الدروس الجيوسياسية لتسريبات جاسوس أميركيّ لجأ إلى روسيا (2)

الدروس الجيوسياسية لتسريبات جاسوس أميركيّ لجأ إلى روسيا (2)

// ديمتري مينين //

الترجمة عن الروسية: ياسر قبيلات

 

 

دروس جيوسياسية مهمّة تنطوي عليها تسريبات إدوارد سنودن (الجاسوس الأميركيّ الذي لجأ إلى روسيا)، من أبرزها أن الجيوسياسة كعلم لم تعد تعني أن السيطرة العالمية لدولة ما تعني التحكم بمجال حيوي من البر والبحر والجو والفضاء فقط، لا بل وكذلك التحكم بالفضاء الرقمي والمعلوماتي.

 

وهذه الدروس الجيوسياسية، لتسريبات سنودن، تتوالى، والدرس الثالث* منها هو: أنَّ وجود علاقات تحالفية مع أميركا لا يحمي الدول الحليفة من انتهاك الولايات المتحدة لمعلوماتها السيادية.

 

القضية هي أن السيطرة على الفضاء الإلكتروني بالنسبة للولايات المتحدة، ليست غاية بحد ذاتها، ولكنها أيضاً وسيلة تهدف في نهاية المطاف إلى تنفيذ أهداف استرتيجية تقليدية وتحقيق السيطرة الجيوسياسية على «مساحات واسعة». وكان من السذاجة أن يتوقع البعض أن «الاختراقات الإلكترونية» الأميركية لسيادة الدول الأخرى يمكن وقفها ببعض التنازلات والخدمات، أو من خلال التفاهم الودي..

 

وتُظهر الوثائق التي قدمها إدوارد سنودن أن الولايات المتحدة تراقب بشكل حثيث ليس فقط السلطات المركزية للاتحاد الأوروبي، ولكن كذلك المؤسسات الأخرى التابعة للدول الأعضاء فيه، بما في ذلك المؤسسات التابعة للحلفاء المقربين من البلدان التي لا تدخل ضمن نطاق «مجال الأنجلو». وتقع تحت غطاء المراقبة الإلكترونية الأميركية مجموعة من البلدان الحليفة غير الأوروبية، مثل: اليابان، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، وتركيا.

 

والمفارقة، أن من بين الـ35 زعميا دولياً الذين ترصد الولايات المتحدة مكالماتهم الهاتفية كثير من الحلفاء. ويتجلى ذلك من خلال تقرير نشرته الغارديان، ويستند إلى وثائق تم الحصول عليها من إدوارد سنودن. وقالت فيه الصحيفة إن وكالة الأمن القومي الأميركي طلبت لتنفيذ هذه المراقبة من موظفي البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون أن يزودوها بمعلومات الاتصال الخاصة بالمسؤولين الأجانب التي بحوزتهم.

 

وتكشف وثيقة وكالة الأمن القومي، التي يعود تاريخها إلى أيلول/سبتمبر 2010، أنَّه يتم تعريف الأوروبيين بأنهم «هدف للعمل». وفي هذا السياق، فإن بعثة الاتحاد الأوروبي في واشنطن وممثليته في الأمم المتحدة في نيويورك، على سبيل المثال، مراقبتان تماماً من الأميركيين من «أعلى شخصية وحتى أدنى موظف»، كجزء من عملية «بيرديدو». وشمل ذلك هواتفهم الخاصة، واختراق أجهزة الكمبيوتر، ونسخ الأقراص الصلبة، واعتراض حتى البريد الكمبيوتري الداخلي لهذه البعثات. وتم تحصين هذا الاختراق ضد أي محاولات لتحديث أو حماية النظم القائمة، وامتد الاختراق نفسه إلى السيرفر المركزي للإتحاد الأوروبي في بروكسل، وتم تنفيذ التحكم الإلكتروني بأنشطة الجهاز المركزي للاتحاد الأوروبي من مكتب الولايات المتحدة في مقر حلف شمال الاطلسي.

 

الإساءة الكبرى، كانت من نصيب الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، الذي اكتشف أنه يستقطب الكثير من الإهتمام الاستخباراتي الأميركي لنفسه، وأن تلك الدرجة النادرة من تضامن باريس مع واشنطن التي أظهرها دائماً، لم تشفع له ولم تضعه هو ومؤسسات الدولة الفرنسية، خارج المراقبة الاعتيادية الأميركية، كما اتضح في ما بعد.

 

وفي واحدة أخرى من وثائق وكالة الأمن القومي، على سبيل المثال، يتم الحديث عن التجسس على المندوب الفرنسي في الأمم المتحدة باعتباره «نجاحاً ساهم في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة». وكتأكيد على ذلك تقتبس الوكالة في وثيقتها عن السفير الأميركي في الأمم المتحدة سوزان رايس، قولها: «إن هذا (التجسس على السفير الفرنسي) ساعدني على معرفة الحقيقة، وتقدير الموقف من العقوبات، والحفاظ على الأفضلية في المفاوضات».

 

لقد سجل الأميركيون ليس محادثات أولئك المشتبه في تخطيطهم للقيام بأنشطة إرهابية فقط، بل وأيضاً محادثات رجال أعمال وسياسيين فرنسيين. على سبيل المثال، قامت المخابرات المركزية الأميركية، في الفترة من 10 كانون الأوّل/ديسمبر 2012 حتى 8 كانون الثاني/يناير 2013، بتسجيل رقم قياسي من المكالمات الهاتفية والرسائل النصية التي تبادلها الفرنسيون، وقد بلغت سبعين مليون وثلاثمائة ألف مكالمة ورسالة نصية. وذروة هذه التسجيلات (7 مليون تسجيل) تم التقاطها عشية عيد الميلاد، 24 كانون الأوّل/ديسمبر 2012، و7 كانون الثاني/يناير 2013.

 

لقد أدت تسريبات سنودن إلى إجراء تحقيقات إضافية في بعض البلدان، كشفت صورة أكثر وضوحاً للمراقبة الحثيثة التي يمارسها «الأخ الأكبر». وهنا، لقد جهدت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في مساعدة واشنطن على إطفاء فضيحة التنصت في بداية تفجرها. وقالت، على وجه الخصوص، إنهم بالتأكيد لا يتنصتون عليها، مشيرة إلى هاتفها الذكي «فائق الموثوقية ذي المعايير الأمنية المشددة» من الماركة الألمانية المتخصصة التي تنتجها شركة Secusmart، التي تزود جميع أعضاء مجلس الوزراء وكبار المسؤولين الألمان بالهواتف. غير أن التحقيقات التي أجرتها مجلة دير شبيغل لم تلبث أن أظهرت معلومات سرية من جهاز المخابرات (BND) والمكتب الاتحادي لأمن تكنولوجيا الأمن (FVBT) أن الأميركيين كانوا يتنصتون على السيدة ميركل طوال الوقت.

 

من الواضح اليوم أن وكالة الأمن القومي الأميركي قامت بالتجسس على ألمانيا بشكل أكثر كثافة مما كان يعتقد سابقاً. وان الوكالة تحفظ كل شهر 500 مليون اتصال وعملية نقل بيانات مما يجري في ألمانيا وحدها. وتشمل هذه البيانات المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، ومختلف عمليات الهواتف المحمولة وغرف الدردشة. وفي أيام الذروة، كما حصل 7 يناير 2013، فإن وكالة الأمن القومي الأميركي رصدت 60 مليون اتصال وعملية نقل بيانات.

 

يقول الخبراء: «تسريبات سنودن المنشورة أثبتت أنه ليس كلّ الدول الأوروبيّة، مِنْ مجتمع الحلفاء في أوروبا الغربية، على المستوى نفسه في العلاقة مع حليفهم الأكبر في الولايات المتحدة. وأن الدول الأوروبية لا تمتلك السيادة الكاملة في الإمبراطورية التي أنشأها الأميركيون».

 

الدرس الرابع؛ المراقبة الأكثر تشديداً هي تلك التي تخص بها الولايات المتحدة القوى الصاعدة الرئيسة – الصين، الهند، البرازيل، المكسيك، الخ. وهم يعاملون في أميركا باعتبارهم مصدراً محتملاً «للمتاعب»، حيث تعتبر هذه القائمة من الدول مؤهلة لتغيير «قواعد اللعبة»، وقادرة على التأثير بشكل كبير على توازن القوى القائم في العالم.

 

كان الاختراق الالكتروني الأميركي لهذه الدول من الضخامة بحيث أن رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، طالبت بالكشف عن وجود المراقبة الشاملة، وألغت زيارة رسمية مقررة لها إلى الولايات المتحدة، كما طالبت كندا بتفسيرات حول دور أوتاوا في التنصت في سياق عضويتها «مجال الأنجلو» (Anglosphere) على وزارة الفحم والطاقة البرازيلية.

 

واندلعت فضيحة مماثلة في المكسيك. وأعلنت الصين والهند عن عملية واسعة النطاق لتطوير برامج وطنية مضادة.

 

الدرس الخامس. لا تزال روسيا هدفا ذا أولوية خاصة للتجسس الإلكتروني من الولايات المتحدة، رغم انسحابها الطوعي من جانب واحد من المواجهة العالمية مع أميركا. وعلى النقيض من التصريحات العلنية، فإن وثائق وكالة الأمن القومي الأميركي السرية تعترف بروسيا فقط كـ«شريك مشروط»، من المستوى الذي تؤخذ بحقه التدابير الأكثر تطرفاً. ومن غير المتوقع أن يتغير هذا التعامل مع روسيا لأسباب جيوسياسية (روسيا «ذات مساحة كبيرة»).

 

محاولات السيطرة على ممثلي روسيا في الولايات المتحدة تأخذ طابعاً شاملاً، كما تؤكد ذلك الفضيحة التي أحاطت بفرع وكالة التعاون الروسي. وبالإضافة إلى ذلك، قدم إدوارد سنودن لصحيفة الغارديان البريطانية خارطة كاملة لبنية التجسس الأجنبي التحتية لوكالة الأمن القومي الأميركي – نظام المراقبة (XKeyscore). ووفقا لهذه الخريطة، واحد من أكبر سيرفرات نظام المراقبة (XKeyscore) موجود في السفارة الأميركية في موسكو.

 

وتعتبر حادثة قمة العشرين في لندن عام 2009 واحدة من أفضل الأمثلة على التعاون بين دول «مجال الأنجلو» (Anglosphere) في التجسس على روسيا، وذلك عندما عقد أول لقاء بين الرئيس الروسي حينها ديمتري ميدفيديف والرئيس الأميركي باراك أوباما. فوفقاً لصحيفة الغارديان، فإن تقرير وكالة الأمن القومي الأميركي «اتصالات القيادة الروسية لضمان عمل الرئيس ميدفيديف في قمة العشرين في لندن»، لم يصبح جاهزاً إلا بعد مرور أربعة أشهر على انعقاد القمة – لكثرة ما كان التقرير كبيراً، بسبب كمية المعلومات الكبيرة الواردة فيه.

 

وعملية الاعتراض هذه نفذتها محطة (MenVit Hll) في يوركشاير، التي تتقاسمها بريطانيا والولايات المتحدة. وقد تم إرسال التقرير أيضاً إلى أستراليا وكندا ونيوزيلندا، واقتصر على هذه الدول فقط.

 

وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن حكومة الولايات المتحدة كانت قد أرسلت إلى حلفائها من أجهزة المخابرات الأجنبية تحذيراً حول أن سنودن قد يكشف المعلومات والبيانات المتوافرة لديه حول تعاونهم الوثيق مع الولايات المتحدة للتجسس على عدد من الدول، بما في ذلك روسيا. وأن نشر هذه الوثائق، كما يخشى الأميركيون، «يعرض امكانية استمرار العملية للخطر». وحتى الآن، وفقاً لصحيفة واشنطن بوست، فإنه تم تعليق هذه العمليات ضد «الدول الحليفة»، ولكن ليس ضد «الشركاء المشروطين»، الذين تُصنف روسيا منهم. وتنقل الصحيفة عن مصدر في الاستخبارات أنه في واحد من هذه السجلات المهددة بالنشر يمكن، على سبيل المثال، أن تتضمن معلومات عن كيف يعمل «من أراضي إحدى دول بلدان الناتو» برنامج طموح موجه ضد روسيا، «ويقدم معلومات وافرة لسلاح الجو والبحرية الأميركيين».

 

الدرس السادس. تعتبر الولايات المتحدة كلّاً من الأمم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية وغيرها من المنظمات الدولية جهات منافسة في السيطرة على الإنسانية؛ وهي بالتالي، أيضاً «أهداف للاختراق». وتواصل واشنطن، مع الحفاظ على الادعاء غير المشروط بقيادة العالم، رصد ما يستجد لدى هذه المنظمات، ولا تردعها عن ذلك مخاطر انتهاك القانون الدولي والمعايير الأخلاقية للدبلوماسية.

 

توفر وكالة الأمن القومي الأميركي سنوات عديدة من السيطرة الكاملة على كل ما يحدث داخل أسوار الأمم المتحدة، وتمنح بالتالي الدبلوماسية الأميركية أفضلية كبيرة. وفي مبنى المنظمة الدولية نفسه ترابط على الدوام مجموعة من متخصصي وكالة الأمن القومي الأميركي تحت غطاء دبلوماسي، وفي مواعيد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تصل تعزيزات من واشنطن. الأمر نفسه ينطبق على وكالة الطاقة الذرية وعدد من المؤسسات الدولية الأخرى. وأهمية تسريبات سنودن أنها تكشف عن حقيقة أنه، وفقاً للوائح الداخلية، هناك إلزام لجميع العاملين الأميركيين في المنظمات الدولية، على الاطلاق، وليس فقط منتسبي الاستخبارات، يقضي بمساعدة، وجمع، وتزويد «فريق» وكالة الأمن القومي الأميركي بجميع المعلومات الشخصية المعروفة لديهم عن الأجانب مِنْ دون تمييز أو تمحيص.

 

ويبرر مايكل هايدن، المدير السابق لوكالة الامن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية، في مقابلة مع شبكة «سي بي اس»، الممارسة الأميركية للتجسس الشامل بقوله: «إن التعديل الرابع للدستور الذي يحمي حق الأميركيين بالخصوصية ليس اتفاقاً دولياً. وينبغي على أي أوروبّيّ ينوي تمزيق ملابسه احتجاجاً على التجسس الدولي، أن يختبر ما الذي تفعله دولته قبل ذلك». واستخدم الرئيس الأميركي باراك أوباما منطقاً مماثلاً، حينما أشار قائلاً: «هناك في العواصم الأوروبية، الناس يهتمون بمعرفة إن لم أكن تناولت الافطار، وعلى الأقل ما الذي أنوي أن أقوله لقادتهم لدى الاجتماع بهم».

 

هذه التصريحات لا يمكن أن تسمى سوى بـ«الخبيثة»: بالطبع، الأميركيون يمارسون، من أجل حماية الأمن القومي، ما فعلته لقرون استخبارات جميع بلدان العالم؛ ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ذهبت في عملياتها بعيداً، وتجاوزت كل الحدود التي يمكن تصورها، وخلقت وحشاً أمنياً يحاول السيطرة على كل ما يحدث على هذا الكوكب. وهنا، الكم يتحول إلى كم جديد يهدد النوعية. والاعتراض بأن الديمقراطية، كما يقولون، تجعل السيطرة داخل أميركا انتقائية، وخارج حدودها منفلتة، هو بحد ذاته نوع من «الاستبداد المتبلد».

 

الدرس السابع. السيطرة على الفضاء الإلكتروني، التي تطبقها الولايات المتحدة، ليست فقط جمع شامل للمعلومات، ولكن أيضاً عملية تأثير نفسي هائلة، لم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، وهي عملياً عملية سيطرة شاملة على السلوك. والاستنتاج هو: أنّ أي دولة حديثة تسعى لدور مستقل في الساحة الدولية، يتوجب عليها أن توفر، بالإضافة إلى المكونات التقليدية للسلطة الوطنية، بيئة معلومات خاصة إلى جانب وسائل موثوقة لحمايتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحديث عن الدرسين، الأوّل والثاني، ورد في الجزء الأوّل مِنْ هذا المقال، المنشور في «هكذا»، حيث نجد:

 

الدرس الجيوسياسي الأول والرئيس الذي قدمه سنودن هو أن الولايات المتحدة تعمل بشكل متسق للسيطرة العلنية والسرية على الفضاء الإلكتروني العالمي من أجل الحفاظ على موقعها الريادي والقيادي في العالم ولتحقيق الفوائد في العلاقات الدولية.

 

الدرس الثاني. الولايات المتحدة تؤمّن سيطرتها الخاصة على الفضاء الإلكتروني، استناداً إلى دعم ومساندة مجموعة مختارة من البلدان الأنجلوسكسونية، التي ترتبط مع الولايات المتحدة بروابط ثقافية وتاريخية – بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا. درجة مشاركة هذه المجموعة من الدول في عمليات الفضاء الإلكتروني العالمية أعلى بكثير من برامج مماثلة من التعاون بين واشنطن وحلفاء آخرين، وتبادل المعلومات بين الأنجلو ساكسون هو الأكثر اكتمالاً. ويستخدم هذا التحالف غير الرسمي في تحقيق الأهداف الجيوسياسية، وتامين التفوق المطلق للغة الإنجليزية في الاتصالات الدولية.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *