الخليج السعوديّ والخليج الآخر.. مَنْ سيدفع الفواتير؟

الخليج السعوديّ والخليج الآخر.. مَنْ سيدفع الفواتير؟

// أنطون كاساتكين //

 

 

الذين اعتادوا الحديث عن «دول الخليج العربية»، ويحاولون توقع سيناريو حل الأزمة الخليجية مع قطر، عليهم أن يمرنوا أنفسهم على اعتياد الحديث عن «دول الخليج السعودية»، وتوطين أنفسهم على أن السيناريوهات المتوقع وضعها لا ترسم صورة للحل، ولكن تكتب فصولاً إضافية من أزمة الخليج.

 

واقع الحال، إن ما جرت العادة على تسميته بـ«دول الخليج العربية» لم يعد قائماً بصورته التي استدعت هذه التسمية، كما أنَّ الأزمة مع قطر لم تنشب «فجأة»، وبهذه الصورة العلنية غير المعهودة، لتنتهي «فجأة». على الأقل، لأن المفاجآت السارة ليست تقليداً في العالم العربي، وفي منطقة الخليج على وجه الخصوص؛ إضافة إلى أن الأزمة مع قطر محكومة بأسباب وظروف هي – كما يُقال وفق ثقافة شعوب تلك الدول – «أقوى من تقبيل الأنوف»!

 

وبغض النظر عن الظروف والأسباب، فإنّ هذه الأزمة خلقت واقعاً خليجياً جديداً، كما أنّها تحمل إشارات ذات مغزى تعكس جملة من الأوضاع الدولية المستجدة.

 

أولاً؛ في ما يتعلق بالواقع الخليجي الجديد، فإن هذه الأزمة قسمت «دول الخليج العربية» إلى قسمين متساويين:

 

  • القسم الأول يضم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وهي ما يمكن تسميته بـ«دول الخليج السعودية».

 

  • القسم الثاني يضم الدول الثلاث الباقية، وهي: دولة قطر وسلطنة عمان ودولة الكويت. وهذه يصعب جمعها في مسمى واحد. وذلك لأنها خصوصاً لا تجتمع على إرادة واحدة في الخلاف الناشئ مؤخراً، كما أنَّها تختلف بمقارباتها المتعلقة ببقية الملفات المطروحة، سواء على مستوى دول الخليج، أو على المستوى الإقليمي.

 

هذا بطبيعة الحال، لا يعني أن مجموعة «دول الخليج السعودية» متفقة في ما بينها في سائر الملفات، وأنَّ مصالحها وسياساتها لا تعاني مِنْ أية تناقضات. كما أن هذا لا يعني أيضاً أن دول المجموعة الثانية متنافرة، تختلف في ما بينها، ولا تجمعها روابط. ولكن ذلك يعني أن التوافق في حالة المجموعة الأولى، وغياب موضوع للتوافق لدى المجموعة الثانية، هو ما يحدد طبيعة العلاقات والاصطفافات في المرحلة الراهنة.

 

ويمكن صياغة الفارق بين المجموعتين في عنوان رئيسي هو أن دول المجموعة الأولى تؤيد قيادة السعودية لدول الخليج والعالم العربي وكذلك الأجندة التي تندرج في إطار ذلك، في حين تتحفظ دول المجموعة الثانية على هذه القيادة. ويمكن القول تالياً، أن بلدان الخليج تنقسم في ما بينها إلى دول ترى أنها، في المدى المنظور على الأقل، تستفيد بـ«القيادة السعودية» ويمكنها استخدام هذه القيادة وجني الأرباح من تأييدها، وأخرى تعتقد أن هذه «القيادة» يمكن أن تُستخدم ضدها وفي العلاقة معها.

 

وفي الجهة المقابلة، إذا كان تحفظ سلطنة عُمان ودولة الكويت على «القيادة السعودية» نابع بالأساس من تحفظهما على الأجندة التي تندرج في إطار تلك القيادة، فإن تحفظ قطر مختلف؛ فهي بالأصل، قبل أن تشمل هذه «الأجندة» تطويعها، لم تكن تعترض على الأجندة نفسها، بل كانت تتحفظ على تلك «القيادة» بحد ذاتها، وتطمع بها، بما تمثله من دور؛ ولهذا دخلت في المنافسة معها.

 

ثانياً؛ هذا الانقسام يعني عملياً تعطيل مجلس التعاون الخليجي؛ ليس فقط بسبب انعدام إمكانية انعقاد مؤسساته، وعلى رأسها مؤسسة القمة، بسبب مقاطعة «دول الخليج السعودية» لقطر، ولكن أيضاً لأن هذا الخلاف يحول دون اتخاذ «المجلس»، أو أي من مؤسساته، أية قرارات من أي نوع. فقرارات المجلس تتم بالإجماع، ولا إجماع دون قطر.

 

وهذا يسري على جوانب التعاون التنموي والعسكري والأمني وخلافه، من كل المستويات.

 

وباختصار، فإن الحديث عن «مجلس التعاون» بات من التاريخ؛ ومن سوء حظ جميع الأطراف أن الإقرار بموت هذه المؤسسة يخلف أعباء سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية كبيرة، ليس أقلها ما يتطلبه من جهد لتحويل أو إلغاء البرامج التنموية والأمنية والعسكرية وغيرها إلى برامج وتعاونات ثنائية أو أكثر، كما تقتضي الحال.

 

وبالمقابل، فإن انعدام إمكانية وضع نهاية قانونية لهذه المؤسسة، لغياب الإجماع، مكلف بدوره؛ حيث أنَّه يعني أن حزمة البرامج والمشاريع المشتركة، في مختلف المجالات، ستتعطل، مِنْ دون بدائل محلية لها. إضافة إلى أن كلفتها الأساسية ستأتي من حالة انعدام اليقين إزاء مستقبلها. ولنتخيل الوضع مع عشرات الاتفاقيات التي لا يملك أحد إلغائها، ولا تنفيذها، بينما أثرها المالي يشد أطرافاً ثالثة، تتنوع بين مصارف تمول ومقدمي خدمة وموردين وخلافه.

 

ثالثاً؛ إن هذا الانقسام، الذي يضع حداً للعمل والبرامج الخليجية المشتركة، يؤجج بالمقابل الأنشطة الأمنية المتبادلة، التي لن تلبث أن تظهر آثارها في مرحلة مقبلة، مع تراجع الإهتمام بالأزمة. وهذا من شأنه أن يستولد أزمات دورية، تضع العالم نهائياً أمام صورة المشهد الخليجي النهائية، حيث لا وجود لفكرة «البيت الخليجي الموحد».

 

رابعاً؛ ما كان من الممكن أن يخرج الانقسام الخليجي حاداً على هذا النحو، وبهذه الصورة العلنية، لو كانت العلاقات الأميركية الخليجية مستقرة، وعلى معهود حالها.

 

وهنا، يمكن رصد خلاف حول طبيعة العلاقة مع دول الخليج، وانقساماً في الموقف حول تفضيلات الولايات المتحدة في ما يتعلق بهذه المنطقة. وبالمناسبة، العقلية الأميركية التي تتعامل مع هذه التفضيلات تميل للتصرف على نحو شبيه بمنطق اللص العجول، الذي يبحث عن «ما خفّ حمله، وغلا ثمنه». وهي المعادلة التي تبرز تفضيل «الوهابية القطرية» الفعالة والمسيطَر عليها، مقابل البحث عن «حل» للوهابية السعودية المستشرية في المجتمع، والمتجذرة في الدولة، على نحو صعب وميؤوس منه، ما يستدعي إلى العقل فكرة «التفكيك» الشامل.

 

خامساً؛ رغم أن المعادلة تبدو غير متكافئة، ففيها دولة واحدة صغيرة مقابل دول تضم «الشقيقة الكبرى» مالكة مفاتيح الشرعية الخليجية، ورغم ثقل الإجراءات التي تواجهها هذه الدويلة المغضوب عليها، إلا أن علامة الاستفهام ليست معلقة فوق قطر، بل هي تدور حول السعودية وتتهددها.

 

وفي هذا السياق، بالذات، يمكن فهم اندفاع السعودية لخوض معركة «كسر عظم» ضد قطر، من جهة؛ وإجراءاتها التي تسابق الزمن في مجال إثبات القدرة على تجديد الحكم، من جهة أخرى؛ وتحديداً انجاز مهمة نقله من «الأبناء إلى الأحفاد»، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والدخول ببرنامج الخصخصة الشاملة، إلى جانب إجراءات الحد من نفوذ المؤسسة الدينية، والقيام بخطوات عمليّة لتحديث المجتمع.

 

وفي حين تبدو خطوات مثل تقييد نشاط «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، واعتماد التقويم الميلادي، والسماح للمرأة بسياقة السيارات، رمزية وليست بالشيء الكثير، إلا أنها بالنسبة للمملكة خطوات كبيرة، وليست سهلة. وهي على أية حال، كافية لإعطاء الإشارات اللازمة التي تسعى الرياض إلى إرسالها إلى الولايات المتحدة. خصوصاً، وأن الحظ لعب إلى جانبها بفوز دونالد ترامب، الذي لم تتوقع أن يكون إلى جانبها؛ ولكن صدف أن الرئيس المنتخب، الذي وقفت «المؤسسة» في واشنطن ضده، معنياً بالانتقام من هذه «المؤسسة» في مكانٍ وموضوعٍ يوجعها ولا تحكمه التعقيدات الأميركية: قطر.

 

ولهذا، فإن فتح المعركة مع قطر مباشرة عقب قمة ترامب الشهيرة في الرياض، ليس مصادفة!

 

سادساً؛ بناء على ما سبق، فإنه لن يكون من النادر ورود مواقف أميركية متباينة من الخليج؛ ما يعني أن السياسة الثابتة والراسخة لسنوات إزاء هذه المنطقة تقترب من أن تكون جزءاً من الماضي. ولهذا، فإن القلق من علاقات «غير سعودية» بين الولايات المتحدة وبين إيران أصبح راسخاً في الرياض.

 

سابعاً؛ اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس ثمَّة مواقف مجانية، والحسابات في الاصطفافات الخليجية القائمة تأخذ منحى أكثر تعقيداً، بحيث يجد كل بلد خليجي نفسه محكوماً بسلسلته الخاصة من الاعتبارات؛ فإذا كانت بعض الدول مثل سلطنة عُمان ودولة الكويت تفضل الوقوف على الحياد، لتنأى بنفسها عن نتائج المنازلة الخليجية، فإن من بين «دول الخليج السعودية» من تنحاز للرياض، ولكنها لا تفعل ذلك مراهنة على قدرة المملكة على حسم المنازلة، وإنَّما لأن هذا الإنحياز يجعلها رابحة، بغض النظر عن الوجهة التي تنتهي إليها الأمور.

 

في الواقع، إن الإيحاء الذي يتسرب حول السعودية التي هي الآن فعلاً بلا أصدقاء، هو حقيقي، غير أنه ليس حاسماً!

 

وفي ما يشبه جملة اعتراضية، يمكن هنا القول أن هذا بالذات ما يدعو السعوديين إلى الاعتقاد بأنهم قادرون عند اللزوم على «تقديم عرض لا يمكن رفضه» لروسيا، على حد تعبير «دون كارليوني» في فيلم «العراب» الشهير. وهذا نفسه ما يدعو موسكو إلى عدم الانغماس في الأزمة الخليجية إلى الدرجة التي تحتم عليها إعلان مواقف قطعية.

 

ثامناً؛ بالنظر إلى العداء المستحكم الذي تكنه الرياض ومجمل «دول الخليج السعودية» لطهران، فإن ملف القطيعة مع قطر، الذي قاد الدوحة إلى استعادة علاقاتها مع إيران، هو هزيمة سياسية للسعودية. وهذه الهزيمة تؤشر على أن المملكة لا تزال بعيدة عن المعالجات الجذرية، وأنَّها تواجه الأزمات بطريقة تستولد أزمات جديدة.

 

واليوم، تأمل «دول الخليج السعودية» أن يكون في إجراءات المملكة على الصعيد الداخلي، وانعطافتها الروسية، ما يمكِّن من تجنّب دفع فاتورة تسهيل الاستثمارات السياسية القطرية والمشاركة في كثير منها. ولكن في حقيقة الأمر، لا مناص من مواجهة الاستحقاقات، ولا مفر من دفع الفواتير.

 

على الأقل، لأن وجود منتصرين ورابحين، يتطلب وجود مهزومين وخاسرين يتكفلون بدفع فاتورة النصر!

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *