استفتاء للاستقلال؟ أم لتكريس الدكتاتورية والفساد؟

استفتاء للاستقلال؟ أم لتكريس الدكتاتورية والفساد؟

// رزكار عقراوي* //

 

 

كتبتُ، مؤخَّراً، موضوعاً عن الاستفتاء «غير الملزم!» المزمع إجراؤه في إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر/أيلول القادم، وقد تلقَّيتُ الكثير من التعليقات القيّمة والعديد من الأسئلة التي دارت حوله، إضافة إلى الكثير من التعليقات الحادة والمتشنِّجة. انتهز الفرصة، هنا (في «الحوار المتمدِّن» و«هكذا»)، لأقدم جزيل الشكر والامتنان لكل من شارك في الحوار حول الموضوع، بمن فيهم من اِختَلفَ معي، وأودّ أن أناقش تلك التعليقات القيّمة بشكلٍ جماعيّ وأوضح وجهة نظري بشكل أوسع وأدق حول هذا الموضوع الحيويّ الذي لا يهم فقط ساكني إقليم كردستان وإنما عموم سكان العراق لأهميته وتأثيراته الواسعة على مختلف الأصعدة، ومن الطبيعي جداً أن تكون هناك اجتهادات ووجهات نظر مختلفة بهذا الشأن ومن المهم جداً الحوار حولها.

 

الاضطهاد القومي!

أحد مبررات الدعوة للاستفتاء هو إنهاء الاضطهاد القومي الموجود على الاكراد في العراق. نعم، كان الاضطهاد والتمييز القومي والديني موجوداً في العراق منذ عشرات السنين وتجسد في أشكال مختلفة كانت في معظمها عنيفة وقمعية. بعد سقوط النظام البعثي الدكتاتوري في 2003، مُنِحَ الكثير من الحقوق للقومية الكردية، بصفقاتٍ تمَّت بين القوى القومية الكردية وبين قوى الإسلام السياسي الرجعية الحاكمة في بغداد، وفق مفهوم الدولة الفيدرالية، وتم تقسيم الدولة ومفاصل الحكم على أساس نظام المحاصصة القومية والطائفية السيئ الصيت، وأصبح إقليم كردستان دولة قومية بحد ذاتها وإن كانت التسمية مازالت إقليماً. واعتقد أن واقع الاقليم تجاوز حتى حالة الكونفدرالية وليس الفيدرالية فقط. وأصبحت «دولة إقليم كردستان» دولة فوق «دولة المركز في بغداد» مع كل تحفظي على القوى الرجعية الحاكمة في بغداد. الحكومة الاتحادية على فسادها وقمعها لا تستطيع أن تتخذ قراراً ملزماً لإقليم كردستان، بل حتى في المناطق «المتنازع عليها» التي هي تحت سيطرته. وحالياً ليس هناك اضطهاداً قومياً ضد الكرد، بل إن ما يجري هو اضطهاد القوميات والأقليات القومية والدينية الأخرى في الإقليم وبشكل واضح وتمت إدانته مرات عدة من قبل منظمات حقوق الانسان الدولية. إذاً، فإن مبرر الدعوة للاستفتاء من أجل انهاء الظلم القومي على «الكرد» ليس له أي أساس الآن ولن يغير من الواقع الموجود في الإقليم من ناحية الحقوق القومية.

 

كردستان قبل وبعد الاستفتاء!

منذ 1991 يتم حكم إقليم كردستان من الحزبين الحاكمين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) وبمشاركة أحزاب ذيلية أخرى لإضفاء الطابع الديمقراطي للحكم. وفي الآونة الأخيرة، بسبب الصراعات الداخلية وعوامل أخرى، ضعف دور «الاتحاد الوطني الكردستاني» بشكلٍ كبير، وأصبح «الحزب الديمقراطي الكردستاني» هو الحاكم الفعلي في الكثير من مناطق إقليم كردستان، وخصوصاً في محافظتي أربيل ودهوك، كما أن هناك مؤسسات دولة قومية كاملة.. اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وإدارياً ودولياً موجودة في كردستان العراق. الشيء الوحيد الغائب هو عدم وجود عملة رسمية وبعض الأمور الشكلية الأخرى. إذاً، دولة «كردستان القومية» موجودة فعلياً في الإقليم وهي أمر واقع، وإجراء الاستفتاء بشكله المطروح الآن أو عدمه لن يغير الكثير من طابع الدولة الموجودة في الإقليم، بل بالعكس من الممكن أن يؤثر سلباً بشكل كبير على الاستقرار الأمني النسبي الموجود في الإقليم مقارنة بوسط وجنوب العراق، وسيؤدي إلى إدخال الإقليم وعموم العراق في المزيد من الاحتقان والصراعات. وكذلك فإنَّ الرفض الدولي والإقليمي للاستفتاء الحالي سيدخل الجماهير في أزمات اقتصادية أكبر في الإقليم. وإذا كان «الرئيس» مسعود البرزاني مستعداً لتجويع شعبه من أجل تنفيذ قراره فقط! فأكيد أنَّه هو وعائلته ورموز حزبه لن يجوعوا وسوف لن تقلص رواتبهم أو يُقتطع منها، كما أنَّهم لن يعيدوا عشرات المليارات التي نهبوها هم وعوائلهم وأحزابهم إلى الدولة لمواجهة الأزمات الحالية والقادمة. الجماهير الكادحة ستدفع ضريبة كبيرة، إضافة إلى وضعها المرزي الحالي، نتيجة أي رد سلبي من المركز أو الدول الإقليمية.

 

لدي بعض الأسئلة إلى مؤيدي الاستفتاء الحالي: ماذا سيتغير في إقليم كردستان بعد الاستفتاء؟ هل سيغير من الواقع الطبقي للدولة الموجودة حالياً؟ هل ستتخلى الطغمة الحاكمة في الإقليم عن فسادها ونهبها المفرط للمال العام ولإيرادات النفط؟ هل ستتعزَّز الديمقراطية والتداولية واحترام حقوق الإنسان في الإقليم؟ هل ستحظى الأقليات والمرأة بحقوقهم المشروعة والعادلة؟ هل سيتحسن الوضع الاقتصادي والسياسي؟ برأيي أن الجواب هو «كلا»؛ فالوضع، على العكس مِنْ ذلك، سيصبح أكثر سوءاً، ومن الممكن أن تتحول «الدولة القومية» الموجودة حالياً في الإقليم إلى «مملكة عائلية وراثية» مستبدة وبنظام حكم الحزب الواحد. وأكيد ستكون هناك مقاومة كبيرة لذلك، ومن الممكن أن تندلع حرب أهلية دموية جديدة في الإقليم، تماماً كما حصل في تسعينات القرن المنصرم، وكذلك صراعات مع المركز.

 

لماذا قرار الاستفتاء الان؟

الطغمة الحاكمة في إقليم كردستان العراق في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة جداً، والاستياء الجماهيري من الوضع المرزي وصل إلى حدودٍ خطرة تهدد بانفجارٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ قد يغير بنية الحكم بأكملها، وهي بحاجة الى إعادة تنظيم سلطتها لمرحلة ما بعد «داعش» محلياً وإقليمياً، حيث لا يمكنهم الاستمرار الآن بنفس الأساليب السابقة في تبرير نظام حكمهم المستند على الفساد الفاحش والدكتاتورية، لذلك يحاولون قدر الإمكان إلهاء الجماهير الكادحة عن مشاكلها اليومية أو المطالبة بحقوقها (الخدمات، الرواتب، العدالة، الكهرباء والماء، العمل، الغلاء….. الخ)، وجرها الى صراعات قومية تحت مسميات مختلفة. والاستفتاء المطروح حالياً هو محاولة للهروب من أمام المشكلات المتفاقمة التي لن يجد الحكام الحاليون حلولاً لها، وقد نجحوا إلى حدٍّ كبير، إضافة إلى أن «الحزب الديمقراطي الكردستاني» يحاول بكل السبل غير المشروعة تعزيز سلطته الكاملة في الإقليم وفرض دكتاتورية الرئيس (المنتهية ولايته منذ سنوات) مسعود برزاني وعائلته. ويتجلى ذلك في إصدار قراراتٍ بائسة، ومنها غلق البرلمان رغم دوره المحدود جداً والشكلي أحياناً! وطرد الوزراء… وتقليص الرواتب… الخ، حتى إن «الحزب الديمقراطي» ورئيسه وحلفاءهم ضربوا عرض الحائط بكل المفاهيم الشكلية للحياة البرلمانية من خلال تجاوزهم على البرلمان «المنتخب» والمعطل وإصدار قرار بالدعوة إلى الاستفتاء. وهو الإجراء ذاته الذي مارسه الكثير من الحكام الدكتاتورين القوميين في العالم العربي، مع اختلاف واحد، هو أن هؤلاء كانوا في مواضيع حساسة يلجؤون إلى استخدام البرلمانات الكارتونية، التي كانت لها مسميات مختلفة مثل مجلس الشعب أو المجلس الوطني……الخ، لكي تصدر عنها القرارات التي يريدونها بشأن تلك المواضيع وتطلب من الرئيس المعظم تنفيذها! أمّا في حالة استفتاء الإقليم القادم، فلم يقم الحكام حتى بإعادة فتح «دكان البرلمان»! من أجل إصدار قرار الدعوة للاستفتاء.

 

ديمقراطية الاستفتاء وتخوين المعارضين!

الاستفتاء عملية ديمقراطية، وفي العادة يكون هناك من يدعو إلى مقاطعته أو المشاركة بـ«نعم» أو «لا» أو بخيارات أخرى حسب طبيعة موضوع الاستفتاء، ولا بد للسلطات الحاكمة مِنْ توفير وتهيئة الأجواء السلمية المناسبة لكل الأطراف للعمل وترويج آرائها حول الاستفتاء. أما في الاستفتاء المزمع إجراءه حول استقلال كردستان، فقد فُرضت أجواء هستيرية قمعية من الحزبين الحاكمين اللذين لهما تاريخ وسجلّ أسود في قمع حرية التعبير والرأي والاغتيالات السياسية، ولاسيما في مناطق سيطرة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» ضد أي رأي يطالب بتأجيل أو مقاطعة الاستفتاء أو التصويت بـ«لا». وصدر الكثير من التصريحات من رموز الحزبين الحاكمين بضرورة محاسبة كل من يختلف معهما في قضية الاستفتاء واعتباره خائناً للشعب واتهامه بالعمالة والارتزاق ويجب محاسبتهم وسجنهم ومعاملتهم كجواسيس وطردهم من الإقليم. وقد حصلت العشرات من حالات المضايقة والاعتداء بحق المعارضين، ويتم الآن بشكل كبير التضييق على المؤسسات الإعلامية المستقلة التي تسمح بالآراء المناهضة للاستفتاء أو تدعو للتصويت بـ«لا». وأكيد أنَّهم بهذه الأجواء الاستبدادية سيخلقون خوفاً كبيراً لدي سكان الإقليم من الانتقام في حالة عدم المشاركة أو التصويت بـ«لا»، وهو تعارض صارخ مع أبسط مفاهيم الاستفتاء والقيم الديمقراطية التي يتشدق بها حكام الإقليم. وتذكرني هذه الأجواء القمعية بانتخابات وتجديد البيعة! للحكام الدكتاتورين في العالم العربي والشرق الأوسط، أي لك «الحرية والحق الديمقراطي!» في «الاستفتاء»، ولكن يجب أن تشترك وأن تقول «نعم» فقط.. لا غير، وإلا فأنت خائن وعميل وفي معسكر أعداء الشعب!

 

أنا مع الاستفتاء من أجل تقرير مصير إقليم كردستان. ولكن، كيف ومتى؟

 

لأن الاستفتاء المطروح الآن يفتقر إلى أبسط مقومات الاستفتاءات الديمقراطية الشرعية حتى بمعايير العالم الثالث، مثلاً استفتاءات جنوب السودان وتيمور الشرقية، إضافة إلى أنه غير ملزم وليس له أي تأييد دولي أو إقليمي ولن يختلف بشيء عن الاستفتاء السابق الذي جرى في 2005، فإنَّني أدعو إلى الغائه، وتأجيله الان، والتحضير لإجراء استفتاء حقيقي ملزم لكل الاطراف لتقرير مصير إقليم كردستان وفك الارتباط مع العراق ويكون تحت إشراف دولي. وهذا يتطلب:

 

  • اجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية في الإقليم؛

 

  • انتخاب رئيس جديد للإقليم، مع تحديد كبير لصلاحياته وعدم السماح له بأكثر من دورتين، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة والبرلمان؛

 

  • انهاء سيطرة الحزبين الحاكمين على القوى العسكرية والأمنية ووضعها تحت سلطة الحكومة والبرلمان في الإقليم، حيث هي الآن ميليشيات حزبية وأجهزة قمعية تخضع لمصالح قيادة الأحزاب الحاكمة وللدفاع عن حكمها؛

 

  • بدء المفاوضات والحوار مع المركز «الحكومة الاتحادية» تحت اشراف وضغط دولي من أجل حل المشكلات العالقة، ولا بد من مناهضة الفكر القومي الشوفيني المتعصب ذي النزعة الاقصائية ضد القوميات والأقليات الأخرى والنضال ضده، فهو لا يزال يسيطر على الحكومة الاتحادية ومعظم النخب السياسية في وسط وجنوب العراق؛

 

  • يتم تحديد فترة زمنية للاستفتاء وتهيئة المناخ الملائم محلياً واقليمياً ودولياً، ولا بد أن يصدر قرار الدعوة للاستفتاء من البرلمان في الإقليم، كما يجب اشراك كافة القوميات والأقليات الدينية الأخرى في قرار الاستفتاء؛

 

  • توفير أجواء ديمقراطية مناسبة للترويج والدعاية للآراء المختلفة لساكني الإقليم حول البقاء مع العراق أو الانفصال عنه؛

 

  • اجراء الاستفتاء تحت اشراف دولي، وبشكل خاص الأمم المتحدة، وتكون نتائجه ملزمة لكل الأطراف؛

 

  • بعدها، يتم اجراء استفتاءات أخرى محلية في المناطق «المتنازع» عليها، حسب وضعها، وتحت اشراف دولي؛ لكي يقرر سكانها إما أن يكونوا جزءاً من الإقليم أو المركز أو حتى أن يشكلوا اقليماً خاصاً بهم. ومِنْ هذه المناطق، مدينة كركوك ذات التنوع القومي والديني الكبير؛

 

  • العراق، بسبب تنوعه القومي والديني، يجب ـن يُعلن كدولة مِنْ دون قومية أو دين رسمي؟ ويشمل ذلك إقليم كردستان أيضاً.

 

الدولة القومية أم دولة المواطنة؟

أعتقد أن التطور الفكري والمعرفي والحقوقي للبشرية وسيادة ثقافة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية التي تستند إلى الحقوق المتساوية والمواطنة وليس إلى الولاءات الاثنية والدينية، تتعارض الآن بشكل كبير مع مفاهيم الدولة القومية وما سمي بـ«التحرر الوطني والقومي» التي كانت جزءاً من مفاهيم القرن المنصرم. ومن معظم تجارب الدولة القومية في المنطقة، نرى أنها تحولت في الأخير إلى دكتاتوريات وراثية مستبدة تدير دولاً فاشلة عن طريق القمع والفساد، وتفتقد إلى أبسط مقومات الحكم الديمقراطي الرشيد، وأنظمة دكتاتورية كالنظام البعثي السابق في العراق ونظام القذافي الليبي، هما على سبيل المثال لا الحصر، كانا خير مثال للدول القومية! اعتقد أن العمل من أجل دولة المواطنة الدستورية والخدمات والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات لا بد أن يكون أساس ومحور نضالنا الآن، وليس حشد الجماهير الكادحة وإدخالها في حروب وصراعات وأزمات عميقة وتأجيج التعصب القومي من أجل بناء دول على أساس قومي لن تكون في الأخير غير ممثل لمصالح البرجوازيات القومية ولخدمة أهدافها، ولن يكون هناك غير المزيد من الفقر والحرمان والحروب والاستبداد للجماهير الكادحة، والتغيير سيكون في قومية الحاكم فقط وليس في أي أمر آخر!

 

الاستفتاء المطروح ليس له أي علاقة بمشاكل الجماهير الكادحة ومعاناتها ومطالبها، وهو فقط أسلوب جديد لإدامة حكمٍ فاسدٍ ومستبدٍ في إقليم كردستان عبر استخدام الأحاسيس القومية وتعزيزها. ولن يؤدي ذلك إلى أي تغيير إيجابي في حياتهم بل سيكون له الدور الكبير في تكريس الدكتاتورية في إقليم كردستان العراق، إذ أن المستبدين والفاسدين لا يبنون دولاً عصرية تضمن المواطنة وحقوق الإنسان بصورة مناسبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ماركسيّ مستقلّ مِنْ كردستان العراق. يقيم حاليّاً في الدنمارك، ويتولَّى هناك مسؤوليّة «المنسِّق العامّ لمؤسَّسة الحوار المتمدّن»، و«منسِّق مركز دراسات وأبحاث الماركسيّة واليسار».

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *