الحقيقة

الحقيقة

// سميحة خريس //

 

يتناول علم الاجتماع الانسان من حيث هو جزء من حركة مجتمعية متكاملة، ويصوره كما لو كان كلّاً متّحداً، ويسمى حراكه بالذات الجمعية، حيث كلنا نمتلك صفات توحدنا، وملامح تميزنا، كشعب أو كأمة، أو عرق، بينما يُعنى علم النفس بالذات الفردية، يرصد التباينات الدقيقة بين الأفراد وردود الفعل المختلفة في المواقف المتشابهة، ويبحث عن الأسباب والمبررات، مثله فيزيائياً يؤشر علم الجينات على الاختلافات الفردية والجمعية معاً.

وفي زمننا المعاصر لم يكتب عالم حول الشخصية الفردية والجمعية بمثل ما جاء به المصري «جمال حمدان» حين كتب عبقرية مصر، والتي أثارت حوله زوابع من الاعتراض والامتعاض والتصفيق والاشادة لم تنتهِ حتى بموته، ذلك أنه كان شديد القسوة في تشريح الشخصية المصرية، وبدا معجباً بالجغرافيا ناقداً لئيماً للتاريخ، وساخراً حاداً من الانسان، ولا أعرف أحداً قدم عملاً بمثل ثراء عمله، اللهم إلا “علي الوردي” في العراق، وبين الباحثين العالمين كثير من النقاط التي تجمع وتلك التي تفرق التجربتين، لكن أحداً في مجتمعنا ” الأردن” لم يجسر على ارتياد هذا النوع من الدارسات.

لعل الروائيين أقدر الفئات “في غياب الباحث المتخصص” على سبر غور الشخصية الأردنية، نظراً لما زودوا به من قرون استشعار، وما يفتحه أمامهم الفن الروائي من أبواب موصدة على الفرد والمجتمع على حد سواء. وأعني بذلك الروائيين الذين حباهم الله بحدس مبكر، واشتغلوا على أدواتهم ومعارفهم حتى باتت تعمل مثل الرادارات على الطريق، تصور المشهد وتقيس السرعة بدقة، وليس كل من كتب على غلاف أوراقه كلمة رواية، وادعى أن الأحداث والشخوص المسطحة تلك تنتمي إلى فن الرواية، مفارقة حكايات الحكواتية.

فتح فن الرواية لي آفاقاً واسعة، وأبواباً مغلقة، وأعانني على الرصد الخبيث أحياناً للإنسان. قد تكون دراستي في علم الاجتماع تركت بعضاً من قوانينها العلمية في نفسي، ولكن التجربة الذاتية والعين المراقبة واستمراء التحليل يساعد أكثر على فهم ما يدور حولي، ويهيّئ كل الأشياء لتكون لوحات في نصوص روائية، وكلما ارتقيت سلم العمر وجدتني أشبه حارس المنارة في خضم البحر، يراقب الموج، ويرى الأعماق كما حركة السطح وتوجهات السفن والمراكب، وأسراب الطيور التي تغطس رؤوسها في الماء ملتقطة الأسماك، ووجدتني أزداد عجباً بتركيب الشخصية الأردنية، فالإنسان الكريم الدمث موضع السيف وموضع الندى هو نفسه البخيل الخائف من ضياع الرزق في مواقع أخرى، والجاد الوقور الحكيم، هو نفسه الساخر الأبله الأرعن في مواقف أخرى، والجميلة الناعمة الرقيقة هي ذاتها الخشنة الجافة عندما يتغير المطرح والمكان، والذي ينظر إلى السائق الذي يتجاوزه غاضباً صائحاً: الله يهديك هناك نظام، أين النظام يا شعب؟؟ هو نفسه الذي يركن سيارته معيقاً الحركة في الشارع هاتفاً بمن حوله: دقائق.. الدنيا ما طارت..

والتلميذ النجيب الملتزم بواجباته وأنظمة المدرسة، هو نفسه الذي تعجز أمه عن تعليمه كيفيه اطباق شفتيه والامتناع عن إصدار أصوات أثناء مضغ الطعام، والعاشق الذي يبحث بجهد عن محل الأزهار ليهدي حبيبته وردة، هو نفسه الذي ينسى أن يوجه تحيّة الصباح الجميل لمن يحيطون به، والمتحمس لقضايا الغلاء والداعي لمقاطعة اللحوم الحمراء، هو نفسه الذي يحرص على إكرام ضيفه برأس الخروف يتوسط صدر المنسف، والريادية المناضلة التي تدعوا إلى حرية المرأة وتمكينها، هي نفسها التي ترغم ابنتها على الاقتران بالعريس المنتفخ الجيب، وتعيب على أختها المطالبة بإرثها، والرجل الذي يحذر من التطبيع، ويسمى كل من لم يكن ذا فكر تقدمي بالخائن والعميل، هو نفسه الذي يخون امرأته كلما ابتسمت له عابرة، والذين يتحدثون في دواوينهم عن فساد الادارة وسوء توزيع الثروة والعمل، هم أنفسهم الذين يصلون متأخرين إلى مكاتبهم، ويهدرون الوقت في الفراغ ويؤجّلون عمل اليوم إلى الغد، والذين يرفعون شعار الوحدة العربية، هم أول المصفقين للمطرب الشعبي  الذي لا يطربون لسواه حين يصدح مغنياً.. أنا عايش وحدي مرتاح..

وبين كل تلك النماذج المرتبكة المذهلة، هناك من يقبضون على جمر المثالية، فلا يرتدون الأقنعة، ولا يعرفون فنون التحايل مع الحياة.. أبرياء، بيض الوجوه والقلوب والأيادي، قلة قليلة، لا أدعي أني واحدة منهم.

لعلها الجغرافيا كما يظن جمال حمدان هي التي تصنع مزاج الناس، فأرضنا وعر يلحق به منخفض يليه سهل، يتقطع بهضاب، فصحراء، وبقايا ماء ابتلعت جله الأرض منذ زمن بعيد، وما عاد متواجداً إلا في الذاكرة أو القوارير التي تباع؛ لعله التاريخ الذي حول تلك البقعة إلى معبر حضارات متصادمة، وتيارات لا تستقر، وتنقلات متسارعة بين بادية وحضر ومدنية حديثة؛ لعله الموقع الحرج المحاذي لأكبر قضيّة سياسية عرفها الزمن المعاصر، وصارت في قلب دورنا ووقائع حياتنا، القضية العربية الفلسطينية، التي تجعلنا بهلوانات  نتعلم السير على حبال مشدودة ببراعة كي لا نقع.

صرت أؤمن أن الروائيين أكثر المبدعين حظاً، فهم الذين يقتاتون من كل هذه التناقضات، ويجدون وراء كل شخصية منجم من الخفايا والحكايا والتغيرات الغريبة اللازمة لخط آلاف الروايات الفاحصة لحياة مذهلة، لا تشبه أي نمط مفترض ومتوقع، حياة مليئة بالمفاجآت، وقد أكون متوهمة في أن تلك الخاصية تتعلق بمجتمعي الأردني، قد تكون هذه صفات البشرية في كل مكان وزمان، في كل مجتمع وتجمع، ولكننا قصرنا في دراسته كما ينبغي، ولم نبحث عن أسراره، إلا بما قام به الروائيّون، فإذا جنح أحدهم، وكتب ما لا يعجب العامة، لا تلوموه، ففي النص الروائي لا بد للخيال أن يشارك في صياغة المشهد، واعذروه، فلم يزوده البحث الجاد الرصين بأية معلومات توجه تصوراته، كما أنه مخلوق يدعي استشراف المستقبل، ويسجل أمانيه وأحلامه على الورق، يجمل ويشوه كما يشاء، إذا لم يعجبكم صنيعه، ابحثوا عن الحقائق بالدراسة والتشريح الواقعي، هذا إذا كنتم لا تخافون الحقيقة…

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *