القات.. وما أدراك ما القات!

القات.. وما أدراك ما القات!

د.* محمَّد جرادات
كان «القات» حاضراً في مختلف تفاصيل الحياة اليمنية، وكانت جلسات القات في «المقايل» (مفردها «مقيل»، وهي المكان الذي يلتقي فيه الأصدقاء في جلسة تخزين القات)، محطة لنقاشات وحوارات متنوعة، ومسرحاً يقف على خشبته غالبية اليمنيين من مختلف الفئات الاجتماعية والمستويات.
وكانت تلك الجلسات للتفكير وليست للتخدير، وفي هذا توصيف وتوظيف أكثر منه تبرير أو دفاع أو ترويج. وقد اعتبرناها بعد تجريبها حبوبَ سهرٍ وصراحة وحلاّلةَ مشاكل، وزاد تعلقنا بها بعد معرفتنا أنَّ مؤسّس الاشتراكية العلمية في اليمن، الراحل عبد الله باذيب، كتب عنها وعن دورها في النضال ضد المستعر البريطاني، وعن أهمية توظيف جلسات تخزين القات في «المقايل» في تحفيز وتشجيع الشباب اليمني لمقارعة الاستعمار ومخططاته. 
   
لمحة عن ورقة القات
يعتبر القات أحد الأشجار أو النباتات التي تنبت في شرق إفريقيا، وبشكل خاص اثيوبيا، وكذلك في اليمن، وهي شجرة أو شجيرة بطيئة النمو، يتراوح طولها بين 1,5 متر إلى نحو 3 متر، وتحتوي نبتة القات على الكاثينون، وهو مينوامين شبه قلوي، وأوراقه دائمة الخضرة يصل طولها إلى نحو 10 سم، يسبب تعاطي القات انعدام الشهية للطعام إلى حدٍّ ما، كما يسبب حالة من النشاط الزائد، وهو ممنوع في كثير من دول العالم، لكنه مباح في دول أخرى، مثل اليمن. وهو من النباتات المعمرة، وأوراقه هي الجـزء الذي يُستَهلَك منه في جلسة التخزين.
وفي ما يتعلَّق بكيفيَّة استهلاكه: يضع المتعاطي أوراق القات في فمه، ثم يقوم بمضغها وتخزنيها في أحد شدقيه، ويمتصها ببطء عن طريق الشعيرات الدموية في الفم، وقد يبتلع بعض عصيرها مع قليل من الماء أو القهوة اليمنية المميزة أو المشروبات الغازية بين الحين والآخر، وتستمر عملية المضغ «التخزين» لساعات طويلة تبدأ بعد تناول طعام الغداء عادة.
لا يُعرف متى كانت بداية استخدام القات وأين، لكن هناك مَنْ يقول أنَّ بدايات استخدامه كانت في اثيوبيا، ويعتقد بأنه وصل إلى اليمن مِنْ هناك في القرن السادس عشر على الأقل، في حين هناك من يقول انه استخدم من قبل المصريين القدماء كوسيلة لإطلاق خيالاتهم الإلهية وتصفية أذهانهم للتأمل. ويُعتقد بأن القات كان معروفاً منذ العصور القديمة في شرق إفريقيا، وقد ذكر المؤلف الإغريقي هومر بأن الإسكندر الأكبر أمر جيشه باستعمال القات للعلاج من وباءٍ اجتاحه، كما أن المؤلف نجيب الدين السمرقندي أشار في كتابٍ له عام 1237م إلى وجوده في اليمن واستعماله كعلاج للكآبة والحزن.
إن عادة مضغ القات مشهورة في اليمن وكتب عدد من الرحالة بشأنها، من بينهم ريتشارد فرانسيس برتون، وكارستن نيبور. وقد أشارا إلى أن عادة المضغ (التخزين) كانت منتشرة في المناطق الشمالية لليمن عام 1762، أما حكومة المستعمر البريطاني في عدن فقد أصدرت عام 1844 رخصاً لعدد محدود من التجار يسمح لهم ببيعه، وكانت أسعاره مرتفعة للغاية، وحاول المستعمر البريطاني تقليل استخدامه وذلك عن طريق فرض ضرائب باهظة على مصدريه ومستخدميه، وقد نجحت تلك الخطوة في زيادة ثراء الخزينة الحكومية الاستعمارية، لكنها لم تقلل من استخدام القات (وهو ما قد يساهم في تفسير كتابات باذيب عنه وعن دوره وتوظيفه في النضال ضد المستعمر).
القات في الامتحانات الدراسيَّة أيضاً
على الرغم من منعه طيلة أيام الأسبوع ما عدا العطل الرسمية، بحكم القانون في دولة الجنوب، إلا انه كان الحاضر الأكبر في أوقات الامتحانات النهائية في الجامعة، حيث تجد كافة طلبة السكن الجامعي في حالة من السهر المتواصل، «يلقون الليل بالليل»، والقات هو الذي يمنحهم إمكانيَّة السهر المستمر لمزيد من القراءة والبحث والنقاش وتعويض ما فات خلال أيام الدراسة، وفي أي وقت تدخل سكن الطلبة في أي كلية تجدهم منهمكين في جلسات للتخزين والمذاكرة.
كانت الجامعة مقسمة الى كليات موزعة في مناطق عدة من عدن، فكلية الطب في خور مكسر، وكلية الهندسة في المعلا، وكلية التربية في منطقة أخرى بخور مكسر، وكلية الاقتصاد وكلية الحقوق في مدينة الشعب بالقرب من مقر الجامعة، ولكل كلية سكن للطلبة العرب واليمنيين من من محافظة عدن والمحافظات الأخرى. كانت ليالي الامتحانات خلية نحل، تتحول كلها الى نهار مفعم بالنشاط والنقاش، والحفظ غيباً، والجدل الذي لا ينتهي في هذا السؤال أو ذاك، وهذا المنهاج أو ذاك.
عندما كان يسألنا الطلبة العرب الجدد عن القات وجلساته وتلك الأفواه المنتفخة، نقول لهم: هو نبات أخضر طري ذو ورق طري يشبه ورق الملوخية ويختلف رائحة ومذاقاً وغير قابل للطبخ والأكل، بل للمضغ المطول «التخزين»، ليعطي مفعوله كمنبه للأعصاب ومساعد أساسي على السهر، وهو ليس بمخدر على الرغم من منع وتحريم وتجريم بعض الدول لمن يتعاطاه أو يتناوله. ويتم تعاطيه في عملية تخزين من خلال الاحتفاظ به في الفم، طوال جلسة التخزين في المقيل.
المقيل (مكان التقاء المخزنين) غالباً ما يتميز بارتفاع درجة الحرارة فيه، كي يفعل القات فعله بشكل أفضل، والمقيل غالباً لا متنفس له سوى الباب أو المدخل، وقد يكون له شباك عال أو صغير، لكنّ هذا الشبّاك عادة يكون مغلقاً أثناء جلسة التخزين. وجلسة القات يطلق عليها جلسة تخزين، حيث يتم تخزين القات بعد مضغه واجتراره في الفم، كي يعطي مفعوله ويلعب دوره كمنبه ومسهر، ولجلسات القات والتخزين طقوس مميَّزة خاصة بها.
كنا في البداية ننزعج منه ونشمئز، ونقرف من جموع المخزنين الذين لا ترى منهم غير أفواههم المنتفخة بشكل منفِّر!، ونتساءل ما الفائدة من كل هذا؟ لكن عندما اندمجنا جيداً في المجتمع اليمني عرفنا أنَّ اليمنيّ لا يدعو أحداً إلى جلسة القات والمقيل إلا إذا أحبَّه ووثق به، وبالتالي تكون دعوته له تعبيراً عن مدى حبه واحترامه له.
  
القات محطة لقاء مناضلين ضد الاستعمار
اكتشفنا من خلال رفاق وأصدقاء يمنيين قبل اتقاننا التخزين، أنه كان للقات دور في التاريخ النضالي للشعب اليمني ضد الاستعمار البريطاني، فقد أشار عبد الله باذيب في كتاباته إلى مجالس القات وأهميتها ودورها في هذا المجال؛ حيث كانت عبارة عن بؤر ومراكز تجمع للشباب المتحمس للنضال ضد الاستعمار، كما انها كانت حاضنة مهمة لنقاشات متنوعة حول سبل وأشكال النضال التحرري ضدّ المحتل البريطاني.
ومن خلال مشاركاتنا اليمنيين مقايل وجلسات القات، تبيَّنتْ لنا ميزة جديدة للقات هي الحديث الصريح والواضح، فلا يمكن للمتحدث أن يخفي حقيقة ما يريده، أو يكذب مثلاً، فأطلقنا عليها اسم حبوب وجلسات الصراحة.
في بدايات تعلمنا للقات كان مفعوله معاكساً تماماً، لا ندري لماذا، وما زلنا لا ندري، فهو لم يكن مسهراً، بل كان مساعداً على النوم، ومسرعاً لقدومه.
غالباً ما يكون لجلسات القات برنامجٌ خاصّ بها، يحدده الحاضرون في المقيل، مع ملاحظة وجود ضيوف جدد في الجلسات باستمرار.
في الساعات الاولى لجلسة القات يسود الهدوء، ولا تسمع أي حديث أو حوار، فالكل منشغل ومنهمك في الاجترار والمضغ، والتعامل مع القات، ونقله من الإناء المخصص له إلى الفم، وبعد ذلك يبدأ الحديث.. منبثقاً مِنْ مبادرة من أحدهم، أو من الترحيب بالضيف والتعريف به، أو ضمن تحديد مسبق لمن يبدأ الحديث حول قضية ما.
القات بالنسبة للجيل القديم كان يعتبر تقليداً وتراثاً لا بد من التمسك به والحفاظ عليه قدر الإمكان، أما بالنسبة لجيل الشباب الملتصق مباشرة بهموم الوطن وأحلامه وتطلعاته وشجونه فيأخذ طابعاً إضافياً آخر لا يبتعد كثيراً عما تحدث به مرات عدة مؤسس الاشتراكية العلمية في اليمن الجنوبي، المناضل عبد الله باذيب، ففي جلسات التخزين، قد يناقشون الوحدة اليمنية وسبل تحقيقها، وسلبيات «النظام في الجنوب» و «النظام في الشمال»، وأسباب ونتائج وتداعيات ما جرى في 13 كانون الثاني/يناير وسبل تجاوزها، والعلاقات اليمنية السوفياتية، والبيروسترويكا التي جذبت كثيرين في حينها، كما هو الحال في مطلع «الصقيع العربي» أو «ربيع الناتو وثواره» الذي دمّر ولم يُعمّر.. نظراً لارتباطه بمشاريع الناتو والإمبريالية والصهيونية. وقد تجري في جلسات القات نقاشات حول الوحدة العربية وإمكانية تحقيقها وسبلها.. إلخ.
وهكذا تتعدد جلسات القات الأسبوعية وتتنوع، وما أكثر ما شهدنا من جلسات تبدأ وتنتهي بالقول: «اليوم ناقشنا الوحدة اليمنية، وسوف نكمل النقاش الأسبوع المقبل، وقد نتطرق إلى الوحدة العربية».
حلاّل المشاكل ضمن برنامج الضيوف
الخلافات والإشكالات الحزبية والسياسية والطلابية، وحتى الشخصية، تجد لها مكاناً للنقاش في جلسات القات، وتجد حلولاً أيضاً. وغالباً ما كان يتم تخصيص يوم للتخزين للوفود التي تستقبلها عدن ضمن برنامج زياراتها.
جلسات القات تقليد هام جداً وعنصر أساسي في المكون التراثي والثقافي اليمني، وتجّار القات أغنياء جداً. كانوا يقولون لنا: لا يمكن القضاء عليه والتخلص منه ومنعه من التداول بين الجماهير بمختلف مستوياتها؛ فمجرد المحاولة قد تؤدي إلى احداث شغب وبلبلة في المجتمع لا داع لها، ومع كل هذا كانوا يؤكدون أن القات يلعب دوراً مهماً في رفع مستوى الوعي وإحداث نقلات نوعية فيه، كما أنَّه يتمّ توظيفه وتوظيف جلساته لإدارة الكثير من النقاشات بشأن العديد من القضايا والأمور التي تهم المجتمع اليمني.
ويتابعون: لكن ذلك لا ينفي أنه مرهق للجسم، فالسهر المستمر والطويل يجعلك بحاجة ماسة للنوم، لكنك لا تجد طريقاً له، وبالتالي فإنه يؤدي إلى أن تعوض ما فاتك من ساعات النوم في الجامعة أو في مكان العمل، وهذا إضافة إلى ارتفاع سعره وتأثيراته الاقتصادية السلبية. ولذلك تم قصر تعاطيه في الجنوب على أيام العطلة فقط، حيث لا مجال لمنعه بالمطلق، فكان الحل في هذا الموقف الوسطيّ.
بعد انتهاء جلسة التخزين لا بد من «التفسيخ» الذي يعني إبطال مفعول التخزين والسهر، والتفسيخ يتطلب شرب «اللبن» أي الحليب، أو تناول الخمر، خصوصاً البيرة اليمنية اللذيذة «صيرة»، أو الفودكا السوفيتيَّة الشهيرة ستولشنايا.
أريد القول إن كثيراً من الخلافات والإشكالات الرفاقية داخل الحزب الاشتراكي اليمني على مر التاريخ تم حلها خلال جلسات القات، كما إن تلك الخلافات الحادة التي كانت سائدة على إثر مأساة 13 كانون الثاني/يناير بين الحزب الاشتراكي اليمني والأحزاب الشيوعية العربية، تم حلها خلال اللقاءات التي جرت في عدن، وكان القات حاضراً في بعضها، وكذلك هو الحال بالنسبة للخلافات الحزبية الداخلية، حيث وجدت طريقها للحل أثناء جلسات «قاتية»، وقد شهدتُ جلساتٍ عدة تضمنت نقاشاتٍ مطولةً صريحةً جداً حول سياسة الحزب ومستقبله وسبل الخروج من أزماته وعدم تكرار أخطاء الماضي، وكثيراً ما أثمرت تلك النقاشات نتائج إيجابيَّة.
وفي هذا السياق، كان لي شخصياً شرف المساهمة في العديد من النقاشات التي جرت في مقايل القات مع رفاق وأصدقاء وزملاء يمينين (غالبيتهم من الأوساط الشبابية) وساهمتْ في إنجاز وبلورة حدثٍ مهمّ هو تأسيس جمعية الفلاسفة اليمنيين، التي ضمت خريجي الفلسفة على امتداد اليمن بشطريه (الشمالي والجنوبي)، ولأنني كنت أحمل جوار سفر يمني، وكنت أحد المساهمين في التأسيس، فقد حرص الزملاء المؤسسون على أن أكون أحد الأعضاء في تلك الجمعية التي رأت النور قبل الوحدة اليمنية بكثير، واعتبرها كثير من المتحمسين لها نواة الوحدة اليمنية.
يتبع……………………….
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نبارك لصديقنا ورفيقنا وزميلنا الدكتور محمَّد جرادات، نيله شهادة الدكتوراه في الصحافة والإعلام، ونتمنَّى له دوام التقدّم والتوفيق.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *