الدروس الجيوسياسية لتسريبات جاسوس أميركيّ لجأ إلى روسيا (1)*

الدروس الجيوسياسية لتسريبات جاسوس أميركيّ لجأ إلى روسيا (1)*

// ديمتري مينين //

ترجمة: ياسر قبيلات

 

 

انتهت المناقشات حول تسريبات إدوارد سنودن (رجل المخابرات الأميركيّة الذي لجأ إلى روسيا في أواسط العام 2013)، في ما يتعلق بالتجسس الإلكتروني العالمي الذي تقوم به الولايات المتحدة، إلى الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان والتسلل غير المشروع إلى الحياة الخاصة لملايين البشر في العالم. ومع ذلك، لو كان الأمر يقتصر على هذا فقط، لما أظهر البيت الأبيض كل ذلك القلق ولما أثيرت قضية تسليم سنودن على هذا المستوى الرفيع، بما في ذلك إلغاء الاجتماعات الرئاسية كما حصل خلال قمة ابيك 2013، ولما رأينا حينها باراك أوباما يخشى ويتحرج من الظهور في المحافل الدولية.

 

إن أسباب القلق العميق الذي أظهرته واشنطن مختلفة: لقد كشف سنودن أعماق طبيعة وأدوات سيطرة الولايات المتحدة على البلدان والشعوب، وهذا يغير مجمل النظرة العامة للسياسة الدولية ويشجع الإنسانية على البحث عن ترياق..

 

يقول الكثيرون إن ادوارد سنودين لم يكشف عن شيء جديد، وإن كل ما قدمه هو معلومات معروفة ومتوقعة من قبل. غير أن الكشوفات التي قدمها للعالم، من حيث حجمها وكميتها تصدم حتى المختصين. والأهم من ذلك، أن كشوفاته لم تقتصر على تحليلات أو معلومات أو أفكار تخمينية مما يمكن أن يكون مجرد نظريات مؤامرة هامشية، بل وثائق أصلية ذات قوة قانونية.

 

هناك العديد من التعريفات لمفهوم الجيوسياسة، ولكن كل هذه التعريفات يمكن أن تقود إلى حقيقة أن هذا العلم يختص بتأمين السيطرة على الأراضي في بيئات مكانية مختلفة: براً وبحراً، وفي العصر الحديث: جواً وفي الفضاء. أما في وقتنا الحاضر، فإننا نستطيع أن نضيف إلى ذلك تأمين بيئة المعلومات، أو ما يسمى بالفضاء الإلكتروني، حيث السيطرة على البيئات الجيوسياسية الكلاسيكية الثلاث تعتمد إلى حد كبير على السيطرة على هذه البيئة المعلوماتية الجديدة.

 

إن الميزة النوعية الجديدة للبيئة المعلوماتية باعتبارها فضاء جيوسياسياً هي بطبيعتها ميزة مزدوجة: هذه البيئة تمثل موضوعاً وهدفاً في الوقت نفسه؛ فإذا كان الفضاء الإلكتروني يبدو إلى حد كبير كبيئة افتراضية، برغم ارتباطه بالحقائق الجغرافية، فإنه كموضوع، يبدو واقعياً تماماً.

 

لقد كان مختصو الجيوسياسة في القرنين التاسع عشر والعشرين يتجادلون حول المفتاح الذي يفضي إلى السيطرة على العالم – على البر (الذي يسيطر على «قلب الأرض» يستطيع التحكم بالعالم، كما رأى ماكيندر) أو البحر (الذي يسيطر على السواحل الآسيو أوروبية سيمتلك مفتاح التحكم بالعالم، كما كان يشدد سبيكمان). أما في النصف الثاني من القرن العشرين، وكقاعدة عامة، تم تغيير هذه الأفكار بأخرى جديدة، وبات مفتاح السيطرة على العالم يتمثل بالتحكم بالفضاء الجوي والخارجي. وبدأ القرن الحادي والعشرين مع رؤية مختلفة جديدة: «مفتاح العالم بيد من يسيطر على الفضاء الإلكتروني».

 

الدرس الجيوسياسي الأول والرئيسي الذي قدمه سنودن هو أن الولايات المتحدة تعمل بشكل متسق للسيطرة العلنية والسرية على الفضاء الإلكتروني العالمي من أجل الحفاظ على موقعها الريادي والقيادي في العالم ولتحقيق الفوائد في العلاقات الدولية.

 

إنها ليست مجرد جمع معلومات حساسة عن بقية البشر على نطاق لم يسبق له مثيل، ولكن أيضاً معلومات يتيح امتلاكها تنمية القدرة على ايقاع أضرار كبيرة، في الممتلكات والقدرات العسكرية لعدو محتمل، وتوفير امكانيات نفوذ هائلة.

 

وبما يتعلق بمسألة كيفية ارتباط هذا بموقف سلطات الولايات المتحدة التي تقول إنَّ أميركا نفسها هي ضحية التجسس الإليكتروني الذي تمارسه ضدها بلدان أخرى، وفي المقام الأول: الصين وروسيا، قال سنودن: «نحن نخترق الجميع وكل شيء. ويعجبنا أن نوجد فرقاً بين أنفسنا وبين الآخرين، ولكننا في الواقع نراقب حالياً جميع البلدان تقريباً».

 

ويتوجب هنا أن نتذكر أن الإنترنت، الذي هو حجر الزاوية في الفضاء الإلكتروني الحديث، بدأ كمشروع تموله وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة في الولايات المتحدة الأميركية (DARPA)، التي هي فرع من وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، وظهر في الأصل تحت اسم ARPANET. ومن المفترض أنه تم، في وقت لاحق، الإفراج عن هذا النظام و«تعويمه بشكل حر». وعلى أساس هذه الفكرة اكتسب الانترنت تدريجياً صورته الحديثة. ولكن الشكوك حول مدى هذه الحرية كانت دوماً موضع جدل، غير أنه من الواضح الآن حتى النهاية أنه لم يتم قطع حبل الولادة السري الذي يشد هذه البيئة المعلوماتية الجديدة إلى أجهزة الولايات المتحدة الأمنية. ومن الواضح أن في أساس الأنترنت تعمل «شبكة الويب العالمية» (WWW) ومجموعة كبيرة من أنظمة نقل البيانات الأخرى.

 

لقد تعلمت وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية كسر بروتوكولات أمن الإنترنت للمعلومات، التي تكفل سرية البيانات ورسائل البريد الإلكتروني، والخدمات المصرفية والطبية على الشبكة. وقد نفذت وكالة الأمن القومي الأميركي (NSA) ومركز الاتصالات البريطانية (GCHQ) برنامجاً سرياً لإختراق أكثر بروتوكولات أمن الإنترنت فعالية. وقد اهتمت أجهزة الاستخبارات على وجه الخصوص ببروتوكول الحماية الحالي SSL. وتم تنفيذ عملية القرصنة في إطار برنامج سري للغاية «بول رن» (Bullrun). أما البرنامج البريطاني المماثل فيحمل اسم «إدج هيل» (Edgehill). كما أولت اهتماماً خاصاً للترميزات المستخدمة في تقنية 4G. في حين أن برنامج وكالة الامن القومي الذي يحمل اسم (XKeyscore) فيجمع «كل شيء تقريباً يمكن للمستخدمين القيام به على شبكة الإنترنت».

 

ومن المهم أيضاً أن نلاحظ أن أهم برنامج من بين كل البرامج الأميركية المخصصة لمراقبة شبكة الإنترنت العالمية هو PRISM (تاريخ إطلاقه الرسمي – 2007)، الذي كشف عن وجوده إدوارد سنودن، وقال إنه بدأ العمل بكامل طاقته مع تولي باراك أوباما منصبه. لقد كان باراك أوباما، بالذات، من أنصار إعطاء الأولوية لسياسة تقنيات التلاعب التكنولوجي، باعتبارها قوة «ناعمة» و«ذكية»، وكان يرى في برنامج PRISM «البلورة السحرية»، التي تمكن من الوصول إلى أسرار العالم.

 

في العام 2009، تم إنشاء هيكل خاص للعمليات شبه العسكرية في الفضاء الإلكتروني في الولايات المتحدة بناء على توجيهات من الرئيس باراك أوباما. قيادة هذه الوحدة المختصة بالعمليات في الفضاء الإلكتروني أنيطت بالجنرال كيث ألكسندر (وهو رئيس وكالة الأمن القومي – الوكالة الأكثر سرية في المخابرات الأميركية). في العام 2010، اعترفت الولايات المتحدة لأول مرة بالفضاء الإلكتروني كساحة حرب محتملة، كما ساحة البر والبحر والمجال الجوي. وفي العام 2011، أعطى الكونغرس موافقته على لجنة العمليات الإلكترونية ومنحها المال لتطوير تكنولوجيات لشن هجمات الكترونية. وفي آب/أغسطس 2012 ظهرت أول المؤشرات التي تؤكد أن البنتاغون قد بدأ فعلاً في اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.

 

لقد وضعت وكالة الأمن القومي الأميركي سراً أساليب لكسر أو للتحايل على أنواع رئيسة من أنظمة تشفير المعلومات على شبكة الانترنت التي يتم استخدامها لحماية مجموعة متنوعة من البيانات، من البريد الإلكتروني إلى المعاملات المالية. وتحقيقاً لهذه الغاية، استخدمت وكالة الأمن القومي مجموعة متنوعة من الطرق: من خلال وضع ما يسمى مداخل خلفية في البرامج الرائجة المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر الشعبية والعملاقة على حد سواء، وتضمينها أوامر محكمة سرية للتلاعب بالإجراءات الدولية لمجموعة من معايير التشفير. وتنفق الوكالة أكثر من 250 مليون دولار سنوياً على برنامج مشروع التمكين (Sigint Enabling Project)، الذي بموجبه «تعمل بنشاط مع شركات البرمجة الأميركية والأجنبية من أجل توفير تأثير سري و/أو استخدام المنتجات التجارية الخاصة بهذه الشركات» من أجل جعلها صالحة لـ«الاستخدام».

 

تستطيع وكالة الأمن القومي الأميركي اعتراض حوالي 75% من جميع حركة المرور على الإنترنت في الولايات المتحدة، التي من خلالها يمر قسم غير قليل من حركة المرور الدولية. وهذا بالمناسبة، أكثر بكثير مما يزعم المسؤولون الرسميون. ويعمل النظام على هذا النحو: تطلب وكالة الأمن القومي الأميركي من شركات الاتصالات تزويدها بتيارات مختلفة من حركة المرور على الإنترنت، التي تعتقد الوكالة أنها الأكثر احتمالاً للاحتواء على بيانات استخباراتية أجنبية. وهذه الشركات المتعاونة هي: مايكروسوفت، وياهو، وغوغل، وفيسبوك، وAOL، وسكايب، ويوتيوب، وأبل، وبالتوك. وهي ملزمة بالتعاون مع وكالة الأمن القومي الأميركي بموجب قرار المحكمة السرية الخاصة بمراقبة الاستخبارات الخارجية السرية. وهذه الطلبات، كما أثبت سنودن، تتجاوز ما هو أبعد من مواجهة عمليات «الاختراق المعادية» أو الإرهاب، وبقية المبررات التي يشدد عليها باستمرار ممثلو البيت الأبيض، وتذهب إلى تغطية طيف كامل من المعلومات «ذات الصلة» حول القضايا الرئيسة في البلاد والعالم.

 

وبدأ الأميركيون على نطاق واسع، في الآونة الأخيرة، باستخدام هذا النظام، على وجه الخصوص، من أجل التغلب على آثار الأزمة المالية العالمية ليس بمواجهة منافسيهم حسب، بل أيضاً ضد شركائهم كذلك. وتمكنت الولايات المتحدة، باستخدام ميزتها التفضيلية في معرفة كل «التحركات» في العلاقات الاقتصادية الدولية، من الحفاظ على اقتصادها واقفاً على قدميه وعكس اتجاه مؤشرات تراجع الصناعة «في الوقت والمكان المناسبين» وأمّنت بمقترحاتها تقدمها على بقية العالم.

 

الدرس الثاني. الولايات المتحدة تؤمّن سيطرتها الخاصة على الفضاء الإلكتروني، استناداً إلى دعم ومساندة مجموعة مختارة من البلدان الأنجلوسكسونية، التي ترتبط مع الولايات المتحدة بروابط ثقافية وتاريخية – بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا. درجة مشاركة هذه المجموعة من الدول في عمليات الفضاء الإلكتروني العالمية أعلى بكثير من برامج مماثلة من التعاون بين واشنطن وحلفاء آخرين، وتبادل المعلومات بين الأنجلو ساكسون هو الأكثر اكتمالاً. ويستخدم هذا التحالف غير الرسمي في تحقيق الأهداف الجيوسياسية، وتامين التفوق المطلق للغة الإنجليزية في الاتصالات الدولية.

 

يستخدم للإشارة إلى هذا التحالف الضمني أحيانا مصطلح «مجال الأنجلو» (Anglosphere). ويعتقد البعض أن هذا التحالف غير الرسمي «يمهد الطريق لمستقبل بقية الجنس البشري في القرن الحادي والعشرين»، استناداً إلى مجمل المصالح المشتركة في بيئة الاتصال، وخصوصاً على شبكة الانترنت.

 

(1) إذا كان من الممكن أن نتذكر هنا رائعة جورج أورويل «1984»، فإن هذا التجمع يمكن النظر إليه باعتباره «أوقيانوسيا». تقوم في ما تقوم على تحقيق التوافق والتكامل بين الآلة العسكرية الأميركية وبين القوات المسلحة للبلدان الأنجلو سكسونية الأخرى. وتعود فكرة تعزيز التعاون هذه إلى الجنرالين أيزنهاور ومونتغمري. ويتم تحقيق هذا التعاون الأنجلوسكسوني من خلال سلسلة من الهياكل، بما في ذلك توحيد المعايير والمفاهيم الخاصة بالقوات البرية الأسترالية والبريطانية والكندية والأميركية والقوات البرية النيوزلندية، باعتبار أن نيوزلندا عضو بالانتساب، وكذلك من خلال لجان تضم هؤلاء المشاركين أنفسهم تعمل على توحيد المعايير والمفاهيم الخاصة بالقوات الجوية والقوات البحرية.

 

(2) وبالمناسبة، لا تمتلك الولايات المتحدة مثل هذا التوافق حتى في إطار حلف شمال الأطلسي. حيث يتم تعريف الفضاء الإلكتروني بيئة مساوية لكل البيئات الأخرى وساحة للأعمال الحربية.

 

لقد أظهر سنودن أن الدول الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة – الدنمارك، هولندا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا وإيطاليا – لديها اتفاق مع واشنطن لتزويد الأميركيين بالبيانات الخاصة بخطوط اتصالاتهم. ومع ذلك، فإن أعلى حالة من الثقة لديهم على وجه التحديد هي تجاه بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. أما البلدان الكبيرة مثل ألمانيا وفرنسا، في ما يتعلق بمجمع التجسس الإلكتروني من خلال نظام SIGINT، فإنّها تحظى بـ«المرتبة ثلاثة»، إذ على ما يبدو أنها ليست موضع ثقة مساوية، وتغيب الرغبة عند الأميركيين في مشاركة هذه الدول بما تحصل عليه من معلومات وفوائد.

 

لقد كشفت ردة الفعل الدولية على تسريبات سنودن أيضاً الرباط الخاص الذي يشد العالم الانجلو ساكسوني بعضه إلى بعض. فقد تعرض إدوارد سنودن إلى أقسى الانتقادات، خارج الولايات المتحدة، واتهم بـ«الخيانة» في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا – البلدان التي تعتبر الركائز الأساسية والمستفيدة المباشرة من منظومة PRISM والبرامج الرديفة لها؛ ففي لندن، على سبيل المثال، وصل الأمر إلى درجة قيام الاستخبارات بمداهمة صحيفة الغارديان وتدمير محتويات مقرها في عملية هستيرية. والسبب أن هذه الصحيفة نقلت للعالم كلمات سنودن، التي كشفت أن المملكة المتحدة، في تعاون وثيق مع الأميركيين، في مراقبة أجهزة الكمبيوتر واعتراض المكالمات الهاتفية التي أجراها السياسيون والمسؤولون الأجانب الذين شاركوا في قمة العشرين الكبار في لندن في العام 2009. وأن هذه العملية السرية تم تنفيذها بالتعاون بين مركز الاتصالات الحكومي في المملكة المتحدة وبين وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة. كما اتضح كذلك أن المملكة المتحدة لديها محطة مراقبة سرية في الشرق الأوسط لاعتراض المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني وحركة المرور على الإنترنت.

 

ويضمن هذا المشروع، الذي قدرت كلفته بمليار جنيه استرليني، حصول الاستخبارات البريطانية على المعلومات من كابل الألياف البصرية البحري الذي يمر عبر كل الشرق الأوسط. وتقوم بتبادل المعلومات التي تحصل عليها مع شركاء لندن الأميركيين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ثمَّة جزء ثانٍ مِنْ هذا المقال، سنقوم بنشره لاحقاً.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *