العدوان السعودي على اليمن.. نتائجه وتداعياته

العدوان السعودي على اليمن.. نتائجه وتداعياته

أ.د. محمد أشرف البيومي*

  
أجهضت السعودية الحوار عبر الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، الهارب من صنعاء ثم من عدن إلى الرياض، وتبنت مشروع «الأقاليم» الذي استهدفت من خلاله عزل وتقزيم، بل إقصاء، عناصر رئيسية من المجتمع اليمني. بعد رد فعل هذه العناصر على هذا الانقلاب السياسي بدأ العدوان الآثم على اليمن وشعبه.

لقد دخل العدوان أسبوعه الرابع وطيران التحالف المعتدي يدمر المنشئات اليمنية المدنية مثل مصنع الألبان ومستودعات غذائية وأحياء سكنية وحتى الملاعب الرياضية، ويقتل المزيد من الأبرياء من أطفال وشيوخ مما يمثل جرائمَ بشعةً ضد الإنسانية.
ولكن، رغم ذلك القصف المتواصل استمر تقدم قوات الجيش وأنصار الله (ألحوثيون) وقوات شعبية أخرى حتَّى وصلوا إلى عدن. وفي الوقت نفسه انتهزت القاعدة الإرهابية الفرصة للإستيلاء على حضرموت.
والآن تتصاعد الأصوات الدولية السياسية والحقوقية، وبعض الأصوات العربية المستقلة معترضة أو مدينة للعدوان ومنددة بالجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية ومطالبة بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الطبية والغذائية فورا إلى اليمن.
 وفي ظل فشل التحالف المعتدي في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنها، اللهم إلا إذا كان الهدف هو التدمير وحسب، نتوقع تصاعد الضغوط على السعودية للتراجع مع منحها غطاء لحفظ ماء الوجه. وقد يفهم امتناع روسيا عن استخدام حق الفيتو ضدّ قرار مجلس الأمن الأخير الظالم في هذا الإطار.
نرجو أن تنجح الجهود والضغوط من أجل تمهيد الطريق لحوار متكافئ بين القوي السياسية اليمنية يؤدّي إلى قيام حكومة توافقية تعمل لصالح شعب اليمن وتحرّره وانهاء تبعيَّة بلده للسعوديَّة وللولايات المتَّحدة الأميركيَّة.
فشل السعودية في تحقيق أهدافها المعلنة
أعلنت السعودية أهداف العدوان وحدَّدتها بضرورة استسلام الحوثيين وعودة الرئيس «الشرعي» (المستقيل – الهارب) ومنع «تدخل» إيران والحيلولة دون توسع نفوذها في الجزيرة العربية. فماذا تحقق من هذه الأهداف؟ وما هي نتائج العدوان وارتداداته المستقبلية؟
لم يستسلم «الحوثيون»، ولم يستسلم بقية الشعب اليمني بل ازدادت وحدته وتنامى صموده، وهذه نتيجة متوقعة كرد فعل طبيعي على عدوان خارجي يدمر الوطن. وهذا في حين هرب الرئيس المستقيل هادي إلى عاصمة البلد المعتدي فلم تتبقَّ له أي مصداقية، وعين خالد بحاح نائباً له كمؤشر على قرب التخلي عنه (المقصود هادي بالطبع). أمّا “شرعيَّته” التي يزعمون أنَّهم يحاربون من أجلها ويدمرون وطناً بأكمله لحمايتها فهي شرعية وهمية منقوصة لا تحظى حتَّى بالحدّ الأدنى من التأييد من قبل الشعب اليمني. وهذا يضع أمامنا الصورة الأخرى المقابلة، حيث نرى شرعية «الأسد» التي يشككون بها، فمن الثابت حتَّى للدول الغربية التي خططت لإزالة الأسد أنها شرعية حقيقية منبثقة من تأييد غالبية الشعب السوري. كما أن الرئيس الأسد لم يهرب بل بقي بين شعبه وجيشه يقود مقاومة وصموداً أسطورياً لإنقاذ سوريا والأمة العربية من الإرهاب ومن إملاءات قوى الهيمنة. وانطلاقاً من نفس المفهوم السعودي للشرعية، يتمّ الضغط على مصر لإجراء مصالحة مستحيلة مع الإخوان.
فشلت المجموعات اليمنية الموالية للسعودية حتَّى الآن في تأمين موقع قدم لها في اليمن. ولعل هذا يفسر استمرار العدوان الذي يبدوا أنه لم يفقد الأمل في تحقيق هذا الهدف حتَّى لو أدَّى ذلك إلى المزيد من الخسائر البشرية والمادية.
أما ازدياد نفوذ إيران في المنطقة، فهو نتاج سياسات السعودية نفسها. فهي التي ساندت الحرب العراقية الإيرانية المدمرة، ثم ساندت احتلال الولايات المتحدة للعراق. وبهذا خلقت فراغاً استراتيجياً من الطبيعيّ أنْ يبادر إلى ملئه إيران وغير إيران. هذا بالإضافة إلى تقاعس السعودية عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية في حين أن إيران أيدت تلك المقاومة وساهمت في انتصاراتها أو صمودها. وفي المقابل، ساهمت السعودية في دعم وتمويل وتصدير الإرهابيين إلى سوريا ليدمّروها ويقتلوا الآلاف من شعبها.. في حين تساند إيران سوريا بكل السبل. حكام السعودية يقفون مع المعتدي ويعترضون على توسع نفوذ من يساند مقاوميْ العدوان. بل إنَّ تعاون السعوديَّة مع الكيان الصهيوني في عدوانها على اليمن وفي مواقع أخرى لم يعد سراً.
نتائج العدوان وارتداداته المتوقعة
سأحاول، تالياً، أنْ أعدّد بعض النتائج الأساسية والتداعيات المتوقعة، لهذا العدوان، وأترك للقارئ أنْ يستنتج من هو المستفيد في النهاية:
·  نجح المعتدون في ضمان كره الشعب اليمني العميق، لعقود طويلة وأجيال قادمة، كما أنَّهم حققوا وحدة واسعة بين قبائل اليمن وفصائله السياسية والمذهبية. وهذه نتيجة طبيعية عندما يتعرض الوطن للعدوان.
·  فضحت هذه الحرب الظالمة الضعف العسكري للجيش السعودي؛ حيث أنَّه لم يجرؤ حتي الآن على اقتحام حدود اليمن بقوّاتٍ بريَّة رغم الإمكانات العسكرية الهائلة التي يملكها والبلايين الكثيرة التي أُنفِقَتْ عليه، وهذا بالإضافة إلى الدعم السياسي واللوجستي الذي تحظى به السعوديَّة من الدول الغربية.
·  أثبت الحكم السعودي أنه قادر علي ارتكاب جرائم بشعة بحق المدنيين تماماً مثل ما فعل حليفهم الواقعي الكيان الصهيوني في غزة مؤخراً. وهكذا فضحوا مدى تناسق منهجهم الأصولي المتغطرس مع إسرائيل المعتدية والعنصرية وعدوة الشعوب.

  

·  أيَّدتْ جامعة الدول العربية العدوان، كما هو متوقَّع منها، ووصف أمينها العام التحالف بأنَّه أوَّل تنفيذ مِنْ نوعه لاتّفاقيَّة الدفاع العربي المشترك. هذا يمثل برهاناً إضافياً على دور الجامعة المعروف كأداة طيّعة للإمبريالية والرجعية العربية.
·  وصف شيخ الأزهر العدوان بأنَّه «صحوة عربية مدوية» بدلاً من أنْ يدعو للحوار وللحلول السياسيَّة السلميَّة. وقد انتقص هذا من مصداقيته ومصداقية أحد أهم المؤسسات الدينية في العالم، كما أن هذه التصريحات تدل على تفشي خطاب الإسلام السياسي في المؤسسات المصرية. وبهذا التداخل بين الدين والسياسة يتصرف شيخ الأزهر وكأنه رئيس وزراء أو وزير خارجية مصر.
·  أحرجت هذه الحرب دولاً صديقة للسعوديَّة، مثل باكستان ومصر وسواهما، التي مورستْ عليها ضغوط ماليَّة وسياسيَّة لكي تنخرط في ائتلاف العدوان الظالم هذا والفاشل. ولكن، في النهاية، رفض البرلمان الباكستاني المشاركة وفضلت مصر، رغم معارضة البعض، الدعم الرمزي أو الصوري، وهناك مؤشرات عديدة بأن الشعب المصري وبعض قياداته يرفضون بشدة التدخل البري، بينما تناسى أمراء الخليج أن الدول ليست للبيع.
·  مارست السعودية ضغوطاً غير مقبولة على النظام المصري من أجل إجراء مصالحة بينه وبين «الإخوان»، وبينه وبين الرئيس التركي أردوغان، وكذلك، بينه وبين قطر، رغم علمها بأن هذه المصالحات مرفوضة من الشعب المصري وحكومته.
·  من التداعيات المنتظرة، استنزاف هائل لثروة البترول بشراء الدول الخليجية مزيداً من الأسلحة، كما جاء في صحيفة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 19 نيسان/إبريل الحالي، حيث قالت إنَّ الإدارة الأميركيَّة ستزيل بعض القيود المفروضة على توريد السلاح لدول الخليج. وجدير بالذكر أنَّ السبب المعلن لفرض تلك القيود هو ضمان التفوق الإسرائيلي على العرب مجتمعين. وذكر أحد الخبراء العسكريين «أن دول الخليج العربية هم في الواقع حلفاء لإسرائيل ضد إيران». وأضافت الصحيفة أنه من المتوقع أن تصرف دول الخليج عشرات عديدة من بلايين (مليارات) الدولارات لتمويل الصفقات الجديدة، بدلاً من انفاقها على تحسين أحوال شعوبها.
·  سلط العدوان الضوء على المشاكل الداخلية في دول الخليج على رأسها السعودية، فبالإضافة إلى تحديد إقامة بعض الأمراء لاعتراضهم على العدوان ضد اليمن الشقيق، هناك تذمر في شرق السعودية، ناهيك عن أنَّ هناك ثلاث محافظات في «السعودية» (نجران وعسير وجيزان) هي في الواقع يمنية استولت عليها السعودية في الثلاثينات من القرن الماضي ولا يمكن أن تكون راضية عن العدوان.
·  ظهور خلافات هامة بين قوى «الائتلاف» مما ينبئ بمزيد من تصدعه.
·  تقلص القوة المالية والسياسية للسعودية وعودتها إلى الالتزام بقانون العرض والطلب مما سيؤدي إلي رفع أسعار البترول بعد انخفاضه المفتعل والذي استهدف الإضرار بالاقتصاد الروسي تنفيذا للإملاءات الأميركيَّة.
·  لم يتقلص نفوذ إيران بل إنَّه من المتوقع أن يتصاعد، خصوصاً بعد رفع الحصار الغربي المتوقع عنها.
·  انتهزت القاعدة في اليمن الحرب العدوانية وتمددت في حضرموت والجنوب الشرقي للبلاد، وهناك تقارير تقول إنَّ هذا التنظيم الإرهابي حصل على أسلحة من الجو مما يشير إلي الدعدم السعودي المفضوح للإرهابً. ومن المثير للدهشة أن المتحدث الرسمي السعودي لقوات «التحالف» يعلن بوضوح بأن «قوات التحالف لا تستهدف داعش أو القاعدة». هذا بينما يعلن أنصار الله والجيش اليمني استهدافهم القاعدة وداعش من أجل تخليص اليمن من التكفيريين والإرهاب. وعلينا ألا ننسي أن استراتيجية الذراعين لداعش تنطلق من اليمن وسوريا وتمتد حتى تطبق على مكة والمدينة حيث تعلن الخلافة.
هل نكون مبالغين إذا استنتجنا أن أمراء الخليج المشاركين في العدوان لا يفتقدون الإنسانية والأخوة العربية حسب؛ بل الذكاء السياسي أيضاً؟
* أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعتي الإسكندرية وولاية ميشجان (سابقاً).

20 إبريل 2015.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *