أيلول ناهض حتَّر والبلاد التي تنسى مواعيد عشّاقها

أيلول ناهض حتَّر والبلاد التي تنسى مواعيد عشّاقها

// باسل رفايعه //

لئلا ننسى، وهذهِ بلادٌ تنسى مواعيدَ عشّاقها، وحينَ يدمعونَ، تمدُّ لهم وَرَقَ زجاجٍ، ليمسحوا عيونهم بالدمِ، وتتركهم على صليبٍ، يشهقونَ باسمها، ويصعدونَ إلى كرازةٍ، تُشبهُ مُناولةَ خبزٍ. ولا تُشبهُ نبيذاً، كأنَّهُ جَسَد.

 

لئلا ننسى. في مثلِ هذه الأيام، كانَ لنا مسيحٌ، خانتهُ بلادهُ، وباتَ طريداً، و«فارّاً مِنْ وجهِ العدالةِ». إنَّهُ ناهض حتّر. هَلْ تذكرينَ يا بلقاءُ وعمّانُ وإربدُ.. الثالثَ عَشَرَ من آب 2016.

 

«قمرٌ على البلقاء». ودمٌ أردنيٌّ موعودٌ في عمّان، ذاتَ أيلول. لم يعرف الفتى الخمسينيُّ أنَّ غربالاً يهزُّ القمحَ في الريفِ الأردنيّ سينساهُ. هبطَ ناهضُ قمحاً من ثقوبِ الغربالِ إلى صَليبةِ فلاّحٍ في الفحيصِ وشطنا وبئرخداد، والأخيرةُ قريتي، والصليبةُ من إشارةِ الصليبِ على كومةِ القمحِ، لتحلَّ البركةُ على رزقِ الصغار.

 

كانَ أبي يرسمُ الصليبَ أوانَ البيدرِ، ويكيلُ صاعاً، صاعينِ، ليملأَ شِوالاً من القمحِ بخطٍّ أحمر، وذلكَ من التراثِ المسيحيّ في الريفِ الأردنيّ، ومن جوعنا، وناهضُ ماتَ جائعاً كفلاّحٍ، خذلتهُ البيادرُ، ونهبَ الجرادُ حقلهُ، في مثلِ هَذِهِ الأيامِ، قبل عام.

 

قَبْلَ أنْ ينتصفَ آبُ الماضي، كانَ ناهضُ حتّر شريداً في بلادهِ، لأجلِ إلهٍ من السبيِ والرجمِ والموتِ والاغتصاب. لا يُشبِهُ أيَّ إلهٍ. وهذهِ أرضُ الأنبياءِ، وتلك خديعتها ومذراتُها. هَذِهِ أكذوبتها الأولى، وفِي الحقيقةِ، تطبخُ الفقيرةُ حجارةً لأطفالها، وتبكي سوراقيا على جثثٍ كأنها فحمٌ، ويسجدُ دحنونٌ من وادي السلطِ على دَرجِ قصر العدلِ في العبدلي.

 

آبُ كانَ «أقسى الشهور». ناهضُ كانَ يحفظُ قصيدةَ ت. س. إليوت. كانَ يُفضِّلُ عليها قصائدَ مصطفى وهبي التل(عرار)، عن وادي الغَفَر، وعن وادي السيرِ. وكانَ مع كلِّ نيسان في كركٍ ومعان، ويعرفُ العشّاقَ بأسمائهم الحسنى: صايل الشهوان، وصفي التل، فائق حدادين، حمدان الهواري، إحسان قاقيش. كانَ يعرفُ وجوهنا، ويفهمُ معنى العبوسِ، وسرَّ الغضب.

 

ذَلِكَ، كانَ آب 2016. أيَّتها البلادُ التي تنسى مناديلَ العشّاقِ، وهم يُلوِّحونَ لها في الوداعِ الأخير…

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *