الشهيد ناهض حتَّر والهويّة الوطنيّة الأردنيّة

الشهيد ناهض حتَّر والهويّة الوطنيّة الأردنيّة

// د. عماد الحطبة //
 
ما زلنا عند الحديث عن الشهيد ناهض في نقطة لا نستطيع معها الفصل بين ما هو وجداني وما هو عقلاني فكري. نعلم تماماً أن ناهض قضى بديلاً عن كل واحد فينا. واليوم ونحن نحيي ذكراه، فإنّنا نحتمي بدمه لننقذ بلدنا. تذكّرتُ حلمه بالوطن وأنا أقرأ الأبيات التالية للشاعر أمل دُنقل، فقررت أن أبدأ بالوجداني قبل الانتقال الى الفكري:
 
«تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة 
كان يقص عنك يا صغيرتي.. ونحن في الخنادق 
فنفتح الأزرار في ستراتنا.. ونسند البنادق 
وحين مات عطشاً في الصحراء المشمسة 
رطّب باسمك الشفاه اليابسة 
وارتخت العينان 
فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟ 
والضحكة الطروب: ضحكته ..
والوجه.. والغمازتان»
لو أردنا أن نصف الشهيد ناهض حتر بأقل عدد من الكلمات لقلنا أنه مناضل في سبيل الهوية، بل إن تاريخ وعي ناهض كمفكر يمكن إيجازه بنضاله في سبيل الهوية؛ فهو كان شابّاً أمميّاً ليصبح رجلاً قومياً وجد في غرامشي وفي الشهيد مهدي عامل ضالته للجمع بين الهويتين القومية والأمميّة، لكنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي (1989) وجد في العودة إلى الهوية الوطنية الأردنية أساساً لا بدّ من الاعتماد عليه لبناء جدارٍ يقف في وجه انطلاق المشروع الإمبريالي من عقاله على وقع طبول نظريّة سيد العالم الوحيد.
لم يكن هذا الانتقال عملاً عشوائياً ولكنه كان انتقالاً من ساحة من ساحات النضال إلى أخرى في سبيل انتصار المشروع الوطني التحرري بواقعيّة الثوري الذي يطرح على نفسه مهامّ ممكنة التحقيق في الطريق إلى تحقيق هدفه النهائي. عندما أحدقت الأخطار بالهوية الوطنية مع بدء الخريف العربي، انطلق الشهيد في رؤياه نحو المحيط والقوى التي تقف في وجه الغزوة الاستعمارية الجديدة، فكان التحالف مع محور المقاومة من خلال طرحه للمشروع المشرقي.
لم يكن المشروع المشرقي سوى جدار آخر حاول ناهض بناءه في وجه الزحف الوهابي الذي حاول أن يغير هوية شرق الوطن العربي ويقضي على التنوع فيها ويحصرها في هوية طائفية متشددة واحدة (إسلامية سنية). لقد قرأ معظم مؤيّدي ناهض ومعارضيه، فكره وكتاباته على شكل مشاريع متوازية لا تلتقي، وفشل غالبيتهم في رؤية نقطة التقاطع التي تجتمع عندها كل هذه المشاريع المتمثلة بالتصدي للصهيونية والرأسمالية في منطقتنا والعالم.
«في عُنقي لكم دَينٌ يا أحبّتي ورفاقي، لأمّهاتكم، لآبائكم، لزوجاتكم، لأبنائكم، لحزبكم العظيم… حزب الله، حزب المسيح ومحمد وعلي والحسين، حزب ماركس وإنغلز ولينين، حزب ميشيل عفلق وأنطون سعادة وفهد، حزب عبد الناصر وحافظ الأسد، القلب المسلّح لحركة التحرر الوطني العربية! دماؤكم التي سالت وتسيلُ في سوريا، لا تعوَّض، إنسانياً ونضالياً؛ فأخجل لأنني لستُ شهيداً، وأخجل لأن بندقيّتي من الكلمات في خندق دمشق، ولأن حبري يسيل – لا دمي – في صدّ الحملة البربريّة على الشام، لكنّ، في دمائكم، يا رجال الله، الله/المطلق، يا رجال المطلق، يا مقاتلي المشرق المتحضر التعددي، معنىً تاريخياً لن يفهمه ليبراليو الصهيونية – الوهّابيّة؛ فالمعركة واحدة، للتحرر والعدالة والإنسانية، من مارون الراس إلى القصير إلى الجولان إلى القدس. في عُنقي لكم دَينٌ. وفي ضلوع وطني المهدّد بالمشاريع الصهيونية، في أزقة بلدتي السلط التي يختزن الإسرائيليون خطة احتلال جبالها، لكم دينُ المقاومة وسابقة التحرير التي أنقذت عقولنا من فوبيا إسرائيل، ووهمِ حتمية الاحتلال والركوع. في عُنقي لكم دَينٌ… وفي عيني دموع! هل تأذنون بهذه اللحظة من الوجد؟ لي، أيضاً، قلبُ مقاتل. وقد ملأت الجراح جسدي، فما قلتُ آه.. لكنّ دموعي تفرّ شكراً لمَن يقدّمون حيواتهم الغضة، لكي يمكنني أن أكون عربياً.. ومسيحياً شيعياً سنياً علوياً درزياً اسماعيلياً علمانياً، وأعيش كما أريدُ، وعلى هواي، في أرض أجدادي، شكراً لآبائكم، وهم يقدمون القرابين لكيلا يُذبَح أبنائي على الهوية. شكراً لإيمانكم المخضّب بالشهادة، لكي يمكنني أن أكون ماركسياً ومعارضاً وحالماً وعاشقاً وخاطئاً وعاصياً، وأموتُ، كما يحلو لي، وأنا أعانقُ داليةً سَلْطيةً تحت شمس العروبة، ولا أموت غريباً في أرضٍ باردةٍ غريبة، مهاجراً منفياً. هذه هي الماركسية في جوهرها، حين لا تضيع بوصلة السياسة والسلاح، ولا تعرف الفوّهات سوى صدور الغزاة، إمبرياليينَ وصهاينةً وتكفيريين وعثمانيين. هذا هو الديالكتيك المشرقيّ بتمامه؛ حين يُستشهَد مؤمنٌ من أجل علماني، هذه هي القومية باكتمالها؛ حين يُستشهَد الفتية اللبنانيون الذين آمنوا وما بدّلوا تبديلاً.. تحت عَلَم الجمهورية العربية السورية. هذا هو الله… وهذا هو حزبُه![1]»
 لقد كان نضال ناهض حتر سلسلة متصلة من المواجهات التي لم يتردد يوماً في خوضها والتوقف أحياناً لمراجعة المرحلة لا بل والتراجع أحيانا إلى نقطة البدء للانطلاق مجددا نحو أفق آخر من آفاق مشروع التحرر الوطن. تذكرني سيرة الشهيد بمقال للقائد لينين تحدث فيه عن صعود الجبل الصعب؛ حيث كتب أن الثوري في نضاله يكون كمن يصعد الجبل الصعب فإذا ما أصبح الطريق غير سالك فإن الثوري الحقيقي لا يستسلم ولا يناور ولكنه لا يتردد في العودة الى نقطة الانطلاق ليحاول صعود الجبل مرة أخرى من طريقٍ جديد.
فهل رأى ناهض حتر في الهوية الوطنية الأردنية أساساً للبناء وبداية الطريق لصعود الجبل الصعب؟ سأدع ناهض يجيب عن ذلك:
 
«لماذا الاردن أوّلاً؟ لأنّنا في هذا الخندق العربي بالذات! فإذا حمينا هذا الخندق نكون أدينا واجبنا القومي، فالجندي في الميدان لا يترك خندقه إلى الوراء إلا منهزماً، ولا يترك خندقه إلى الأمام إلا منتصراً وشهيداً.
لأن الاردن مأزوم بالرأسمالية الطفيلية، مأزوم بالفساد، مأزوم بالقوى الدكتاتورية، مأزوم بالمديونية، مأزوم بمشروع الوطن البديل مأزوم بالمعاهدة، مأزوم بالفقر والجوع… وضياع الهوية. وهو لذلك يشكل ثغرة في الجدار العربي، يمر منها الاختراق الصهيوني»
هذا ما قاله الشهيد ناهض حتر الذي لم ير الهوية الأردنية نفياً للآخر، أو انحساراً للمشروع التحرري الوطني وتقوقعاً في حدود الجغرافيا. لقد رأى الشهيد أن غياب الهوية الوطنية الأردنية يجعل الأردن مستباحاً ومجالاً لحل أزمة الكيان الصهيوني بتصفية القضية الفلسطينية عن طريق توطين اللاجئين في دول اللجوء (وفي مقدمتها الأردن) التي ستصبح وطناً بديلاً للفلسطينيين.
من هذا الموقع عمل ناهض على سد هذه الثغرة فتقدم نحو هذه القضية الشائكة غير عابئ بالسهام التي وجهت نحوه واتهمته بالإقليمية حيناً وبالطائفية أحياناً. إن المراجع لمقالات وكتب ناهض حتر يكاد لا يجد جملة واحدة تحمل مضموناً إقليمياً رغم أنه هاجم في الكثير من الأحيان البرجوازية الفلسطينية ودورها في نشر ثقافة اليأس والإحباط وتحويلها قضية فلسطين إلى قضية حقوق مدنية (حقوق أبناء الأردنيات، قضية المرأة، قضية سفر الفلسطينيين… الخ) وإبعاد الحوار تماماً عن القضية الأصلية التي هي قضية تحرير وطن وطرد محتلين. لقد أساء مؤيّدو ناهض (ومنتقدوه) فهم مشروعه؛ فمن ناحية أخذ بعض مؤيديه مقالات الشهيد بحرفية ساذجة وصوّروا مشروعه على أنه موجه ضدّ كل من هو فلسطيني أو من أصل فلسطيني، ومن ناحية أخرى حولت البرجوازية الفلسطينية موضوع الأردنيين من أصل فلسطيني إلى تابو لا يمكن المساس به. ولم يكن هدفها، بالتأكيد، مصلحة الطبقات الكادحة الفلسطينية في المخيمات أو المناطق الفقيرة، بل عدم فتح الأعين على مشروع التوطين الذي يطبخ على نار هادئة.
لعل أبلغ ما رد به الشهيد على هذه الادعاءات هو ما جاء في مقال له في «العرب اليوم» رد به على حمزة منصور، فقال: «هل تقبل يا منصور التحدي؛ أعلنوا في الإخوان وجبهة العمل أن انفصال الضفة الغربية غير شرعي، وأنها جزء من المملكة وأن الهيئات الحكومية الفلسطينية الحالية هي هيئات غير شرعية ومتمردة على الحكومة المركزية في عمان، وأن تحرير الضفة الغربية هو واجب دستوري للمملكة… وسنكون، معاً، للبحث في تأسيس جبهة المقاومة الوطنية الأردنية لاسترداد أرضنا المحتلة».
لقد رأى الشهيد أن ابقاء الهوية الوطنية الأردنية مِنْ دون ملامح واضحة ليس عملاً عفوياً بل هو محاولة متعمدة لإبقاء هذه الهوية مفتوحة على احتمالات الإضافة تحت شعارات إنسانية ووطنية فضفاضة. تساءل ناهض، ونحن نتساءل معه:
 
         لماذا يكون إظهار الهوية الوطنية الأردنية عملاً إقليمياً في حين أن التمسك بأي هوية اقليمية أخرى يعتبر عملاً وطنيا؟
         لماذا لا يُمنح اللاجئون الفلسطينيون جوازات سفر فلسطينية مثل بقية الفلسطينيين؟ أليس في ذلك إثبات لحقوقهم وتأكيد على وضعهم كلاجئين؟
         لماذا يُعتبر سعي الفلسطينيين للانفصال السياسي عن الكيان الأردني منذ العام 1974 وحتى يومنا هذا عملاً وطنياً.. في حين يُعتبر سعي الأردنيين إلى مساعدتهم في تحقيق هذا الانفصال عملاً اقليمياً؟
         ألا يشكل تعزيز الهوية الوطنية الأردنية سياسياً واجتماعياً سدّاً في وجه محاولات الكيان الصهيوني توطين الفلسطينيين في الأردن وتمييع الهوية الفلسطينية وصولاً إلى اختفائها؟
لقد أجاب الشهيد على هذه الأسئلة الإجابة الصحيحة والوحيدة وهي أن تعزيز الهوية الوطنية الأردنية عمل نضالي في وجه المخططات الصهيونية والاستعمارية ولا يقل في أهميته ووطنيته عن تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية. لقد عرض هذه الإجابة في مقالٍ كتبه في «العرب اليوم» في آذار 2011 فقدم التصور الأكثر تقدماً وتقدمية لمفهوم الهوية الوطنية الأردنية:
«على الأردنيين الاعتراف بأن الوجود الفلسطيني في الأردن لم يعد طارئاً أو خارجياً… لقد غدا الفلسطينيون الأردنيون مكوّناً أردنياً. وإذا كان من المرفوض مبدئيّاً القول بوجود شعبين في البلد وهو قول يقود إلى ثنائية توطينية وصراعية مدمرة، أو إلى كونفدرالية داخلية هي إطار للوطن البديل، فإن عدم الاعتراف بالمكون الفلسطيني الأردني كجزء بنيوي داخلي للشعب الأردني، يقود، حتماً، إلى تلك الثنائية. أما الاعتراف الصريح بوحدة الشعب الأردني على أساس المواطنة والمساواة، فهو المقدمة التي لا غنى عنها للتغيير الديمقراطي»
هنا لا بد من العودة الى الأسئلة وبقوة: «ما هو تعريف المواطنة؟» أو «من هو المواطن الأردني؟»
تصدى شهيدنا مرة أخرى للإجابة، فتحدث عن دسترة فك الارتباط، وطالب باعتبار ما سبق 1988 من وحدة بين الشعبين كان ضمن السياق الطبيعي. أما ما تلى 1988 من تجنيس فهو سياسي بامتياز ومخطط وهدفه تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن. لقد اقترح الشهيد مجموعة من التعديلات الدستورية توضح الربط بين التجنيس السياسي والفساد الذي ينهش جسد الأردن. لنقرأ بعضاً من مقترحات شهيدنا تلك:
 
1-3: الشعب الأردني جزء من الأمة العربية، والمواطن الأردني هو من كان مواطناً بصورة اعتيادية دائمة داخل حدود المملكة قبل 31 آب 1988.
 
1-4: مُلك المملكة، فوق الأرض وما في باطنها وأجوائها وموانئها ومياهها وثرواتها الطبيعية، لا يتجزأ ولا يقبل القسمة ولا يُنزل عن شيء منه لا بالتنازل السيادي ولا البيع ولا التأجير ولا بالتخصيص الاستثماري أو المناطق الحرة ولا يسوى ذلك قطعياً.
لكن البعد السياسي للهوية الوطنية الأردنية ليس البعد الوحيد الذي رآه شهيدنا، لقد عمل ناهض على التأصيل للمضمون الحضاري الاجتماعي للهوية الوطنية الأردنية من خلال كتابة السردية التاريخية الأردنية «وقد أعطت هذه الشخصية الجغرافية المميزة، طبيعياً، للإقليم الجبلي الخصب، سيماءه الاجتماعية والسياسية والثقافية المستقلة تاريخياً»[2]. لم تكن هذه السردية مرتبطة بحقائق التاريخ ببعدها الزماني أو الاركيولوجي أو حتى بعلم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا. لقد صاغ ناهض حكايتة الشعبية الأردنية التي أعطاها بُعداً تاريخياً يُظهر الطريقة التي نظر بها الأردني إلى نفسه وإلى الأشياء المحيطة به هذه النظرة التي اعتبرها الشهيد البصمة الحضارية الأردنية في المنطقة. لم يكتف الشهيد برسم ملامح الأردني الذي تشكل من خليط من الفلاح الذي يستميت في الدفاع عن أرضه والبدوي صاحب القوة والبأس والشهامة، لكنه ربط هذه الصورة بشخوص حقيقية مثل ماجد ونمر العدوان وصايل الشهوان ومصطفى وهبي التل (عرار) ووصفي التل وغالب هلسة وتيسير السبول. لم يكن اختيار هذه الشخصيات عشوائياً؛ ففيهم العاشق والثائر والسياسي والأديب والشاعر.. رموز يمكن أن تجمع كل الأردنيين، وأن تعزز صورة الأردني في مخياله الشخصي.
 
«كان مصطفى التل (عرار) أحد المشاركين المباشرين في النشاطات السياسية للمعارضة الأردنية.. إلا أن أهميته الأساسية تنبع من أنه كان هو الذي صاغ الرد الثقافي المعارض.. فحفظ لنا، بذلك، وإلى الأبد، التراث الروحي الخصب للشعب الكادح الذي تشكل وجدانه الوطني الخاص»[3]
عمل ناهض حتر على خلق رابط بين هذه الرموز الوطنية من خلال دور عرار في الثورة البلقاوية الماجدية (نسبة إلى ماجد العدوان)، ورثائه لصايل الشهوان شهيد الثورة وأحد قادتها عندما قال:
 
قسماً بـ (ماحص) و (الفحيص)        وبـ (الطفيلة) و (الثنية)
ودم (ابن شهوان) الزكي                ومصرع النفس الأبية
لسواك ما خفق الفؤاد                    ولا تململ يا صبية
 
وربط عرار بغالب هلسا؛ خصوصاً من خلال رواية هلسا الشهيرة (سلطانة): «لقد تابع هلسا، رائده (عرار) في الإلحاح على أدبية التراجيديا الأردنية»[4]. واحتل ابن عرار البكر وصفي التل موقعاً مهمّاً في هذه السردية التي صاغها ناهض حتر الذي أعد وحرر كتاباً عنه بعنوان «وصفي التل – في مجابهة الغزو الصهيوني».وفي هذا الكتاب يتصدى حتر لإعادة وضع وصفي التل في موقع القائد الوطني المقاوم من خلال إبراز دوره في حرب فلسطين 48، ورفضه لقرار وقف إطلاق النار وكذلك إبراز مقولات لوصفي التل بعد هزيمة 67؛ من قبيل:
 
         الحل السلمي مع «إسرائيل» مضيعة للوقت وتكريس للاحتلال.
         المجتمع المحارب ضرورة قومية لمحو الهزيمة.
         يجب أن تغدو المواطنة ووحدة الهدف عبئاً يتحمله كل إنسان في خطة كاملة وافية تقود نحو هدف واحد، وهو إزالة آثار العدوان.
لقد كان من الضروري تعزيز هذه السردية بعمل بحثي يضمها ويرسي قواعدها في الأرض؛ فكان العمل الموسوعي «المعزِّب ربَّاح»، والمعزِّب – كما نعلم جميعاً – هو صاحب البيت الذي يستقبل الضيف ويكرمه ويعتبر ذلك مكسباً. في تقديم الكتاب، يقول المؤلفان (ناهض حتر وأحمد أبو خليل): «يفتح هذا الكتاب، مداخل مختلفة، تاريخية واقتصادية – اجتماعية ثقافية، إلى تراث الإنتاج الفلاحي البدوي وتقاليد الغذاء والضيافة»[5]. أمّا المقدمة التي كتبها الشهيد ناهض حتر، فجاء فيها: «شهدت البلاد نهضةفي الإنتاج الفلاحي، وحولت واقع المجموعات السكانية من البداوة وشبه البداوة، الى الاستقرار وشبه الاستقرار نصف الفلاحي نصف البدوي، وتكوّن فائض في المنتجات الزراعية اتجه نحو التصدير للأسواق الخارجية»[6].
لقد رأى ناهض في هذا الكتاب أنَّ التعبير الأساسي عن الشخصية الوطنية يتم إيضاحه من خلال دور «المعزّب» الذي يرحب بالضيف ويكرمه «كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع نصف البدوي – نصف الفلاحي، يمكن تكثيفها في ميثولوجيا الضيافة؛ فالضيف ليس هو الشخص الزائر، وإنما تجسيد لزيارة المطلق إلى المطلق. الضيف هو ضيف الله، والضيافة ضرب من عبادة»[7]
هكذا رسم ناهض حتر حكاية الشخصية الأردنية وهويتها الوطنية، وهي هوية تتماهى مع المحيط في بعديها الاجتماعي والثقافي، وتضطر للتمايز عنه سياسياً لكي لا يكون الأردن مكاناً لحل أزمة الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية. هذه مقاربة أولية للفكرة التي تحتاج الى التوسع في البحث والدراسة.
 
لم تكن أي من هويات ناهض تناقض الأخرى أو تنفيها؛ فهو الماركسي العروبي الوطني الأردني المشرقي… هذا هو ناهض وهذه هي هويته.


 جريدة الأخبار اللبنانية – هذا هو الله وهذا هو حزبه – العدد 2012 –  25/5/2013[1]
  ناهض حتر – مصطفى وهبي التل (عرار) مختارات – أمانة عمان – 2002 – ص11[2]
 نفس المصدر – ص26[3]
 ناهض حتر – مصطفى وهبي التل (عرار) مختارات – أمانة عمان – 2002 –  ص29 [4]
 ناهض حتر وأحمد أبو خليل – المعزب رباح – منشورات البنك الأهلي – ط1 – ص 11[5]
 نفس المصدر ص16[6]
 نفس المصدر ص18[7]
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *