أوراق مِنْ يوميَّات سجين – بقلم أحمد جرادات

أوراق مِنْ يوميَّات سجين – بقلم أحمد جرادات

في مدونته الجديدة خصَّص الرفيق والصديق سعود قبيلات باباً للكتابات الصديقة، الذي يسرني أن أبدأ إسهامي فيه بمقال قديم عن صاحب المدونة، كان قد نُشر في أحد أعداد ملحق الرأي الثقافي في سياق ملف خاص عنه.
 
تمهيد
“هذه ليست سيرة ذاتية”
تتصدر هذه العبارة مخطوطة اليوميات التي كان سعود قبيلات قد كتبها أثناء إقامته القسرية في الغرفة رقم 14-15، الشبَك رقم 1 في سجن المحطة المركزي بعمان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم. وقد أتاح لي الصديق سعود فرصة حميمة للاطلاع على جزء من مخطوطته، مما مكَّنني من الإسهام بهذه المقالة في الملف الخاص بالكاتب سعود قبيلات في الرأي الثقافي بطلب كريم من معدِّ الملف جعفر العقيلي. وقد اخترتُ الاهتمام بإضاءة الوجه الإنساني للسجين/الإنسان أكثر من سبر الجانب السياسي لسجين الرأي، وهو جانب مغرٍ للتناول في العادة.
 
ويغطي الجزء الذي بين يديَّ من اليوميات الفترة من 8/9/1979 الى 5/7/1982 . وسأحاول في ما هو متاح لي من مساحة أن تكون فسحة الكلام لصاحب اليوميات هي الأوسع، وذلك إنصافا له ولها.
 
ثنائية السجن والحرية
“كان رجل يمشي، أدخلوه السجن فقال: أربطُ حذائي. ومرت سنوات، أنهى الرجل ربط حذائه، وبينما هو خارج من السجن، قال: الآن أُواصل المشي.”
                                  من مقدمة اليوميات وإحدى قصص مجموعة “مشي” للكاتب.
 
ثنائية السجن والحرية بحد ذاتها ليست جديدة بالنسبة لمن يُحرمون من حريتهم وكذلك بالنسبة للكتاب الذين يتطرقون إلى هذا الموضوع. بيد أن يوميات سعود قبيلات تنسج خيطاً ينظُم خرزتين متناقضتين في الجوهر والشكل واللون في قلادة واحدة، وتكاد تجعل منهما ضديْن متحديْن.
 
كم تستخدم اليوميات مقاربة مشابهة لثنائية الحلم والواقع. ففي اللحظة التي يتأمل فيها السجين صوراً مقصوصة من مجلات لأطفال وبحر ونوارس وثوار، كعبد الناصر وغيفارا وكاسترو، علَّقها على جدران غرفته، يدخل زميله “نهار” الحمام مغلقاً وراءه الباب- قطعة قماش نايلون-  وبعد برهة يُسمع صوت كوب الألمنيوم وهو يرتطم بالطشت البلاستيكي، ثم صوت الماء وهو يندلق على جسده و”وشيش” بابور الكاز الذي يستخدمونه لتسخين ماء الاستحمام، وما يلبث أن يرفع عقيرته بغناء عشوائي، وعندما يتوقف، تأتيه رشقة من سهام تعليقات النزلاء أن “ارحم نفسك يا رفيق”.
 
مِداد القلم ووقود الحياة
إنها المرأة… إنه الحب، وقود الحياة في عالم الموتى-السجن- ومِداد القلم الذي لولاه لما سال حبر على ورق اليوميات، فالرسائل المتبادلة بين السجين وبين فتاته تشكل خيط الحبكة الفنية الذي يربط حبات عقد اليوميات معاً. وفي فضاء ذكوري خالص يعمل المخيال الفردي ليسدَّ الفراغ الأنثوي، ويمد حبلاً من شعاع أو جسراً غير مرئي فوق الأسوار وعبر الأسلاك الشائكة يتنقل بواسطته السجين بحرية بين “العالم السفلي” والعالم العلوي دون أن يتمكن الحراس من إيقافه. فالمرأة هنا – في السجن- حاضرة بقوة، فهي الحلم والأمل والتجسيد الرمزي للحياة بمعناها الإنساني الرحب.
 
معضلة الكتابة
لا شيء…
كلمتان تتكرران في أوراق اليوميات من 15/9  إلى 8/10/1979. وربما يعود الانقطاع عن الكتابة إلى أمرين: أولهما عامّ، يتعلق بمعضلة الكتابة في السجن، أي بمسألة الإبداع والحرية التي لا يتوقف النقاش بشأنها في أوساط المبدعين، وثانيهما خاص يتعلق بفقدان الأحبة في عام الحزن. إنه راغب في الكتابة، لكنه في الوقت نفسه راغب عنها ومرعوب منها كما يقول، ويرى أن السبب ربما يكمن في نمط الحياة الرتيب في السجن، الذي ينعكس على شكل خمول وبلادة وعجز عن الإحساس بأي شيء، فلا فرح ولا حزن ولا غضب … إلا الغضب، يستدرك، فهو الأوفر هنا ولأتفه الأسباب. ويتأكد له يومياً أن الإبداع سليل الحرية النبيل وأن القيود، سواء كانت داخل القضبان أو خارجها، لا تترك خلفها سوى ندوب في النفس والجسد لا تمَّحي.
 
العودة الى الكتابة
“أهذا عام الحزن؟” الرفيق نهار
تتضافر على السجين خسارات مفجعة ومتلاحقة ومتزامنة في فترة زمنية يصحُّ أن يُطلق عليها بحق اسم عام الحزن بفقدانه الأحبة الأكثر حميمية: الجد الحاني بالموت والحبيبة الغالية بالفراق والحزب العزيز بالانقسام، لتصيب أحاسيسه في مقتل، فيغرق في الحزن ويتملكه الاكتئاب ويرافقه الانطواء.
وعندما يراه رفيقه نهار على هذه الحال، يبادر إلى تذكيره بأن الحياة لن تتوقف نهائياً في هذه المحطة، فيقرُّ بذلك ولكنه يعي أنه لا يستطيع الانتقال إلى المحطة التالية من دون أن يسير في درب الآلام عاري الرأس حافي القدمين. وهو واثق بأن جواد الحياة سينهض على قدميه من جديد وأن أحباء جدداً سيولدون.
 
مناضل غير نمطي
“لستُ “سوبرمان”
عندما يغمر السجين شعور بالحزن العميق يسأل نفسه السؤال الاستنكاري إياه الذي يطرحه الآخرون على مَن مثله: هل يجوز لمناضل نذَر نفسه من أجل مُثل عليا وأهداف كبرى تخص الوطن والشعب والأمة والإنسانية بأسرها أن يحزن لشأن خاص كل هذا الحزن؟ ويجيب بأنه ليس هناك ما هو أصعب من أن يرسم لك الآخرون صورة “سوبرمان”،  لا يحزن ولا يضعف ولا يتألم، ولكنه مع ذلك يعي الحياة ويفهم الناس ويحس بهم ويحمل همهم ومستعد للتضحية من أجلهم بكل شيء، حتى بحياته إن اقتضى الأمر. إن الآخرين يتوقعون منك أن تكون مطابقاً للصورة النمطية التي رسموها لك. هذا كثير وقاس لا ريب، بيد أن الأقسى منه أن تجد نفسك حبيسا لهذه الصورة، حريصاً على عدم الانحراف عن خطوطها وألوانها وإطارها الخشبي.
 
الإعدام تهتز له السموات والأرض
“الإعدام أكثر من عقوبة، فهو يلغي وجود الإنسان من أساسه”
 بالإضافة الى جمالية الكتابة ومهارة التقاط الأحداث والصور والشخصيات الواقعية التي تتحرك في المكان الواقعي والزمان الواقعي، فإن ما اجتذب انتباهي بقوة في اليوميات هو كيف أن شاباً يافعاً انتقل فجأة من مقعد الدراسة الى “بُرش” السجن استطاع أن يبلور مواقف انسانية كبرى لم تكن رائجة في حينه ولا حتى واردة في التفكير السياسي السائد، ليس في الأوساط الشعبية فحسب بل في المجتمع السياسي للمعارضة والموالاة على حد سواء، كموقفه من عقوبة الإعدام.
 لقد أدهشني فعلاً أن أجد شاباً بهذه السن انتُزع للتو من قاعة الدرس وزُجَّ به خلف القضبان قد بلور موقفا من عقوبة الإعدام، وهو المعارضة المطلقة للعقوبة أياً كان المجرم ومهما كانت الجريمة وفي جميع الظروف وبلا استثناء. وقد جاء موقفه متماسكاً ومتسقاً مع جميع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، التي تعتبر الحياة التي وهبها الخالق للخلق قدس الأقداس لا يجوز لأحد أو سلطة انتزاعها، وتعتبر الحق في الحياة حقاً متأصلاً لا يجوز انتهاكه. هذا ما فعله هذا الشاب بالفعل في حقبة تاريخية ازدهرت فيها صناعة الموت، وكانت عمليات الإعدام والقتل، سواء بموجب القضاء أو خارج نطاق القضاء، في الحرب أو في السلم، تُنفّذ بلا حسيب أو رقيب ويتمتع مرتكبوها بالحصانة، وتمارسها الحكومات والمعارضات المسلحة على حد سواء، بمن فيها القوى التي كانت تُصنَّف على أنها جزء من حركة التحرر الوطني. بل إن الرفاق الذين كانوا في سدة الحكم أو خارجها كثيراً ما كانوا يحلّون صراعاتهم السياسية بالتصفيات الجسدية وخلافاتهم الفكرية باستئصال الرؤوس التي تفكر.
 ففي يوميته المؤرخة في 23/8/1980 يورد سعود وصفاً تفصيلياً مؤثراً لعملية شنق شاب ثلاثيني تابعها نزلاء الغرفة 14-15 عن بُعد عبر القضبان، ولأجواء القلق والتوتر والاستنكار والحزن التي خيَّمت على السجناء منذ ما بعد منتصف الليل وحتى لحظة التنفيذ المشؤومة في الساعة الخامسة صباحاً عندما هوى الرجل الى أسفل وسمعوا صوت ارتطامه بالأرض. وحداداً على روح إنسان أُزهقت ولم يعرفوا حتى اسم صاحبها الذي صعدت من جسده، قرر نزلاء الشبك رقم 1 الامتناع عن الخروج صبيحة ذلك اليوم.
 بانتظار رؤية يوميات سعود قبيلات وقد غادرت حيز الأوراق الضيق إلى رحاب النشر الواسعة، سواء على شكل يوميات أو في مجموعة قصصية أو في رواية.
 
المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *