اختلالات الاقتصاد الأردنيّ.. إلى أين؟

اختلالات الاقتصاد الأردنيّ.. إلى أين؟

// فهمي الكتوت //

 

 

تعيش الأردن أزمات سياسة واقتصادية واجتماعية مركّبة، كثمرة لنهج التبعية السياسية والاقتصادية، بعد إغراقها بالمديونية، فقد تراجع النمو الاقتصادي إلى 2% كما تراجعت الصادرات الوطنية بنسبة 9% خلال العام الماضي 2016. واستنزفت السياسات التقشفية طاقات الشعب الأردني وأسهمت بتوسيع دائرة الفقر التي شملت نحو ثلث السكان، ومع انهيار القيمة الشرائية للأجور تعمقت الفجوة الطبقية بين الشـرائح الاجتماعية، وتآكلت الطبقة الوسطى وارتفعت معدلات البطالة الى أكثر من 18% وفق الأرقام الرسمية، وهي مؤشرات تعكس تفاقم الأزمة الاقتصادية.

 

كما شكلت الاختلالات الهيكلية إحدى السمات العامة للاقتصاد الأردني، التي أرساها الاستعمار بشكليه القديم والجديد وفق مصالحه، وفرض أنماطاً اقتصادية مشوهة حرمت البلاد من استغلال مواردها الطبيعية وإقامة اقتصاد إنتاجي. وقد عمقت السـياسات الرسمية الاختلالات وفاقمت الأزمة، باعتماد نفقات الخزينة على المساعدات والقروض الأجنبية، لضمان استمرار حالة التبعية السـياسـية والاقتصادية الأجنبية. وهذا في حين أنَّ الاقتصاد الأردني ليس محدود الموارد، كما يزعم البعض؛ فالأردن بلد غني بثرواته الطبيعية نتيجة التنوع المتميز في جيولوجيته.

 

ومن مظاهر تشوه الاقتصاد الأردني الجمع بين أسوأ ما في النماذج الاقتصادية من «الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المنفلت والجباية الضريبية»، كما أنَّ ثلث نفقات الدولة يأتي من الخارج «مساعدات وقروض»، وتعتمد البلاد على تحويلات المغتربين في تمويل جزء مهم من المستوردات، وتخفيض نسبة العجز في الحساب الجاري، لذلك تسعى السلطة لتأمين أسواق للعمالة الأردنية في الخارج، بدلاً من استثمار موارد البلاد، وتوطين التكنولوجيا، واستثمار الكفاءات الأردنية في مشاريع محلية تنقل اقتصاد البلاد من نمطه الريعيّ إلى نمطٍ إنتاجيّ. وإضافة إلى ذلك يتحمَّل المواطن أعباء ضـريبية مرتفعة جداً في دولة غير منتجة. وهذا مع أنَّه معروف عن الدولة الريعية بأنَّها تعتمد على منح رعاياها «مكارم» «وأعطيات» بدلاً من الحقوق والمكتسبات. وفي هذه الحالة، فإنَّ الريع يقتل روح المبادرة ويلغي التنافس المشـروع ويحدّ مِنْ دور الكفاءات.

 

وقد جاء إخضاع الأردن لشروط منظمة التجارة العالمية ضمن سياسات التبعية التي أدت الى تحرير الأسواق الداخلية والخارجية وحركة رأس المال، وتخلي الدولة عن أي دور اقتصادي وإزالة الحواجز أمام انسياب السلع الأجنبية في الأسواق المحلية من مختلف أرجاء المعمورة، وحرمان الإنتاج الوطني من الزراعة والصناعة من أية حماية، الأمر الذي أدى إلى تعميق التشوهات الهيكلية للاقتصاد، وتفاقم عجز الميزان التجاري. فطغى النمط الاستهلاكي على الحياة العامة في البلاد، واستنزفت أموال الدولة بمشاريع الأنماط الاستهلاكية غير إنتاجية، كما استفحلت مظاهر الفساد المالي والإداري لغياب الديمقراطية والشفافية، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، وخضعت البلاد لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين.

 

ومع تخلي الدولة عن مؤسساتها لصالح الاحتكارات الرأسمالية، برزت طبقة جديدة استحوذت على ثروات ضخمة عبر الصفقات المشبوهة والرشوات والعمولات، واستفحلت مظاهر الفساد المالي والإداري، والثراء الفاحش، مع انفلات الانفاق الحكومي والاعتداء على المال العام، وما رافق ذلك من تجاوزات واسعة قانونية ودستورية تسببت بأضـرار مالية كبيرة، فاقمها غياب الرقابة الحقيقية على السلطة التنفيذية، الأمر الذي كرس ظاهرة الفساد السـياسـي والإداري والمالي على المستويات الأفقية والعمودية، وانهيار منظومة القيم الأخلاقية، خاصة مع انتشار تجارة المخدرات والجريمة والعنف الاجتماعي، وتعمقت الاحتقانات العصبية والقبلية وازدادت حالات الانتحار، كما شكلت الظروف الاقتصادية والاجتماعية مناخاً خصباً لنمو الأفكار التكفيرية المتطرفة.

 

وبالنتيجة، شهدت البلاد انفلاتاً غير مسبوقٍ في الإنفاق العام خلال العقد الأخير، لسوء إدارة الموارد واستفحال الفساد المالي والإداري، الأمر الذي أدى إلى تصاعد عجز الموازنة واغراق البلاد بالمديونية التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلاً على الاقتصاد الوطني. وتشير المعلومات الرسمية إلى أن نسبة الدين العام تقدر بنحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة قانون الدين العام الذي حدد سقفها ب 60%.  علماً بأن المديونية الحقيقية تصل إلى نحو 100% من الناتج المحلي بعد إضافة مليار دينار أنفق خارج الموازنة وورد تحت باب التزامات سابقة ليصبح مجموع الدين العام نحو 27.472 مليار دينار.  وبالتالي، أصبحت خدمات المديونية تقتطع أكثر من مليار دينار سنوياً من جيوب الفقراء، بينما أقساط الديون المستحقة تجري إعادة جدولتها، ناهيك عن الأثمان السياسية الباهظة التي تدفعها الدولة والتي تمس السيادة الوطنية وتعرض البلاد لأفدح الأخطار، بانصياعها للضغوط السياسية والاقتصادية وتمرير سياسات تخدم مصالح العدو الصهيوني والاحتكارات الرأسمالية.

 

ومن التحديات الجديدة التي تواجه البلاد؛ ارتفاع تكلفة الاقتراض في المرحلة القادمة بزيادة القروض المكفولة اميركيا «سندات يورو بوند بفائدة 5.75 %» ما يعني أن تكلفة خدمة الدين ستكون أعلى بكثير مما هي الآن. في حين أن القروض القديمة التي استحقت اعتباراً من العام 2016 كانت نسبة الفائدة عليها 2%، ويجري استبدالها بقروض جديدة مرتفعة التكاليف. إضافة الى الاقتراض السنوي بمعدل 2 مليار دينار لتغطية العجز السنوي.

 

أمّا ما يسمى بخطة التحفيز الاقتصادي الجديدة للأعوام 2022- 2018 التي اشتملت على مشاريع حكومية وخاصة، بتكلفة إجمالية تقدر بأكثر من 17 مليار دينار.. منها 6.9 مليار دينار لمشاريع الحكومة، 9.5 مليار لتمويل مشاريع للقطاع الخاص – فهي لا تستحق التوقف عندها، فإذا كانت السياسات الرسمية غير قادرة على وقف حالة التدهور الاقتصادي الاجتماعي، كيف ستستطيع، إذاً، النهوض بالاقتصاد الوطني في ظل النهج الحالي الذي يتحمل مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية. وهكذا، فإنَّ السؤال الضروريّ، هنا، هو أيّ خطّة تحفيز، هذه، التي تتحدث عنها الحكومة؟

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *