الحرب «الوقائيّة» الأميركيّة على كوريا ستكون خياراً غبيّاً*

الحرب «الوقائيّة» الأميركيّة على كوريا ستكون خياراً غبيّاً*

// جون ديلوري //

ترجم المقال: // د. عماد الحطبة //

 عن: FOREIGN AFFAIRS الأميركيّة

 

 

{تنويه: المقال يقدم رؤية أميركية للأحداث لا نتفق مع معظمها، لكنّنا رأينا أنَّه من المفيد الاطّلاع عليها} – (المترجم)

 

نستطيع القول إنَّ التغيير الأكبر الذي جلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سياسة الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية كان في الجانب الخطابيّ البلاغيّ، ولكن الآثار الاستراتيجية التي يمكن أن تنجم عن هذا التغيير قد تكون ضخمة ومهمة. على مستوى الممارسة السياسيّة الفعلية، فإن فكرة «المسؤولية الاستراتيجية» التي تنادي بها إدارة ترامب تدين إلى سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها إدارة باراك أوباما بأكثر مما يرغب بالاعتراف به مهندسوها ومنتقدوها على حد سواء. الفكرة الاساسية خلف هذه السياسة هي حث بكين على ممارسة ضغوط أكبر على بيونج يانج، لقد اتضح ذلك في الجولة الاخيرة من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على كوريا الشمالية وفى العديد من التغريدات الرئاسية على موقع تويتر. كل هذه الشواهد تقول إنَّ سياسة الرئيس ترامب، بدلا من تجاوز الماضي، ورثت عن إدارة أوباما الفكرة الخاطئة التي تقول إنَّ الصين هي المفتاح لحل مشكلة كوريا الشمالية.

 

على الرغم من الاستمرار في نفس النهج السياسي، إلا أن تحولاً كبيراً طرأ على اللهجة التي تتحدث بها هذه الإدارة عن كوريا الشمالية. يتحدث الرئيس بحماس منقطع النظير عن الضربات الاستباقية، ويطرح كبار مستشاريه مبدأ «الحرب الوقائية». تظهر هذه الأفكار في وسائل الإعلام بشكل متكرر وأصبحت جزءاً طبيعياً من النقاش العام. لقد كان ما يسمى بالخيار العسكري، خياراً هامشياً قبل عام، أما اليوم فهو جزء من النقاشات الرئيسية.

 

هذا التغير الجديد في السياسة، يستحق منا مراجعة سريعة لألغاز السياسة الكورية الشمالية منذ نهاية الحرب الباردة لعلنا نتعرف على سبب هذا التغير. المرة الوحيدة الأخرى التي برز فيها الحديث عن الحرب كانت في ربيع العام 1994. في ذلك الوقت، كانت بيونغ يانغ قد وصلت إلى أقرب نقطة لتطوير برنامجها النووي العسكري، وكان وزير الدفاع الأميركي وليام بيري على استعداد لأن يقدم للرئيس بيل كلينتون خطة متكاملة لقصف وتدمير جميع المواقع النووية التابعة لبيونغ يانغ. استمرت الأزمة طافية على سطح الأحداث لمدة عام تقريبا ًثم تضاءلت بعد نشاط دبلوماسي مكثف نتج عنه توقيع اتفاقية إطار بين الولايات المتحدة وبين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تم بموجبها تجميد برنامج البلوتونيوم في كوريا الشمالية ولاحقا إيقاف التجارب الصاروخية. وبالمقابل اختفى تماما الحديث عن الغارات الجوية.

 

بيد أن اتفاق الإطار تراجع دوره أثناء إدارة بوش، ففي حزيران 2006 كانت بيونغ يانغ تستعد لاختبار صاروخ باليستي بعيد المدى، يومها كتب النائبان بيري وأشتون كارتر، والأخير سيصبح وزير الدفاع في المستقبل، عريضة دعيا فيها إلى ضرب قواعد الصواريخ الكورية التي أصبحت على منصات الإطلاق. تم التعامل مع اقتراح بيري –  كارتر بشكل سطحي، لم يكن أحد مهتماً حينها بالخيارات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية. فالوضع في العراق كان سيئا بما فيه الكفاية. لذلك سمح بوش بإطلاق الصاروخ الاختباري، وعاد في وقت لاحق من العام إلى مضاعفة الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف عبر منصة المحادثات السداسية.

 

في الوقت الذي تسلم فيه أوباما منصبه كانت هذه المحادثات تتفكك، لكن إدارته ركزت على العقوبات والضغط (عبر الصين) بدلاً من العودة إلى مبدأ الحوار والتفاوض. رغم ذلك، مثل بوش وكلينتون قَبْله، رفض أوباما الحرب كحل قابل للتطبيق. فقد قال أوباما لشارلي روز في العام 2016: على الرغم من أن ترسانتنا قادرة على تدمير كوريا الشمالية، إلا أن مثل هذه الحرب لن تكون مِنْ دون «تكاليف إنسانية» باهظة وهو أمر غير مقبول لدينا، خصوصاً أنها تعرض للخطر «حليفنا الحيوي»، «الكوريين الجنوبيين» وهم الجيران الأقرب.

 

فلماذا إذن يتم طرح احتمال حرب كورية ثانية على الجمهور الأميركي كواحد من الاحتمالات الممكنة؟ هل هذا كله خطأ ترامب؟  أم إن لغة ترامب المليئة «بالنيران والغضب»، وتصريحات مسؤولي إدارته وإن بدت أقل سخونة لكنها بنفس الدرجة من التشاؤم، تتغذى على تغيير التصورات حول التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية للولايات المتحدة، سواء من حيث القدرات أو النوايا. هذه الإشارات المتكررة إلى إمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية، التي ترافقها حملة إعلامية لا تكل ولا تمل تعمل على تضخيمها، تثير القلق العام من الانفتاح على فكرة الحرب كواحد من الحلول المطروحة. لن يغير ترامب، أبداً، لعبته اللغوية. لذلك فإن الجمهور مطالب بمعرفة حقيقة وطبيعة التهديدات المزعومة، وفيما إذا كانت تشكل خطرا حقيقيا وداهما على الأميركيين، والأهم من ذلك، ما إذا كانت تستحق كل هذا الحديث عن الحرب كواحد من الحلول القابلة للتنفيذ.

 

لا يستطيع أحد إنكار التطور الذي طرأ على قدرات كوريا الشمالية في مجال الأسلحة المختلفة. فقد حققت البلاد تقدما واضحاً في بناء القدرة على إنتاج قنبلة نووية يمكن ان تضرب مدينة أميركية. هذا ما يقوله جيفري لويس من مركز جيمس مارتن لدراسات عدم انتشار الأسلحة النووية؛ لقد عبرت كوريا الشمالية خط النهاية. كما أن كوريا الشمالية مستمرة في عزمها على تطوير قدرتها للقيام برد نووي، وبالتالي فهي تشكل تهديداً فعلياً ومباشراً للوطن الأميركي. لكن هذا التطور حدث تحت عيون الخبراء ومراقبتهم على مدى عدة سنوات لذلك لا معنى للقول بأنهم تفاجأوا بأن الأمور وصلت إلى هذه النقطة الرهيبة. لعلنا نغفر لسكان دنفر إذا تملكهم هذا الشعور، فقد قيل لهم، وبشكل مفاجئ، أنهم يعيشون تحت ظل التهديد بسحابة فطر نووية مصدرها كوريا الشمالية.

 

بطبيعة الحال، فإن القدرة على القيام بفعل لا تشكل بحد ذاتها تهديداً ولا تبعث على الطمأنينة. فالأمر يتعلق بالعلاقة بين القدرة ومن يمتلكها فروسيا أو الصين تستطيع شن هجمات نووية على دنفر، لكن لا أحد يفكر بهذا الاحتمال كثيراً. هنا يبرز دور تصوراتنا للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون ونواياه.

 

يتم الترويج على نطاق واسع لفكرة مفادها أن كيم مجنون، وهي فكرة تشجعها التعليقات التي يدلي بها الرئيس ترامب وإدارته. فوفقاً لإحدى المكالمات بين ترامب وبين الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرت، التي تم تسريبها، سأل ترامب عما إذا كان كيم «مستقراً أم غير مستقر»، ثم عاد وأشار إليه بأنه «مجنون يمتلك أسلحة نووية». ويصبح الموقف أكثر وضوحاً عندما نستمع إلى ما قالته نيكي هالي مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتّحدة: «هذا ليس شخصاً عقلانياً». هدف هذه التعليقات تغذية الخيال العام، الذي يمتلك صورة عن والد كيم (كيم جونغ إيل) كمجنون شرير وبالتالي يفترض أن الولد ورث الجنون عن أبيه. هكذا تصبح الحرب عقلانية حتى إنْ لم يكن كيم يشبه تلك الصورة، فهو بالنسبة للجمهور قد يفعل شيئاً مجنوناً، أو انتحارياً، مثل بدء حرب نووية على الولايات المتحدة.

 

على النقيض من الفكرة الشائعة، أثبت والد كيم كيم جونغ ايل أنه على دراية جيدة وعقلانية بارزة، وقدرة على تقدير قادة العالم الذين تعاملوا معه فعلا، مثل وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، رئيس كوريا الجنوبية كيم داي – جونغ، ورئيس الوزراء اليابانى جونيتشيرو كويزومى. أما بالنسبة لكيم جونغ أون، فلم يلتق إلا بعدد محدود جداً من الزوار الأجانب. ولا يوجد دليل على أن قدراته العقلانية وإمكانياته السياسية معطلة، بل إن عدداً قليلاً جداً من الخبراء بالشأن الكوري الشمالي يشككون في استقراره العقلي. ويبدو أن هذا التقييم مقبول لدى المجتمعات الاستخبارية؛ وقد سبق أن ذكر مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو مؤخراً أنه يعتبر كيم فاعلاً عقلانياً «يستجيب للظروف المعاكسة». وبالتالي فإن التصورات العامة لهذا الخصم تتعارض مع تقييم الخبراء داخل الحكومة وخارجها.

 

مثل هذا لا يختلف كبار مستشاري الأمن القومي في إدارة ترامب في موقفهم من فرضية عقلانية كيم عن مدير وكالة المخابرات المركزية. بالنسبة لهم، يبدو أن المشكلة الحقيقية تكمن في الصورة القاسية لهذا القائد. يثير مستشار الأمن القومي إتش. آر. ماكماستر موضوع اغتيال الأخ غير الشقيق لكيم في ماليزيا كدليل على أن الولايات المتحدة تتعامل مع زعيم لا يمكن التنبؤ بوحشيته مما يجعله «خطيراً جداً جداً». في الآونة الأخيرة، ذهب ماكماستر أبعد من ذلك، قائلاً إنَّ «نظرية الردع الكلاسيكية» التي كانت تستعمل لمنع الحرب مع الاتحاد السوفيتي لا يمكن تطبيقها على «نظام يسجن ويقتل أي شخص يبدو أنه يعارضه، بما في ذلك أفراد أسرة [الزعيم]، حتى لو اضطره ذلك إلى استخدام غاز السارين العصبي في مطار عام». يظهر ماكماستر في التقارير الإخبارية على أنه المدافع الرئيسي ضمن إدارة ترامب عن فكرة إستعمال الخيارات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية.

 

تبدو الفكرة القائلة بأن وحشية كيم تضعه في فئة خاصة تجعل التهديد بتعرض الولايات المتحدة أمراً ممكناً، وبالتالي يصبح من الضروري دراسة فكرة القيام بحرب وقائية، فكرة مليئة بالعيوب. لقد تمكنت الولايات المتحدة، دائماً، من ردع قادة دكتاتوريين يمتلكون أسلحة نووية، بما في ذلك ستالين وماو. وفي الوقت نفسه أقامت تحالفات عسكرية وثيقة مع دكتاتوريين وحشيين آخرين، بما في ذلك حكام كوريا الجنوبية. من الصحيح القول إن وحشية كيم تمكنه من قبول معاناة غير عادية لشعبه من أجل ضمان أمن نظامه وبقاء جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية. والواقع أن قدرة البلد على استيعاب الألم سبب رئيسي في عدم فعالية العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي في سبيل وقف السعي للحصول على القدرات النووية. لكن وحشية كيم، التي تتضح من قبوله التضحية بأفراد أسرته ورفاهية شعبه بهدف تحقيق المصالح الأمنية لدولته، لا تجعل تصرفاته غير متوقعة. كما أنها لا تعني أن كيم لا يمكن احتواؤه بمبادرة دبلوماسية لتحسين العلاقات. الوحشية ليست هي نفس التهور العدمي، وهو ما يحتاجه كيم ليضرب الولايات المتحدة.

 

يبدو الجمهور الأميركي حريصاً جداً على الاستهانة بالقدرات العسكرية لكوريا الشمالية ومفرطاً في تقييم ميل كيم لاستخدامها. «إنَّ حرباً وقائية لن تكون “مأساوية بشكل لا يصدق” حسب، ولكنها ستكون أيضاً خياراً غبياً بشكل لا يصدق، إذ أنه ليس ضرورياً ويمكن تجنبه». هذا ما قاله وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس. يمكن للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، أن تعيشا، جنباً إلى جنب مع كوريا شمالية نووية وأن تردعاها عند الضرورة. كما يمكن لواشنطن أيضاً أن تشرك بيونغ يانغ، بشكل أكثر كثافة مما كانت عليه في السنوات الثماني الماضية، في التفاوض المباشر والمشاركة الاقتصادية، وبالتنسيق الوثيق مع سيول، وبهذا نخلق فرصة جيدة لإلغاء توجهات بيونغ يانغ الحالية، أو على الأقل، الحد من التهديدات اتي تشكلها القدرات العسكرية المتوفرة.

 

في الوقت نفسه، سيكون من المناسب لإدارة ترامب تحرير نفسها من أغلال سياسة «الصبر الاستراتيجي» وأن تضع خطة جديدة تتجاهل بكين بدلاً من انتظارها، خطة تقوم على معرفة ما هي الأشياء التي يمكن أن يقوم بها كيم مقابل رفع العقوبات، وليس ما يمكن أن يقوم به تحت ضغط الحظر. لقد أظهر كيم منذ لحظة تولّيه السلطة عدم اهتمامه بإقامة علاقات وثيقة مع الزعيم الصيني شي جين بينغ، الأمر الذي يحد من نفوذ بكين (ويزيد من فرص واشنطن). بالتأكيد يمكن للصين إلحاق الأذى والألم بكوريا الشمالية عن طريق الحد من التجارة والاستثمار، ولكنها لا تستطيع أن تعمل كضامن أو حتى وسيط لصفقة بينها وبين الولايات المتحدة. ينبغي أن تعتمد استراتيجية ترامب التعامل مباشرة مع بيونغ يانغ وبالتنسيق الوثيق مع سيول (وطوكيو).

 

وبغض النظر عن التوجهات السياسية للإدارة الأميركية، فإن الرأي العام الأميركي يحسن التعامل مع تصاعد الحديث حول الحرب. لقد خاضت الولايات المتحدة حروباً قبل هذه الحرب وندمت على ذلك كثيراً. كيم ليس مجنوناً، ووحشيته لا تتطلب حرباً وقائية. إن الحديث المتواصل عن الحرب لا يؤدي إلا إلى تعزيز الرواية السيئة التي تسوقها كوريا الشمالية بشأن العدوانية الأميركية. والأسوأ من ذلك؛ الاستخفاف القاسي بحياة المواطنين في كوريا الجنوبية واليابان الذي تنطوي عليه تعليقات بعض أركان الإدارة من أمثال السيناتور ليندسي غراهام حول الحاجة إلى شن الحرب الآن ومن هنا قبل أن يصل الخطر إلينا، في حين أن الناس الذين سيموتون موجودون «هناك». إن مثل هذه التعليقات يمكن أن يُلحق ضرراً دائماً بالتحالف بين الولايات المتحدة وبين كوريا الجنوبية، إضافة إلى التشكيك بصدقيّة أميركا مع حلفائها وشركائها في جميع أنحاء آسيا، الذين لا يكتفون بمتابعة السياسة ولكنهم يراقبون لغتها – أيضاً -.

 

لقد شعر رئيس كوريا الجنوبية «مون جاى ان» بضرورة أن يطمئن شعبه علناً إلى أن الولايات المتحدة لن تتخذ أي إجراء عسكري أحادي الجانب في شبه الجزيرة دون موافقته وأنه ببساطة لن يسمح بحدوث حرب كورية ثانية. اللغة والتصريحات مهمة؛ يحتاج الأميركيون إلى إيجاد طريقة للتعامل مع تعقيدات التهديد الكوري الشمالي بلغة تأخذ بعين الاعتبار أمن ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها في المنطقة، كما ينبغي أن تستند مناقشة هذه التهديدات إلى تقييم رصين للخطر الحقيقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* العنوان الأصليّ للمقال: «لنلغِ احتمال الحرب الوقائية في شمال كوريا.. خطورة كلام ترامب».

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *