اغتيال ناهض حتّر كاختصارٍ مُريب

اغتيال ناهض حتّر كاختصارٍ مُريب

// باسل رفايعة //

 

 

كأنَّ هَذِهِ البلاد لَمْ تُطعن في صميمِ قيمها، وكرامتها، وعدالتها في 25 أيلول 2016، وكأنَّ الحقَّ شأنٌ ثانويٌّ، يسهلُ دفنهُ تحتَ ترابِ الفحيص، لينتهي ناهض حتَّر إلى مجردِ كاتبٍ، اغتالهُ همجيٌّ، دفاعاً عن الله، وما إلى ذَلِكَ مِنْ تسطيحٍ وتبسيطٍ، لحياةِ مثقَّفٍ خلافيٍّ، وصلبٍ، حملَ مشروعاً، وكانَ له حلفاء وخصوم، ولا تزالُ أفكارهُ ومواقفهُ محلَّ جدلٍ، لا يُمْكِنُ تجاوزهُ في النقاشِ الداخليِّ، والإقليميِّ.

 

لَمْ يتعامل الأردن الرسميّ مع اغتيال ناهض حتّر، كما ينبغي، لجريمةٍ، منسوجةٍ بخيوطٍ مريبةٍ، وعلى قماشةٍ شديدةِ الاتّساخ، إِنْ في التحريض المؤسسيّ والشعبيّ على قتلهِ، أو في الإصرارِ على إعادةِ اغتيالهِ معنويّاً، برفضِ تأبينٍ لائقٍ لأردنيٍّ آمنَ بعدالةِ بلادهِ، والأسوأُ، والأكثرُ بشاعةً تقزيمُ موتهِ، وإضفاءِ بعدٍ دينيٍّ على نهايةِ كاتبٍ، لم يكنْ يشغلهُ من الدينِ والتديُّن أبعد من علاقتهِ الوجدانيةِ والثقافيةِ مع خلفيّتهِ الماركسية-القوميّة.

 

اختصرت الدولةُ الأردنيّةُ الجريمةَ في محضِ استفزازٍ دينيٍّ، وحينَ شكّلت لجنةَ تحقيقٍ ساهمت أكثرَ فأكثرَ في هذا الاختصارِ المُريع، ففضلاً عن الخديعةِ في ذلك، فهي لم تدرس الأسبابَ الحقيقية للاغتيالِ، ولم تأبهُ له من حيثُ هو فضيحةٌ وفشلٌ ذريع. الفضيحةُ في الاختراق الأمنيّ، الذي سهّلهُ غيابُ الحمايةِ في حدها الأدنى، والفشلُ في التعاطي مع نتائجهِ ثقافياً وسياسياً وتشريعياً.

 

الدولةُ العميقةُ والبليدةُ لم يصدمها اغتيالُ ناهض حتّر. فقد أعفتْ نفسها من التبعاتِ والواجباتِ، حينما لخّصت الجريمةَ، وتلقّت دعماً من الوحوشِ التي ربّتها في المجتمعِ، فكانَ أنْ أُعدمَ القاتلُ، وظلَّ كثيرٌ من القتلةِ طليقين.

 

الَّذِينَ نزفوا مع ناهض قلةٌ. الكثرةُ صفَّقتْ لدمهِ. الدولةُ كانت تسمعُ هتافَ الموتِ بأُذنٍ، وتضعُ في الأخرى طيناً لائقاً بالصمم. قُتِلَ ناهضُ، ولم يحظَ تاريخه ومحبوه بتأبينٍ في المركز الثقافي الملكيّ، وَلَمْ تحاسبُ الدولةُ سلطاتها الفاشلة، ولم نعرف شيئاً عن لجنةِ التحقيقِ، ولا يزالُ هناكَ مُسدسٌ، يحومُ حولَ قصرِ العدلِ، ودمٌ ينزفٌ على أدراجهِ، وكأنَّ شيئاً لَمْ يكنْ..

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *