أوَّاه!

أوَّاه!

سعود قبيلات
بهذه الأوَّاه التي عنونتُ بها مقالي تُستَهلُّ قصيدة بدويَّة شهيرة، وقد تعوَّدتُ أنْ أردِّد البيت الأوَّل منها كلَّما وجدتني راغباً، لسببٍ من الأسباب، في قول: أوَّاه!
خطرتْ هذه القصيدة في بالي مؤخَّراً، فرغبتُ في الكتابة عنها، ولكنَّني لم أتمكَّن مِنْ تذكّر معظم أبياتها، ولذلك، هاتفتُ صديقي القديم عقاب زعل، فتفضَّل مشكوراً بتذكيري بما نسيته منها.
يجدر بي القول، هنا، إنَّني كنتُ دائماً أشعر بأنَّ هذه القصيدة (وعلاقتي بها) تنطوي على أكثر مِنْ مفارقة؛ أولاها تتمحور حول هذه الصرخة المتحسِّرة التي يطلقها الشاعر؛ إذ يصعب عند سماعها أنْ يخطر في بال السامع أنَّ موضوعها الذي لا يلبث الشاعر أنْ يعلن عنه، بعد هذه الأوَّاه مباشرة، هو «التتن» (الدخان)! ولكن بعدئذٍ، أي بعدما ينكشف الأمر عن هذه المفاجأة الغريبة، تنزاح مِنْ نفس السامع بذور التوتّر العاطفيّ التي أوشكتْ أنْ تتسرَّب إليها بسبب تلك الأوَّاه التي تعبِّر عن نفسٍ جريحة. وقد يبدو الأمر له، حينئذٍ، طريفاً، إلى حدٍّ ما، فتعلو وجهه ابتسامة عابرة خفيفة.
أوَّاه على التتن والتنباك أوَّاه    وأنا بعد التتن وين آوي بروحي
وهنا نأتي إلى مفارقة أخرى تتعلَّق بكاتب هذا المقال؛ وهي أنَّه كثيراً ما يردِّد هذا البيت من القصيدة، رغم أنَّه منذ سنوات طويلة على عداوة شديدة مع الدخّان وسبق له أنْ كتب أكثر مِنْ مقال كمساهمة منه في الحرب على هذه الآفة المدمِّرة التي تفتك بالناس في مختلف أنحاء العالم، وخصوصاً في بلادنا حيث تنتشر عادة التدخين على نطاق واسع جدّاً ولافتْ إلى حدّ أنَّها هي أوَّل ما يلاحظه أيّ زائر لبلادنا. 
على أيَّة حال، كنتُ دائماً أجد تحسّر ذلك الشاعر البدويّ على الدخان أمراً طريفاً وكاريكاتيريّاً إلى حدّ ما؛ خصوصاً عندما يصعِّد موقفه بهذا الشأن إلى حدّ التأكيد بأنَّه مِنْ دون الدخَّان لا يعرف أين يلوذ بروحه! بيد أنَّ ما كان يلفت نظري دائماً بصورة أكبر في هذه القصيدة هو أنَّ الشاعر قد جعل التغنِّي بالدخان استهلالاً لها ومدخلاً للتعبير عن أفكاره وقيمه. 
وهنا لا بدَّ أنْ تُستدعى إلى الذهن صورة القصيدة العربيَّة الطلليَّة التي كان الشاعر العربيّ القديم يستهلّها بمشهد الوقوف على الأطلال ووصف ملامحها وما تبقَّى منها. الأمر الذي ثار عليه فيما بعد الشاعر العباسيّ الشهير أبو نواس وسخر منه قائلاً:
قل لمن يبكي على رسمٍ درس    واقفاً ما ضرَّ لو كان جلس
وقد فضَّل أبو نواس أنْ يستهلّ قصيدته بالتغنِّي بالخمر ووصف جمالها. ولكن هذه هي المرَّة الأولى، بتقديري، التي يستهل فيها شاعر قصيدته بالتحسّر على الدخان والتغنِّي به!
عبِّي السبيل من أصفر اللون واملاه    واكويه بالجمرة يكوي جروحي
هنا يتَّضح أنَّ الدخان ليس هو الموضوع الحقيقيّ لتأوّه الشاعر، وأنَّ كلَّ ما أراده في الحقيقة هو أنْ ينفِّس ما في صدره مِنْ حزنٍ وهَمٍّ وألمٍ بطريقة مواربة.. كي لا يذلّ نفسه بالشكوى الصريحة أمام الناس. وعدا عن ذلك، فهو يتوهَّم أنَّه يمكن أنْ يداوي نيران همومه بنار غليونه.
 
وهكذا، فهو، بدافع مِنْ أنفته وكبريائه، يكتفي بهذا القدر من التلميح إلى همومه، كما أنَّه أيضاً يكتفي بهذا القدر من التغنِّي بالدخان والتحسّر عليه، لينتقل بعد ذلك إلى التغنِّي بالقهوة، ولكن بمستوى آخر من الخطاب، يبدأ على النحو التالي:
على دلّة صفرا على النار مركاه    وأحمِّص الطبخة على كيف روحي
لن صبَّها الصبَّاب دمّ الخلنداه    خضاب الهنوف اللي عند أهلها طموحِ
وهنا يتَّضح لنا أنَّ الدخان ليس هو بالتحديد ما أراد الشاعر أنْ يستهل قصيدته به، بل «الكيف» بوجهٍ عامّ. بيد أنَّ للكيف مفاهيم مختلفة، وتبعاً لذلك تختلف مواقف الناس منه وتتعدَّد؛ حيث قال شاعر بدويّ آخر:
الكيف يا مدوِّر الكيف ما هو دخانٍ يجيب العلال
أمَّا صاحب هذه القصيدة التي نحن بصددها فهو منحاز للكيف المستمدّ من الدخان والقهوة، وهو يحدِّد مواصفات موضوعيْ كيفه، هذين، بدقَّة؛ فالدخان «أصفر اللون»، وأداة تناوله، هنا، هي الغليون تحديداً، ويجب أنْ تكون الكميَّة الموضوعة منه في الغليون كبيرة جدّاً «عبِّي السبيل من أصفر اللون واملاه». وهذه إشارة واضحة إلى أنَّ آلامه كبيرة؛ بحيث أنَّه يحتاج لأنْ يكوي «التتن» طويلاً في غليونه؛ لكي يتمكَّن مِنْ كيِّ جروحه!
وبالنسبة للقهوة، فهو يحدِّد أيضاً مواصفاتها، وطريقة صنعها، ووعاءها، ولونها بعد أنْ تنضج؛ ثمَّ إنَّه يريد أنْ يحمِّصها بنفسه، وأنْ يطبخها بالطريقة التي تلائم مزاجه وذوقه. أمَّا الدلَّة التي تُطبخ بها هذه القهوة فهي صفراء، ويجب أنْ توضع على النار بشكلٍ جانبيّ وليس في الوسط؛ بحيث يتمّ طبخ محتواها بهدوء ورويَّة؛ لكي ينتج مِنْ ذلك قهوة مِنْ نوع خاصّ.. لونها يشبه لون دم الخلد، بل يشبه لون الوجنات التي لوَّحتها الشمس لصبيَّة حسناء ممشوقة خاب أملها في  زوجها فتركته وذهبتْ إلى بيت أهلها.
وحيث أنَّ قهوته خاصَّة ومميَّزة، فإنَّه يحصر «شرف» تقديمها بنوعٍ خاصّ من الرجال؛ هم أولئك الذين يعتقد أنَّهم يستحقّونها. ويحدِّد أصنافهم على النحو التالي:
صُبَّه ومِدَّه للي تدفق السمن يمناه    دُبّ الليالي مارَدَه ما يضوحِ
إذاً، فالشخص الأوَّل الذي يستحقّ أنْ تُقدَّم له هذه القهوة قبل سواه هو الكريم الذي مورد كرمه لا ينضب. والكرم، كما هو معروف، قيمة عليا أساسيَّة في المجتمع البدويّ.
وثنِّي على اللي تكره الخيل طرياه    يثني رسنها عند راعي اللدوحِ
الشخص الثاني الذي يستحقّ هذا الشرف هو، إذاً، الفارس الشجاع الذي لا تحبّ الخيل ذكر اسمه لأنَّ تجربتها معه تنطوي على الإرهاق والألم والمخاطرة. إنَّه ما إنْ يسمع صرخة المستغيث حتِّى يلوي رسن فرسه ويعود بها لنجدته.
وثلِّث على اللي تكره النفس طرياه    يوضي لو كثرت عليه النبوحِ
الشخص الثالث هو ذاك الذي تكره نفس أعدائه ذكر اسمه لأنَّه يصل إلى مبتغاه منهم مهما كانت درجة يقظتهم وحذرهم واستعداداتهم لمواجهته.
أمَّا باقي الرجال، فهم برأيه خارج هذه الحسبة تماماً:
وباقي الرجال فحول نسوان وِرْعاه    حرَّاس مال يتلون السروحِ
ولكن ما يستحقّ التوقّف عنده هنا هو أنَّ الشاعر يفرِّق بوضوح بين مفهومي الرجولة والذكورة. وهو إذ يمتدح الرجولة ضمناً وينظر إليها باعتبارها قيمة عليا سامية، لا ينظر إلى مفهوم الذكورة النظرة نفسها ولا يرى أنَّ الذكورة وحدها تكفي لكي تؤهِّل صاحبها لأنّ يكون ذا شأنٍ واعتبار. بل هي بالنسبة له في مثل هذه الحالة محطّ ازدراء واحتقار. إنَّ الذكر في مثل هذه الحالة إنَّما هو مجرَّد أداة إشباعٍ بيولوجيّ للأنثى (فحول نسوان). وهذا مخالف تماماً للمفاهيم الذكوريَّة المهيمنة على المجتمعات العربيَّة الآن، وهي المفاهيم التي يحاول أصحابها أنْ يديموا هيمنتها ويعزِّزوها بالاستناد إلى شرعيَّة تراثيَّة مدَّعاة.
ونلاحظ، في هذه القصيدة أيضاً، النظرة المتفهِّمة، إذا لم نقل الإيجابيَّة، التي ينظرها الشاعر إلى المرأة «الطامح». يتَّضح ذلك مِنْ وصفه لها بأنَّها صبيَّة حسناء ممشوقة القوام ولون خدّيها اللذين لوَّحتهما الشمس يشبه لون قهوته المفضَّلة. وهذا موقف اجتماعيّ بدويّ معروف؛ حيث لم يكن يقلِّل مِنْ شأن المرأة أنْ «تطمح» عن زوجها إذا ما اكتشفتْ بعد الزواج أنَّه أقلّ مِنْ طموحها، بل ربَّما بدتْ عندئذٍ محطّاً للإعجاب وأصبحتْ ذات مكانة مميَّزة؛ بحيث لا يعود بإمكان أيّ رجل أنْ يطمح للارتباط بها، بعد طلاقها مِنْ زوجها، إلا إذا كان نِدّاً لها ومميَّزاً مثلها. واستخدام مفردات مثل «طامح» و«طَموح»، للتعبير عن هذه الحالة، إنَّما هو أمر ذو دلالة واضحة.
وممَّا يجدر ذكره هنا أيضاً أنَّ مكانة المرأة في المجتمع البدويّ القديم كانت مكانة مرموقة ومحترمة؛ بخلاف مكانتها الآن في العديد من المجتمعات العربيَّة التي تنظر إليها كعارٍ يجب ستره. وقد كان الفارس البدويّ، في الماضي القريب، عندما يهجم على أعدائه، يصيح قائلاً باعتداد وفخر: «أنا أخو فلانه»! أو «لعيون فلانة»! (يذكر اسم أخته الحقيقيّ). الآن، يخجل الرجال في بعض المجتمعات العربيَّة بذكر أسماء أخواتهم أو أمّهاتهم!
والمرأة في المجتمع البدويّ القديم كانت شريكة حقيقيَّة للرجل وكاملة الأهليَّة والمسؤوليَّة للحلول محلّه في واجباته الاجتماعيَّة، وخصوصاً في ما يتعلَّق بإيفاء شروط كرم الضيافة التي كانت تُعتبر ركناً أساسيّاً مهمّاً في المنظومة الأخلاقيَّة والقيميَّة البدويَّة. ولذلك فهي عندما كان زوجها يغيب عن البيت لم تكن تستنكف عن استقبال الضيوف من الرجال، بل لم يكن ذلك بإمكانها؛ إذ أنَّها لو فعلتْ، لعُدَّ ذلك عاراً عليها وعلى زوجها وعلى أهلها.
ونلاحظ، ثالثاً، ازدراء الشاعر للرجال الذين لا يرون مِنْ هدفٍ لحياتهم سوى كنز المال. وهو، هنا، ينفي ضمناً أنْ تكون للمال بذاته أيَّة قيمة إيجابيَّة. ولذلك، فإنَّه ينظر إلى هؤلاء الذين يكنزون المال مِنْ دون أنْ يصنعوا به شيئاً إيجابيّاً بأنَّهم مجرَّد حرَّاس له. وحيث أنَّ المال هنا بالنسبة للشاعر البدويّ (وللمجتمع البدويّ أيضاً) هو الأغنام والمواشي، فإنَّه يصف أصحابه الذين ينشغلون فقط بالحفاظ عليه ومراكمة أعداده بأنَّهم مجرَّد أشخاص يتبعون قطعان مواشيهم.
المجتمع البدويّ يمثِّل حالة اجتماعيَّة وسيطة بين المشاعيَّة البدائيَّة وبين مجتمع الرقيق. لذلك فهو يحتقر كنز الأموال انطلاقاً مِنْ نزوعين متناقضين؛ الأوَّل هو النزوع إلى المساواة المترسِّب من التشكيلة المشاعيَّة؛ أمَّا الثاني فهو النزوع إلى الترفّع الأرستقراطيّ المؤسَّس على بذور التشكيلة العبوديَّة.
ومن الواضح أنَّ هذه القيم التي مجَّدها الشاعر، بمجملها، تستمد قيمتها وأهميَّتها مِنْ حياة المجتمع البدويّ. حيث يمثِّل الكرم والفروسيَّة عامليْ أمانٍ وبقاءٍ ضروريّين في مواجهة مخاطر الصحراء المترامية الأطراف، ومتاهاتها، وضنكها. كما يشكِّل الغزو والسلب والنهب عاملاً ثالثاً ضروريّاً في هذه المعادلة، وخصوصاً في إطار المواجهة التقليديَّة التي كانت تدور بين البدو وبين الفلاَّحين، أو بين القبائل البدويَّة المختلفة بعضها ضدَّ بعض.
أخيراً، يبدو لي أنَّ الشاعر، في مجمل قصيدته هذه، إنَّما يتحدَّث بطريقة مواربة عن نفسه قبل أيّ شخص آخر. وحتَّى هذه المراتبيَّة التي صنَّف بها الرجال إنَّما تعكس صفات موجودة لديه هو نفسه أو أنَّه على الأقل يعتقد بأنَّها موجودة لديه. ولكنَّها صفات وقيم (كما قيمته هو نفسه في ما يبدو) كانت آخذةً بالتراجع والانقراض لصالح قيم بعض أولئك الذين أسقطهم مِنْ حسابه؛ أعني «حرَّاس المال الذين يتِّلون السروحِ». وهذا ما يجعله يشعر بالأسف والأسى.
وربَّما كان هذا بالضبط هو المنبع الأصليّ والحقيقيّ العميق لتلك الـ«أوَّاه» الجريحة التي أطلقها مِنْ أغوار نفسه البعيدة.
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *