان يمتلك قدرة عجيبة على ابتكار الصور ونسج العلاقات الغريبة والمدهشة، في شعره، بين الأشياء، وبينها وبين المعاني والأفكار، وبين هذه كلّها وبين الإنسان. وإنَّ جموح خياله ليعبِّر بعمق عن تعلّقه الشديد بالحريَّة، وإخلاصه لها، وصدقه في ممارستها، إلى حدّ أنَّه تمكَّن من تحطيم القيود التي تكبِّله من الداخل، أو ربَّما أنَّه من الأساس لم يسمح لها بأنْ تكبِّله؛ وهو ما أتاح له أنْ يطلق مشاعره على مداها، ويعبِّر عنها بأقصى طاقته وبأصدق وأقوى الكلمات. لذلك (أي لشعوره العميق بالحريَّة وممارسته لها)، فقد كانت تجربة السجن بالنسبة له، رغم قصرها النسبيّ (تسعة شهور)، بالغة القسوة عليه، ولم يستطع أنْ يتجاوزها حتَّى أواخر سنيّ حياته؛ فقبل سنوات قليلة قرأت مقابلة معه منشورةً في إحدى الصحف.. قال فيها شيئاً عن السجن أدهشني وتوقَّفتُ عنده طويلاً: “إنَّني أحمل السجن على ظهري مثل ماكيت مجسَّم”.
كان ذلك بعد سنين طويلة مِنْ مروره بتلك التجربة الصعبة، ولم يبدُ لي في قوله هذا أيّ نوعٍ من التبجح (أو التفاخر)؛ بل تعبير عميق عن الشعورٍ بالمرارة والألم اللذين رسخا في نفسه نتيجة ما وقع عليها مِنْ ظلمٍ فظيع، باحتجازها على نحوٍ يتناقض تماماً مع طبيعتها الجامحة والمنطلقة.
ولذلك فهو يقول في تعبيره عن إشكاليَّة علاقة المثقَّف والمبدع بالحريَّة في عالمنا العربي الذي لا يزال يعيش خارج العصر:
“حلمت ذات ليلة بالربيع
وعندما استيقظت
كانت الزهور تغطِّي وسادتي
وحلمت مرَّة بالبحر
وفي الصباح
كان فراشي مليئاً بالأصداف وزعانف السمك
ولكن عندما حلمت بالحريَّة
كانت الحراب
تطوِّق عنقي كهالة الصباح”.
إنَّه أحد آخر الصعاليك الكبار الحقيقيّين، وأحد آخر الشعراء الكبار الصادقين. وقد ظُلم كثيراً كشاعر، مثلما ظُلمَ كإنسان (وإنْ كان محبّوه كثر، وتلامذته ومريدوه كثر)؛ فالإعلام العربيّ، وهو إعلام رسميّ في معظم منابره (العامَّة والخاصَّة)، لم يوله الاهتمام الكافي الذي يستحقّه. وربَّما كان السبب هو أنَّ المؤسَّسة الرسميَّة (وكذلك غير الرسميَّة)، بطبيعتها، لا تحبّ الصعاليك، والخارجين على “القوانين” و”الأنظمة” و”الشرائع” و”الشرعيَّات”. أو هي بصورة أدقّ، لا تطمئنّ إلى أمثال هؤلاء، وتخشى ردود أفعالهم وانفعالاتهم وتفاعلاتهم. وربَّما كان سبب ذلك أيضاً أنَّ الصعاليك أمثال الماغوط لا يلقون بالاً إلى “الدعاية” و”الإعلام” أو “الإعلان”؛ فكيف يفعلون وهم مشغولون طوال الوقت بالتسكّع في الشوارع الفقيرة والجلوس على الأرصفة المهملة مع العمَّال والعاطلين عن العمل؛ في حين أنَّه لا أحد مِنْ أصحاب “الإعلام” أو “الإعلان” يذهب إلى هناك، وإذا ذهب فلن يلفت نظره رجلٌ غريب يسير في الشارع ذاهلاً عن خطواته وعن نفسه. وربَّما كان السبب أيضاً وأيضاً أنَّ ساحة “الإعلام” و”الإعلان” مكتظَّة بالإعلانات المدفوعة الأجر؛ بالعملة الصعبة أحياناً، أو بالمقايضة المبتذلة أحياناً، أو باستخدام وسائل وأساليب أخرى في الكثير من الأحيان. فأين سيجد، إذاً، شاعرٌ صعلوك، موطئاً لقدمه، في هذا الميدان الموبوء، أو منبراً لقصيدته، أو موضعاً لصورته، أو صدىً لصوته؟! وربَّما أضيفُ إلى هذا كلِّه سبباً آخر طارئاً (وعابراً أيضاً كما أزعم)، وهو أنَّ الزمان الآن هو زمان آخر غير زمان الشعر والأحلام والمبادئ؛ إنَّه زمان البزنس واقتصاد السوق؛ حيث “شرعيَّة” البيع والشراء (لكلّ شيء) تعلو فوق كلّ الشرعيَّات والشرائع، وحيث “القيمة المضافة” تنتقص لحسابها مِنْ كلّ القيم التي تعارف عليها البشر الحالمون المهمَّشون المحرومون المقصيّون.. الخ. ويتعالى صياح وسطاء البورصة معلناً عن انتهاء زمن الثورات والأيديولوجيَّات (يقصدون المبادئ)، بل وانتهاء الزمان نفسه، وانتهاء الجمال، وانتهاء الفنّ، وعلوّ قيمة السلعة، وبأنَّ على الإنسان أنْ يفرح لأنَّه هو نفسه أصبح سلعة؛ فإذا ما أراد أنْ يعرف قيمته فما عليه إلا أنْ يعرض نفسه في السوق ويرجو أنْ يوافقه الحظّ فتعمل قوانين العرض والطلب لصالحه.
فأين هو، إذاً، مكان شاعرٍ صعلوك في كلّ هذا؟! وخصوصاً إذا كان صعلوكاً حقيقيّاً وليس مزيّفاً. إنَّ أمامه واحدٌ فقط مِنْ خيارين؛ فإمَّا أنْ يستثمر أدواته في التحوّل إلى أراجوز يستعمل “الخفَّة” في التفريج عن هموم المتعاملين بالبورصة وأثريائها الجدد والسابقين، أو أنْ يتنحَّى جانباً ويفسح المجال لبعض الحانوتيّين لكي يحنِّطوا فنَّه ويودعوه أحد المتاحف. وهكذا ربَّما كان موت الماغوط في هذا الزمن، أمراً منسجماً مع طبيعة هذا الزمن نفسه. ولكن هل بمقدور أحد بعد ذلك أنْ يزعم بأنَّه قادر على تحويل فنّ محمَّد الماغوط إلى جثَّة محنَّطة؟!
لا أعتقد؛ وهذا رغم التشاؤم الذي أبداه الماغوط نفسه في السابق بالنسبة لمستقبل فنّه (ولمستقبله هو نفسه):
“يخيَّل لي أنَّني أتهاوى على الأرصفة
سأموت عند المنعطف ذات ليلة
وأصابعي تتلوَّى على الحجارة كديدان التفَّاح
دون أنْ ينظر إليَّ أحد.
إنَّني أرى نهايتي
ألمح خنجراً ما في الظلام مصوَّباً إلى قلبي
عربة مطفأة
تقلُّ طاولتي وأوراقي إلى عرض الصحراء.
ستهب ريح قويَّة آنذاك
تداعب أظافري القصيرة
وتكنس قصائدي في الشوارع كقشور الخضروات”.
وهو ما يذكِّرني بقول انطون تشيخوف إنَّه لا يتوقَّع أنْ يستمرّ الناس بقراءة قصصه لأكثر مِنْ سبع سنوات فقط بعد وفاته!
ولكن، مع ذلك، ومع أنَّ الماغوط يصرخ معلناً:
“حسناً أيُّها العصر
لقد هزمتني
ولكنَّني لا أجد في كلّ هذا الشرق
مكاناً مرتفعاً
أنصب عليه راية استسلامي”.
فإنَّني أجزم بأنَّ زمن محمَّد الماغوط لم ينتهِ؛ لأنَّه أصلاً لم يبدأ بعد.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *